بروباغندا النظام، حرب على أرض أخرى

في تحليل الخطاب الإعلامي للنظام السوري، لطالما كانت الغلبة لصالح الوقوع في مطبّ السخرية والاستخفاف من جهات المعارضة، باقتصار البحث عن اللامنطقي، أو على التناقضات في التصريحات ضمن الخطاب، مختصرةً التحليل على الشكل القيمي والأخلاقي للمعادلة التي يعمل هذا النمط الإعلامي لصالحها، دون بحث محايد متأنيْ لفهم ديناميكية العقل الدعائي للنظام، والذي استمال شريحة لا يُستهان بها من الرأي العام في الداخل والخارج، وبالتالي إدراك أدواته التي استخدمها للتوغل في جمهوره المستهدف.

هذا الاستخفاف جعل معارضي النظام يحصرون الحرب بأرضية واحدة، مغفلين الواقع بأن أي حرب تتوازن ما بين أرضية المعركة (عسكرية أو سياسية) من جهة، وما بين عقول الناس من جهة ثانية، فقول عبد الناصر بأن «لا صوت يعلو على صوت المعركة» بعيد عن واقع نزاعنا، وتجاهل محبّب من المروِّجين لصوت البروباغندا، والتي عملت عليها آلة النظام طوال الأعوام الأربعة الفائتة، وعلى عدة أصعدة، والتي انقسمت كخط عريض ما بين داخل وخارج، وإن تفاوتت في معايير جودتها وأدائها بتفاوت اهتمامها وفهمها لكل جمهور مستهدف.

وهذه الأرضية، كما الأولى، محكومة بالمنطق العسكري للحرب، فلا تعتمد على تطوير الأدوات الإعلامية احترافياً، وربما يشرحها بالشكل الأمثل الصحفي الاستقصائي فيليب نايتلي في مقالٍ قديم له في الغارديان بعنوان «القتال بقذارة»: «إن وسائل الإعلام تمتلك ذاكرة قصيرة، أو لا ذاكرة لديها على الإطلاق، فمراسلو الحرب لديهم حياة مهنية قصيرة، وليس هناك تقليد أو معنى لتمرير معارفهم وخبراتهم، في حين أن الجيش، من ناحية أخرى، مؤسسة باقية... لذا فاهتمامه باستراتيجيات لمخططات إعلامية توازي اهتمامه في استراتيجياته العسكرية عينها».

وهنا السؤال المشروع حول إمكانيات إعلام صرّح في وقت ليس بالبعيد بأن المتظاهرين خرجوا ليشكروا الله على نعمة المطر، لكنه في وقت لاحق حقق انتصاراً كبيراً في تغطية رسّخت الشك وفتح الاحتمالات بخصوص مجزرة بحجم الكيماوي أو واقعة موثقّة لأحد عشر ألف صورة لمعتقلين ماتوا تحت التعذيب، فكيف من الممكن لأداة واحدة العمل بهذا التباين الغريب؟ تتجلى الإجابة من خلال فهم النظام وفهم ترتيب أولوياته لكل شريحة من جمهوره المستهدف، وما يحمله الأمر من اختلاف في الخطاب، أو المنهجية، وحتى الرسائل المضمنة.

وإن بدا خطابه الداخلي شبه موحَّد، فإن رسائله الخارجية لم تكن كذلك، سواءً بمضمونها أو بأسلوبها، حتى ولو كان المطلوب منها واحداً، حيث عمل على استمالة كل شريحة من شرائح الخارج بشكلٍ منفصل.

ولضيق المساحة والوقت، فمن الممكن لنا اليوم اختصار نتائج السنوات الأربع من العمل الدعائي على ترويج المصطلحات والمفاهيم، ونشر المعلومات (بغض النظر عن أحقيتها)، من خلال مقابلة بشار الأسد في الأيام القليلة الفائتة مع صحيفة باري ماتش الفرنسية، التي ظهر فيها نضج واضح ليس للبروباغندا المستخدمة فحسب، بل برجع الصدى المراد لها.

يجيب الأسد عن تساؤل الصحفي حول اعتبار الرئيس الفرنسي فرانسْوا هولاند بشار الأسد خصماً له، ويقول: «أنا لا أنافس هولاند على شيء، أعتقد أن من ينافسه في فرنسا الآن هو داعش، لأن شعبيته قريبة من شعبية داعش»، وهو استكمال لما ذكره في إجابة سابقة من اللقاء عينه: «النسبة الأعلى من الإرهابيين الأوروبيين الذين يأتون إلى سوريا هي من الفرنسيين، وحصلت لديكم أحداث في فرنسا، الإرهاب في أوروبا لم يعد نائماً وإنما أعيد إحياءُه».

يعلم الأسد علم اليقين بأن إدانة هولاند (الاشتراكي) والتركيز على وجود داعش الفرنسية، بلفت النظر إلى خطرها على فرنسا وأوروبا، كفيل بدغدغة مشاعر اليمين المنفعل، بالأخص الفرنسي منه، فما كرره في دعايته منذ الأيام الأولى حول خطر التطرف، وقد وَسَمَ كافة معارضيه بهذه السمة، صار سهل الإثبات لغير المدرك لتفاصيل الأمور ومآلاتها، بالتالي هو تثبيت لشرعيته وأحقيته في هذه الحرب، وشيطنة الأطراف الأخرى عبر حصرها في خانة واحدة.

بخصوص هذا اليمين الذي خاطبه مرات عدة، كان أبرزها باستخدام مفهوم حماية الأقليات، وبالأخص المسيحيين منهم، أذكر هنا القداس الكبير الذي دعا إليه البابا فرانسيسكو للصلاة من أجل سوريا في كافة الكنائس الكاثوليكية في عام 2013، لتأتي الدعوة بعد أيام قليلة من الضربة الكيماوية، ولكن الأمر تحول بالكامل عن مساره، بدخول قصة معلولا إلى السياق قبيل أيام، وإن لم يظهر التحول في مضمون خطاب البابا نفسه، بل ظهر في الصلوات التي تُليت في العالم، وبين الجمهور المحتشد في ساحة الفاتيكان الذي كان يرفع لافتات من مثل «أنقذوا معلولا».

حينها لم يتوانىْ النظام عن إرسال شخصيات تمثله في الفاتيكان، كإحدى النواب المسيحيين، التي أوصلت رسالة من مفتي الجمهورية، وأخرى من رئيس مجلس الشعب، بالإضافة إلى إجراءها لعدد من اللقاءات مع الصحافة الإيطالية والأوروبية هناك، وأذكر هنا أحد التقارير المعروضة للنائبة عينها في خريف 2013، والذي بثته محطة فرنسية حكومية، ويتناول التقرير معاناتها اليومية كأمّ أثناء إيصال أولادها إلى المدرسة الفرنسية في دمشق، واختُتم التقرير بوجهة نظر المراسل، الذي رأى بأن الأسد هو آخر رمز للعلمانية في الشرق الأوسط، مُبدياً قلقه لما ستؤول إليه المنطقة حال سقوطه.

ولليسار حصته أيضاً من العمل الدعائي، فبالعودة إلى لقاء الأسد الأخير، وبالتحديد في إجابته عن سؤال يتعلق بارتباط داعش بالنظام السوري أو أشكال التعاون فيما بينهما، يذكر الأسد بأن داعش تأسست في العراق المحتلّ من الولايات المتحدة، والبغدادي كان سجيناً لدى أميركا، وليس سورياً، متسائلاً من يكون في هذه الحال المؤسس الفعلي لداعش؟

فالعقل اليساري الجمعي السائد اليوم، يزداد شراسةً بالدفاع عن كل متصدّيْ للإمبريالية والرأسمالية المتجلية في الولايات المتحدة الأميركية بالنسبة إليه، حتى وصل الأمر إلى أن يتخذ ’الحزب الشيوعي الإسرائيلي‘ موقفاً إلى جانب الأسد عندما اعتبر أمينه العام في إحدى مقالاته بأنه لا بديل عن النظام السوري إلا ما ترضى عنه أميركا، وهو تكرار لسيناريو العراق، متسائلاً إن كانت الديمقراطية المطلوبة في الثورة هي تقسيم الدول وتفتيتها؟

وقد استطاع النظام استغلال قلة إلمام العديد من اليساريين في العالم بالوضع السوري، وعمل على إدارة إدراكهم، من خلال الخطاب الموجَّه، فكسب تأييدهم ودفعهم لمناصرته والدفاع عنه، فلم يكن البريطاني روبرت فيسك الكاتب الوحيد الذي قدم خدماته للنظام، مروجاً لروايته، ومنجراً معها، بل نذكر هنا آخرين من مثل الكاتب الأوسترالي تيم أندرسون، والأميركي توماس فريدمان والفرنسي تيري ميسان... الخ.

ولم تتوازىْ هذه المنهجية في الخطاب الموجه للخارج مع نظيره الداخلي، سواءً في القوة أو الأداء أو حتى الرسائل. فبقدر ما كانت الآلة الدعائية الخارجية تتحرك تصاعدياً، كانت تهبط بشكل جليّ داخلياً، دون أن يكون الأمر إخلالاً في معيار الدعاية واستمرارها، فعمل النظام على استخدام القصص المنتقاة والتغطية الجزئية، وتوظيف الحقائق المجتزأة بسياق تاريخي داعم لها، إضافة إلى عمله على تقويه الدوافع الفردية للتحرك حيال التهديدات. والأهم كان باتباعه ثلاثة من أشهر أساليب الدعاية وأقدمها، وهي الكذبة الكبيرة، شيطنة العدو، والعبارات العاطفية المكررة. هذا المنهج الذي يؤكد استخفاف صاحبه بعقل الجمهور، وعدم اكتراثه إن كانوا يصدقون روايته بالفعل أو يكذبونها، وإن شهد خطاً تصاعدياً بخروجه من مرحلة الإنكار في تموز 2012 عند دخول المعركة إلى دمشق، إلا أنه أكد هذا الاستخفاف بوضوح لبقية السوريين على حساب العاصمة.

ثم لتأتي مرحلة الهبوط الكبرى، إثر انتصاره في الحرب الدعائية إبان مجزرة الكيماوي 2013، فلم يعد مهتماً بالفعل بالتعاطي مع الداخل، فحوّل إعلامه بشكله الأعظم إلى النمط الخدمي، وفتح مجالاً للحريات الصحفية في هذا الخصوص، بالتوازي مع الفواصل على شاشاته بين البرامج والتي تبث الأغاني العسكرية والوطنية والحماسية، أو بعض المشاهد التي تخاطب العواطف الإنسانية عند الجمهور.

إن واحداً من أعراف الحرب الأساسية هو نشر الأكاذيب، وكما يقول تشرشل: «في الحرب، الحقيقة غالية جداً، لذلك علينا إحاطتها دوماً بحرسٍ من الأكاذيب»، أو كما قال السيناتور الأمريكي هيرام جونسون إبان إعلان بلاده الحرب على المانيا في نيسان 1917: «الحقيقة أول ضحية للحرب».

وحيث أن الخيل في المضمار وحيداً يفوز بكل سباق، فلا هيئات إعلامية حقيقية تمثل المعارضة بتشكيلاتها السياسية الأساسية، ولا دعاية مضادة لما يروجه النظام، سوى محاولات فردية ومستقلة وإن كانت صادقة، فهي غير مركزية كما في حالة النظام، ولا داعمين حقيقيين لها، وإن نجحت بعضها في حصد جوائز فقد بقيت ضيقة ومحصورة في حيّز النخب الثقافية في الكثير من الأحيان، فلو كانت المعارضة المنظمة تمتلك شيئاً من هذه الأدوات لأمكن الحديث عن مقارنات بينهما، أو أخطاء يمكن الاستفادة منها للترويج لحقيقة تُسرق لصالح من انتهكها أو لمن كان مفتاح باب الانتهاكات جميعاً.