ثلاثة أنواع رئيسية للجهاديين

حميد الشيخ هو باحث في علم النفس الاجتماعي، يعمل الآن في مركز «الحرب على الإرهاب» في مدينة نيويورك (كليَّة جون جاي)، وفي مركز تسوية وحل النزاعات المستدامة المستعصية التابع لجامعة أوكسفورد (كليَّة هاريس مانسشتر). يتوخّى بحثه الميداني الآتي، الذي اشْتُغِل مع أشخاصٍ قادمين من مناطق النزاع هدفين: الأوّل، دوافع سياسيَّة، وذلك من أجل تسليط الضوء بشكل علْمي على العنف. والثاني، تمكين السياسيين والسلطات من اتّخاذ قراراتٍ تستند إلى حقائق واقعيَّة قائمة.

* * *

من ينضمُّ ويلتحقُ بالدولة الإسلاميَّة كمقاتل؟

يؤسِّسُ هذا البحث لثلاثةِ أنواعٍ رئيسيَّةٍ من الجهاديين، يجب أن تتمَّ مراعاتها، وأنْ تُؤخذ في الاعتبار في عمليَّة الحرب على الإرهاب.

الدولة الإسلاميَّة تمتلكُ القدرة على القيام بأفعال رهيبةٍ مروّعةٍ، الأمرُ الذي كان معروفًا قبل هجمات باريس. لكنْ هؤلاء الناس الذين نشؤوا وكبروا وترعرعوا هنا، الذين يعيشون في أوساطنا، الذين جلبوا الإرهاب إلى أوروبا، كانوا أيضاً مصدومين ربّما من هذه الهجمات، كما تؤكَّد التحقيقات المتّصلة، إذْ أنَّ أجهزة الدولة الرسميَّة مع كلَّ إمكانيَّات وخيارات المراقبة الشاملة لديها، لم تستطع منع هذه الهجمات.

إحدى الشروح والتفسيرات لفشل هذه المراقبة، هو التصوّرات الخاطّئة والمفاهيم المغلوطة، حول ماهيَّة دوافع الجهاديين، ومَن منهم يمتلك القدرة على القيام بهكذا هجمات. دونَ معرفة واضحة بالدوافع، فإنه لن يتم التمكّن من تقييد وتقليص دائرة المرتكبين المحتلمين، وأيضاً محاربة التطرف الناشئ بشكل مبكّرٍ بوسائل مدنيَّة.

ما تفعلهُ الحكومات المختلفة من أجلِ صدّ ومواجهة الإرهاب، من تعقيد نظم وقواعد اللجوء بالنسبة للسوريين في الولايات المتحدة الأميركيَّة، مروراً بتكثيف الضربات الجويّة في سوريا، انتهاءاً بالاستراتيجيات الوقائيَّة الدفاعيّة النوعيَّة (مثل الاستراتيجيَّة الوقائيّة البريطانيَّة)، لن تؤدّي إلا إلى نتائج عكسيَّة. الأمر الذي سيفاقم الوضع أكثر، وسيهدد السلامة العامَّة على المدى الطويل.

في الصميم والجوهر، تعّد الدولة الإسلاميَّة بُنياناً منظَّماً، ذو رؤية أيديولوجيَّة، وقيادة ذات تسلسل هرمي. يتكوَّن الهيكل التنظيمي في معظمه من ضباط مخابرات وجيش سابقين في نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، إذْ أنَّ هؤلاء بعد انتصار الأميركيين في العراق أصيبوا بخيبة أملٍ، وظلّوا دون رؤيةٍ مستقبليَّة، وباتوا يبحثون عن طرق جديدةٍ من أجل الحصول على السلطة. يوجد بينهم أيضاً المتدينون الأصوليون، الذين يريدون تنصيبَ وإحياء الخلافة الإسلاميَّة كدولة دينيَّة.

يرزحُ العراق منذ سنوات تحت حكومة فاسدة ذات هيمنة طائفيَّة شيعيَّة، تمارسُ التمييز علناً ضد السنّة. ومنه، فقد التحقت العديد من العشائر السنيَّة إلى الدولة الإسلاميَّة، أملاً في إقامة دولتهم الخاصَّة الخاليَّة من أي هيمنةٍ أجنبيَّة، لذلك فليس من باب الصدفة أن تَعتبرَ الدولة الإسلاميَّة الشيعة أعداءاً المرتبة الأولى وألدّ الخصوم، وليس الغرب كما كان الحال سابقاً مع جهادييّ تنظيم القاعدة.

إن إدراكاً جيّداً للأهداف التي يبتغيها قادة الدولة الإسلاميَّة (والأهداف الجهاديَّة بالعموم)، لا يقول إلا القليل حول دوافع الجنود المشاة. لذلك، يجب على المرء أن يتفاعل بشكل مباشر، ووجهاً لوجه مع هؤلاء الشباب، الذي يتبعون للدولة الإسلاميَّة بالآلاف. أنا وزملائي في مركز تسوية وحل النزاعات المستدامة والمستعصيَّة، أجرينا العديد من المقابلات، إمَّا مع متعاطفين مع الجهاديين، أو أشخاص منضمين لهم.

ويديرُ أيضاً مركز «أرتيس» الدولي للأبحاث الاجتماعيَّة، العديد من الأبحاث الميدانيَّة في مناطق النزاع، حيث جمعوا العديد من النتائج. وتشيرُ الأبحاث التي تجري في الحالة الراهنة، إلى أنَّ هناك ثلاثة أنماط أساسيَّة من مقاتلي الدولة الإسلاميَّة، وتبعاً لذلك، يُقترَح إيجاد مقاربة أخرى مختلفة تماماً من أجل مكافحة الإرهاب الإسلامي والوقاية منه.

النمط الأوَّل من الجهاديين (الجهاديّ المحلي)، هم المقاتلون المحليّون، الذين يتحكمون بالدولة الإسلاميَّة في العراق وسوريا، إذ يعيشون في تلك الأرض، وينتمون إلى البيئات المحليَّة الأهليَّة. هؤلاء الناس رزحوا تحت حكم الحكومات الشيعيَّة، حكم الأسد في سوريا، أو نوري المالكي في العراق. ونشأوا وكبروا كسنّة مع تمييز طائفي وبدون أي أفق مستقبلي. غالبيتهم من الشباب الذين قضوا وأنفقوا شبابهم في الحرب الطائفية المشتعلة بين السنة والشيعة، التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق، إذ أنَّهم غاضبون من حكومتهم الشيعيَّة ومن الأميركيين، حيث يرونهم سبباً لأوضاع الفوضى واستمرار العنف.

وقد صرَّح لنا أحد مقاتلي الدولة الإسلاميَّة قائلاً: «أتى الأميركان وأسقطوا صدام، لكنّهم أسقطوا أمْنَنَا أيضاً!، أنا لا أريد صدّام. سابقاً كنا نتضوّر جوعاً، ولكن على الأقل لم نكن في حرب». وغالبًا ما اتّسمت هذه المقابلات والمحادثات بالخيبة والإحباط، على الشباب الضائع، حول حظر التجول، حول اللجوء والفرار والطرد والرفض، حول فقدان الأب أو غيرهم من الأقارب. تشكل الدولة الإسلاميَّة لهؤلاء الشبان خياراً وحيداً من أجل استعادة كرامتهم، وذلك عبر قتال ومعارضة عدوَّهم المفترض (الحكومة الشيعيَّة، المترجم)، أو الانتقام على الأقل.

آخرون من السكّان المحليين ينضمَّون ويلتحقون بالدولة الإسلاميَّة، إمَّا لأنه يتمُّ إجبارهم بالقسر على الانضمام، أو لأنَّهم لا يستطيعون أن يكونوا غير ذلك. كثيرون منهم لديهم نساءٌ وأطفال، لكن لا إمكانيَّات ولا خيارات في تأمين لقمة العيش أو الهروب والفرار (على سبيل المثال باتجاه أوروبا الأكثر أمناً). لذلك، تشكّل الدولة الإسلاميَّة بالنسبة لهم طريقاً وحيداً، كي يتمكّنوا من إعالة أسرهم، إذْ تدفع الدولة الإسلاميَّة لكلَّ مقاتلٍ أجراً ومبلغاً شهرياً ثابتاً، وتقدّم للزوجات والأطفال مبالغ ماليَّة إضافيَّة. آخرون ينتمون إلى العشائر السنيَّة، إذْ انضمَّ شيوخِ العشائر إلى «الدولة الإسلاميَّة» استراتيجياً، وتطلَّب ذلك انضمامَ كثيرٍ من شباب هذه العشائر إلى الوحدات القتاليَّة. بالطبع يوجد أشخاص من هؤلاء الشباب تمَّ تجنيدهم بالقسر في المناطق الخاضعة لسيطرة الجهاديين، إذْ أنَّ البديل عند الرفض هو: الإعدام الفوري.

على عكس مقاتلي البيئات المحليَّة الذين يتعرَّضون لكثيرٍ من الضغوط والقيود والعوامل المحليَّة، يمتلكُ المقاتلون الأجانب حوافز ودوافع مُختلفة، إذْ أنَّ لديهم مسألة القيام برحلة أطول، بهدفِ الانضمام إلى الدولة الإسلاميَّة.

تتشكَّل هذه المجموعات من الشباب الذين يأتون بغالبيَّتهم من منطقة الشرق الأوسط (النمط الثاني من الجهاديين، الجهادي الإقليمي)، على سبيل المثال من تونس والمغرب والأردن. ينتمي هؤلاء المقاتلون في بلدانهم الأصليَّة إلى الفئات الشعبيَّة المهمَّشة المحرومة، والتي يتملّكها الغضب تجاه الفساد الاقتصادي والزبائنيَّة والمحسوبيَّة، مما يقلّل عندهم إمكانية تأمين المستقبل المهني، وبالتالي تشكيل عائلة. يشعر هؤلاء الجهاديون بسبب افتقارهم للبديل أنهم مجذوبون إلى نمط «الجهادي الكول  Jihaddi cool» (مُصطلح جديد يطلق على الجهاديين الغربيين الذي يجمعون الحداثة الشكليَّة، كارتداء ملابس الموضة والسماع للموسيقى الصاخبة واعتماد نمط الحياة الغربيَّة الحديثة، مع مضمون أصولي متشدد)، وإلى الوعودِ بالمغامرات البريَّة، العزَّة والمجد، والأمل بالحصول على زوجة.

بعد العديد من المقابلات، يؤمن الجهاديون، وطبعاً مع كثيرٍ من نظريَّات المؤامرة، أنَّ الغرب يقود حرباً عالميَّة ضد الإسلام. نشأَ وظهرَ وعد الخلاص التابع للدولة الإسلاميَّة من أشخاصٍ مؤمنين ولهم مصداقيَّة وموثوقيَّة، إذْ أنَّهم سوف يشاركون ويحاربون في جهة الصالحين والأخيار من الصراع. يتمُّ تجنيد هؤلاء الشباب، في كثيرٍ من الأحيان، عن طريق الأصدقاء الذين يمتلكون التفكير نفسه، أو من خلال الشبكات السلفيّة الجهاديّة، التي كانت تستطيع أن تعمل بحريَّة نسبياً في هذه البلدان. ولكن، منذُ أن عقدت الدول العزم على استهداف هذه الشبكات واقعياً، نجد العديد من هذه الشبكات الجهاديَّة على شبكة الانترنت.

النمط الثالث من المقاتلين هم القادمون من الدول الغربيَّة (الجهادي الدولي)، وهم لا يشتركون مع المقاتلين الأجانب القادمين من منطقة الشرق الأوسط بأي قاسم مشترك، سوى خوض الرحلة الطويلة من أجل الانضمام إلى الدولة الإسلاميَّة. وعلى النقيض من المقاتلين الأجانب القادمين من الشرق الأوسط، الذين يعرفون الغرب فقط عن طريق الإشاعات والإعلام، فإنَّ المقاتلين الأجانب الغربيين قد نشأوا وكبروا في الغرب. حتّى إنَّ الغالبيَّة العظمى منهم قد ولدوا في الغرب، لكنَّهم يمتلكون أصولاً مهاجرة. رغم أنَّهم يقاتلون بسبب المعاناة من التمييز والتهميش، إلا أنَّ مستقبلهم ليس مسدود الأفق أو دون المنظور، مثل المقاتلين القادمين من منطقة الشرق الأوسط. على العكس من ذلك، إذْ أنَّ شبكات الأمان الاجتماعي والاقتصاد المستقر في الغرب، يقدم كثيراً من الخيارات والإمكانيَّات حول نجاح المستقبل المهني، والأمان الأسري.

وخلافاً لما يُعتقَد ويُفترَض غالباً، فإنَّ المجتمعات الأهليَّة الموازيَّة والتلقين الديني المبكّر، لا يلعبُ دوراً كبيراً. على سبيل المثال، كشف استطلاع فرنسي أجراه «مركز الوقاية» أنَّ أكثر من ٩٠٪ من الفرنسيين الذين يعتنقون أيديولوجيَّات إسلاميَّة هم فرنسيوا الأجداد، كما أنَّ ٨٠٪ منهم لم يأتوا من عائلات متديَّنة.

ويبدو أنَّ مسألة البحث عن الهويَّة هي الأكثر أهميَّة، إذْ أنَّ كثيراً من هؤلاء الناس كان يتمُّ التعامل معهم والنظر إليهم في أوطانهم الغربيَّة على أنَّهم غرباء. هم يرون أنفسهم كضحايا، وبالتالي، ينظرون إلى آبائهم كسلبيين أو يرونهم مُنقادين. ولا يلبَثُ هذا الإحباط أن يتحول إلى غضب ضد الأرض التي ولدوا فيها، وضد الغرب بشكل عام. إنَّه غضب عنيف موجه ضد المهاجرين الآخرين، الذي يظهرون بمظهر المندمجين في المجتمع. إنَّه الغضب الذي يمكن سماعه واستشعاره في أغنية مغني الراب الشهير «سامي دي لوكس» بعنوان « Weck mich Bitte auf  أيقظني رجاءاً»، والذي يمتلك بالتأكيد القدرة على تحرير وتفجير كثيرٍ من الطاقة الإيجابيَّة، أي أنَّه قادر على تحفيز فعاليَّة اجتماعيَّة. آخرون يلجؤون إلى المخدّرات، أو يصبحون مجرمين، كما تظهرهُ وتوضّحه في كثيرٍ من الأحيان، السجلّات الجنائيّة لهم. هؤلاء الذين ينضمون للدولة الإسلاميَّة، هم على استعدادٍ لأنْ يتركوا وجودهم الآمن وأوضاعهم المستقرَّة في الغرب ورائهم، وأن يقودوا حرب «الخير ضد الشرّ». والدولة الإسلاميَّة على درايةٍ تامَّة بأثر الدعاية على هؤلاء المجندين المحتملين، لذلك، يُعْتبَرُ المقاتلون الأجانب في الغرب مهمّين أيضاً من الناحيّة التكتيكيّة، لأنَّهم يستطيعون التحرُّك في الغرب بشكل خفيّ وبحريّة أكثر، وبالتالي يمكن استغلال غضبهم على بلدانهم وتحويله إلى محرَّك من أجل شنّ هجمات، وهذا ما يفسّر أنَّ الدولة الإسلاميَّة تبذلُ جهوداً ضخمةً من أجل تجنيدهم. لذلك، يحاول المجنِدون عبر مئات ساعات الفيديو، في وسائل الترفيه، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، ربطَ وإيجاد صلةٍ ما بين الإحباطات الشخصيَّة لهؤلاء الشباب، والمعاناة الجمعيَّة للمسلمين. ويشير المجنِدون لهم أيضاً بالامتناع عن الذهاب إلى المساجد المحليَّة، وإخفاء الانتماء للأيديولوجيا الإسلاميَّة وخطط رحلات السفر إلى سوريا عن العائلة. إذْ يوجد خوفٌ في حال حصول ذلك أنَّ يتمكن أحد أعضاء المجتمع الغربي أو الأقرباء من ممارسة تأثير إيجابي ملطف ومخفف للتطرّف، أو إبلاغ السلطات المحليَّة مباشرة عن المشتبهين، كما حصل في أماكن متعددة.

لأنَّ المصنفين ضمن الأنواع الثلاثة من الجهاديين، يمتلكون حوافز ودوافع مختلفة، فإنَّ تناول مسألة الإقبال على الدولة الإسلاميَّة لا يمكن حصرها واختزالها وخنقها في منهجيّة نظريّة واحدة. ويجبُ على السلطات في كلّ بلدٍ على حدة أن تتخذَ تدابير هادفة من أجل معالجة هذه المشكلة، تدابيرٌ لن تتمكَّن الحكومات من اجتراحها، إلا بعد أنَّ تقوم بتقييم جميع المعلومات المتاحة لها، في ضوء دوافع المقاتلين، وهذا لا يتم فقط بالاعتماد على أجهزة الاستخبارات. كما أنَّ هذه المعلومات تبقى للأسف طيّ الكتمان وتحت القفل، وبالتالي فإنَّ الباحثين ذوي الخبرة، والذين قد يستطيعون عبر هذه المعلومات أن يقوموا بالتقييم، لن يستطيعوا الوصولَ إليها.

ولكنْ حَتَّى الآن يُمكِن اقتراحُ عددٍ من التوصيات:

لا يمكن تجفيفُ منابعِ توريد المقاتلين إلى الدولة الإسلاميَّة في العراق وسوريا، إلا بإنهاء الحرب الأهليَّة، وإيجاد  حلٍّ سياسيٍّ يأخذُ ويدرجُ العشائر السنيَّة. فقط مع هكذا سلام واقتصاد مستقرٍ، ستنشأ للناس هنالك بدائلٌ عن القتال والهرب. إنَّ حقَّ تقرير المصير الذاتي للسنَّة العراقيين والسوريين من الممكن أن يكون مفيداً، بيد أنَّ تشييدَ دولةٍ مستقلَّةٍ، يبدو الآن على مستوى العالم أمراً بالكاد يمكن تصوّره. تكثيفُ المزيدِ من الغارات الجويَّة لا يمكن أن يخلق أو يعزّز الاستقرار بأيّ حالٍ من الأحوال، الاستقرار الذي يحتاجه السنّة على وجه السرعة.

في دول الشرق الأوسط، حيث يتواجد أغلب المقاتلين الأجانب للدولة الإسلاميَّة، يجب استمرار مكافحة شبكات السلفية الجهاديَّة التي تقوم بتهريب الناس إلى سوريا. جوهرُ المشكلة هو عدمُ وجودِ فرصٍ للشباب هناك، وانسداد الآفاق. يجب أن تكون برامج التنميةِ التي تستهدفُ المحسوبيَّة والزبائنيَّة وفساد الحكومة جزءاً من الحلّ طويل الأمد، حتَّى إنَّ برامجَ التبادل قد تكونُ على القدر نفسه من الأهميَّة، حيثُ أنَّها ستسمَح وتمكّن من زيادة الفرص التعليميَّة، وتحقيق إطلالة وتبصُّر لديمقراطيّة مجتمعاتنا.

يجبُ تناول مشكلة المقاتلين الأجانب القادمين من الغرب، بأدوات ووسائل مختلفة تماماً، إذْ لا يشكُّل التعليم والنهوض الاقتصادي هنا، نقطة انطلاق حاسمة في التحليل.

غالبيَّة مُجنَّدي الدولة الإسلاميَّة القادمين من الغرب، قد يكونون منحدرين من بيئات أو شرائح سكانيَّة مظلومة ومهمَّشة، ولكن يوجد على الأقل في الغرب إمكانية في مستقبل مهني ناجح أو بناء أسرة، على عكس مقاتلي الشرق الأوسط.

كما أنَّ تشديد القوانين لا يساعد، إذْ إن من يكون مستعداً لتفجير نفسه في بلاد الأجانب أو في الهواء، لن تردعه التهديدات والعقوبات. لذلك، يجب أن يكون هنالك، في الدرجة الأولى وفي المقام الرئيسي، مناقشة اجتماعيَّة لأزمة الهويّة لدى هؤلاء الناس، وتمكنيهم ومساعدتهم في لعب أدوار إيجابيَّة في بلدانهم الأصليَّة. كما أنَّه من المهم، على المدى المتوسّط، العملُ المشترك بشكل وثيق وعن كثب مع الجاليات المهاجرة، وإشراك القادة المحليين والدينيين في تدابير إجرائيَّة ضد التطرّف.

الأُسَرُ والأئمة قادرون على الأرجح، على تحديد إذا ما كان الشخص يبدأ إمَّا بالتطرّف أو بعزل نفسه عن المجتمع. لكن للأسف يبدو أنَّ المقبول اجتماعياً، هو إبقاء الإسلام والمسلمين تحت الشبهة العامَّة دوماً، حيث ما يزالُ انعدام الثّقة المُتبادَل يزيد، والمطالبة بتعزيز المهام القتاليَّة في سوريا والعراق، والوقوف وراء القرارات ضد اللاجئين، هؤلاء الذين استطاعوا أن يهربوا من الجنون في أوطانهم.

تنشأ ردود الفعل الخاطئة والمضللة هذه، من العجز والفشل في تحديد في دوافع الإرهابيين الإسلاميين بما فيه  الكفاية، كما يستطيع البحث المنهجي النظري كشفه.

هذا سيتسبب بأننا سوف نتكيَّف مع مزيدٍ من الهجمات، كما هو الحال في باريس.