«الحرملك»: الهرب والرقابة والبوح

 

هل هو مكان يجب أن «ننجو» منه؟ 

«حتماً! فهذا المكان شتيمة» تقول زينب الأربعينية، في محاولة أولية للحديث عن مكان إقامتها في اسطنبول.  

تُعرِّفُ هذا المكان الذي لن أعطيه اسماً محدداً الآن جملةٌ من المبررات؛ فكل ما يرتبط به محكوم بحاجة ملحة إلى تبرير نفسه داخلياً وخارجياً، مراراً وتكراراً؛ بدءاً من النساء اللاتي  يقمن فيه؛ فيما يعمل النفي أيضاً على تفسير جزءٍ مهم من هوية المكان؛ فهو كثيرٌ من الـ «لا» ذات النبرة القطعية، وقليلٌ من الـ «أجل» الرقيقة أو الحميمية.  

سأقود أنا سلسلة المبررات – كناجية من المكان/الشتيمة – لأشرح الاسم الذي اخترتُهُ لهذا المكان في العنوان؛ الحرملك، أردتُ للبداية اسماً يبعث في المخيلة العديد من الصور النمطية، والمثيرة في الوقت نفسه، عن النساء في أماكن تجمّعٍ تخصهنّ وحدهنّ؛ تبدأ بالخبث الفطري، التبرج الشهواني، وتنتهي بـ «الميل إلى الفجور». 

فالتسميات «سكن» أو «بيت» لا تفي الصورة المتطرفة عن تجمعات النساء الخاصة حقها؛ بينما تعبر «حرملك» عن نسائية التجمع البحتة من جهة، وعن خضوع هذا التجمع لنظرة المجتمع الخارجية من جهة أخرى؛ أي استسلامه لرقابة المخيال الشعبي. 

ينطوي استبدالي لمفردتي السكن أو البيت بكلمة حرملك أيضاً على سخرية من التغاضي شبه التام عن وظيفة هذا المكان في اسطنبول، الذي تلجأ إليه نساء من جنسيات عدة سعياً للعمل في أغلب الأحيان، فكلا المفردتين قاصرتان عن درء حشرية اللسان الاجتماعي عن النساء؛ بينما يفشل المكان بحد ذاته في تأمين أبسط قدر من معاني الـ«سكن» للوافدات إليه؛ عازبات، متزوجات، مطلقات، طالبات، مستقلّات، محافظات، ومتحررات.

المكان كوظيفة  

قبل نقاش فِعلَي «السكن» و«الإقامة» كسياق لاسم محتمل، لا بدّ أن نتطرق إلى مهمة/فضيلة المكان الوظيفية التي اختصرتها زينب بما يلي: «يحقق لي شيئاً واحداً لا أكثر»، لكن ما هو هذا الشيء؟ 

الكثير من غير السوريات؛ يمنيات، تونسيات، مصريات ونساء من جنسيات أخرى ، ليست عربية حصراً، يلجأن إلى المكان ذاته؛ للدراسة أحياناً قليلة، بحثاً عن استقلال بدرجة أقل، أوغالباً مستهدفات سوق العمل التركي، «قليل المردود».

زينب، صاحبة ورشة خياطة ومصممة أزياء من ريف دمشق، توجهت إلى تركيا/اسطنبول بحثاً عن العمل بعد تدهور الوضع الاقتصادي في سوريا بالإضافة إلى تردي الخدمات، فلا كهرباء لتشغيل آلالات الخياطة ولا وقود للمولدات؛ وقصدت «هذا المكان» بالتحديد. 

أما نور، الأربعينية أيضاً، التي قطعت الحدود تهريباً إلى تركيا من أجل العمل في اسطنبول، فقد التجأت إلى «هذا المكان» باحثة عن بديل للمنزل الذي كانت تسكنه، بعد أن قررت العائلة التي كانت تعيش معها العودة إلى سوريا.

«قلة المردود» هي واحدة من التقاطعات القليلة جداً التي جمعت هاتي النساء في هذا المكان؛ أو بالأحرى هذا المكان هو مقصد «قليلات المورد».

مع حاجز اللغة والضرورة الملحة للعمل فوراً، قبل ثلاث سنوات تقريباً، لم يكن أمام زينب إلّا آلة الخياطة في ورشات التيكستيل/النسيج، براتب 1000 ليرة تركية شهرياً، تقبضها وفقاً لنظام هذه الورشات بالدفع، أي أربعة أقساط أسبوعية. 

مع الدوافع ذاتها ، توجهت نور إلى محلات أزياء العرائس، لتعكف على تزيين فساتين السهرة والأعراس البيضاء بالتول، الدانتيل والخرز، مقابل أسبوعية مماثلة لما كانت تحصل عليه زينب. 

توفّرُ بذلك غرفة في المكان الخيار الأمثل لكلتيهما، بالأخص أنّ لكل منهما كاهلاً مثقلاً بمبلغ يجب أن يُرسَلَ إلى العائلة في سوريا؛ فهناك بإمكان المرأة العاملة في القطاعات «قليلة المردود» أن تحصل على سرير، في أحسن الأحوال، أو كنبة قابلة للطي، أو مجموعة من الاسفنجات المستعملة المرتبة فوق بعضها، في غرفة مع 5 أو 6 أشخاص آخرين مقابل 300 ليرة تركية «فقط». 

أما غرف الـ VIP، أي الغرفة المفردة التي قلّما يحتويها «المكان»، فقد كانت تؤجَّر مقابل 450 ليرة تركية، يليها في عروض التأجير ما هو مخصص لبنتين أو ثلاث كحد أقصى في الغرفة الواحدة، حيث تدفع كل مقيمة إيجاراً قيمته 350 ليرة.

لا نسكنه؛ نقيم فيه 

تشكل وظيفة هذا المكان سبباً في تعقيد علاقة النساء به، حيث تعجزنَ عن وصف أنفسهنّ بالمقيمات أو الساكنات ، هل نقيم في هذا المكان أم نسكنه؛ هل هو بيتنا؟  نتمنى لو أنه  بيتنا؟ أم أنه فقط حيث ننام؟ المكان الذي في مقدورنا أن ندفع أجرته؛ فلا ننتهي في الشارع؟

مع صعوبة تأمين «بيت مستقل»، تضطرب مفاهيم النساء الأصيلة عن البيت، لا سيما القادمات من خلفية اجتماعية محافظة؛ حيث الاستقلال ليس بالضرورة سكناً منفصلاً عن الأهل أو مكاناً نقيم فيه بعيداً عنهم؛ ليتحول الخوف من الوحدة والتشرد إلى حالة شعورية كالامتنان وليس قناعة بطمأنينة منزلية أو بيتوتية، يصحبها وعي بأن هذا المكان هو حيث نقيم/ننام.

هل تصحب عودتك إلى «السكن» لهفة العائد إلى بيته؟  

«لا! لم يكن بيتي؛ لم أطلق على شارعه وصف "حارتنا" يوماً؛ لطالما وصفته بالسكن؛ وليس من السكينة فهو لم يوفر ذلك؛ هو مكان يلمّنا؛ باب يغلق؛ يمنحك أماناً، ليس بالكبير، فالأمان كان يوازيه الخوف». 

أجابتني زينب، مضيفة: «لم أشترِ نبات زينة إلا في بيت عشت فيه مع أربع نساء انتخبتهنّ لنفسي؛ بعد 11 شهراً من مجيئي إلى اسطنبول؛ علماً أن شرفات بيوتنا في البلد تملؤها نباتات الزينة». 

«في أوقات قليلة وحسب؛ لا سيما أن أغلب السكنات هي عرضة لمشاكل؛ حيث خرجنا من أول سكن لي دون سابق إنذار؛ شُردنا؛ لأن صاحبة المنزل أرادت أن تبيعه لرجل؛ وهو أمر لا يناسبنا، انتهى الأمر بالشجار، خفنا من البوليس فقررنا المغادرة جميعنا»، تردُّ نور على السؤال؛ فحادثة الإخلاء المسائية والمفاجئة كانت كفيلة بأن تجردها من أي مشاعر منزلية قد تربطها مع هذا المكان؛ الذي لا يحميها فيه عقد قانوني؛ فالاتفاق بين النساء وصاحبة المكان شفهي؛ لا يُلزِمُ الأخيرة بضرورة إخطار المقيمات بأي تغييرات قد تطرأ على المكان؛ وإن كانت تعني أمنهن. 

Yasmeen Fanari ياسمين فنري

Yasmeen Fanari ياسمين فنري

مقيمات في ثلاث دوائر 

يتجزأ المكان إلى ثلاثة فضاءات متداخلة، ينجم عنها وعن تفاعل النساء معها فعل الإقامة الذي تمارسه المقيمات في المكان الموحد أو الكلي الذي يراه المراقب الخارجي؛ وهي علاقةُ داخلِ المكان مع داخله أو علاقة المقيمات مع غيرهنّ من المقيمات في المكان؛ علاقة المقيمات مع ما يقع خارج المكان أو جغرافية المكان؛ والأهم الحد الفاصل بين الداخل والخارج، وسأسميه «الباب الذي يُغلَق».

الداخل مع الداخل 

تجمع الكتلة النسائية غير المتجانسة من حيث الانتماء الجغرافي، وفق زينب، حالة شعورية «الوجع؛ أو وجع قد لا يكون ذاته عند كل البنات؛ الشوق في الغربة والخوف من أن تكون وحيداً في مكان لا أحد لك فيه». 

لكن «الوجع» لا يصنع عائلة، فهو لا يملك من القوة ما يكفي لأن يتجاوز مجموع المعتقدات التربوية، أي ما رسّخه الزمن من سلوكيات تحملها كلٌّ من المقيمات، ناهيك عن المعتقدات الذاتية التي تعبر مباشرة عن هوية/شخصية كلٍّ منهن؛ لا يفرض هذا على المقيمات حالة من التماهي العاطفي الشخصي، وإنما حالة من المرونة أو ما تسميه نور «التعايش» الوقائي، إبعاداً للمشكلات وحفاظاً على التوازن الحياتي اليومي. 

قد لا تتحول المقيمات إلى عائلة، إلا أن حدوداً مهمة تُكسَر، مع التشديد على الخلفية المحافظة لأغلب المقيمات، «فها أنا أغير ملابسي أمام غرباء» تقول راما، 34 عاماً؛ «أعترفُ بأنني مفلسة»، تقول زينب، وهو أمر ما كانت لتفعله أمام من هم «ليسوا عائلة، ولا حتى أفراد العائلة أحياناً».

ولو أن المقيمات أقدمنَ على بعض التجاوزات التي تتناول أجسادهن أو وضعهن المادي، والتي تحتكرها العائلة عادة؛ الكلّ في «هذا المكان» مستعدٌ لأن تغادر إحدى المقيمات، وأن تحلّ محلها مقيمة جديدة في الطابور الصباحي أمام الحمام.

لا نملكه؛ نستخدمه

في علاقتهنّ مع المكان، كمساحة «سكنية» وليس كأشخاص، لا يمكن أن يوصف التغيير الذي يطرأ على عادات المقيمات بالكسر، فكل أنماط الخصوصية تتلاشي ما إن يعبرنَ الباب الذي يفصلهنّ عن الشارع؛ في تنازل بسيط مقابل الحماية من الخارج الغريب عنا، لغة وعادة، أو الوحدة؛ فالمساحة التي تتشاركها ثمانية فتيات على الأقل لا تتسع لأي من حقوقهن الذاتية/الشخصية كالامتناع عن الكلام في حال لم يُردنَ ممارسة التشاركية الكلامية؛ أو الانفراد بأنفسهنّ نظراً لضيق المكان فيزيائياً؛ لا سيما وأن للجميع جدولاً موحداً يطال الاستيقاظ، الذهاب إلى العمل، العودة منه والنوم؛ نظام شبه عسكري تحدده ساعات وطبيعة عملهنّ المرهقة في اسطنبول. 

«تذهبنَ إلى العمل معاً؛ تَعُدنَ معاً؛ وتُمضين يوم الأحد (يوم العطلة الرسمي في تركيا) معاً؛ «لا خصوصية في المكان» تقول نور، «في حال لم ترغبي في الكلام صباحاً مع شريكاتك الثلاث في الغرفة؛ ستجيبين عنوة عنك على صباح الخير ثلاث مرات على الأقل».

كما تغيب عن المكان كل سمات المُلكية؛ فلأنه مستأجر جماعياً، لا يمكن أن يتم الاستحواذ على أي زاوية منه بصفة شخصية أو أن يُزين بطريقة تتوافق مع قواعد المقيمات الشخصية، كأن تضعن نبات زينة في الشرفة فيصبح أقرب إلى بيتهنَّ الأصلي؛ في حين تطغى على المكان سمة الاستهلاك؛ أي أنه بإمكان النساء استخدام ما هو شاغر وحسب؛ بالإضافة إلى أن أحقية الاستخدام ليست لمن يكون في المكان أولاً، أي أقدم المستأجرات، ولا لأكبرهن عمراً، من باب الاحترام، بل لمن تستولي على جزء منه أو أي شيء فيه بعدائية شخص يحرم نفسه عن الطعام ليوفر أجرة سريره؛ وينطبق هذا على كل ما تحتويه المساحة السكنية، بما فيها أريكة زينب؛ «لا نبحث في السكن عما يشبهنا؛ فلا شيء يشبهنا؛ أريكتي قرب الشباك لا تشبهني؛ كانت متاحة فاستخدمتُها؛ مع ذلك أستطيع رؤية القمر من هذه الزاوية». 

الداخل مع الخارج

لا تنطبق قوانين الداخل على الخارج حتماً؛ ولو أن للخارج قوانينه الخاصة؛ يصوغها المتاح، السماح، وغض البصر؛ إلا أن الضوابط التشاركية، كما اللاوعي، تحرك المقيمات خارج مساحة السكن، فتصبح مكاناً يستشعرن فيه بخصوصية أكبر من تلك التي يتمتعن بها بين الجدران المستأجرة؛ أو كما وصفت زينب اسطنبول «قديسة تتسع للجميع».

تتسع اسطنبول لما يضيق به السكن؛ تستطيع الصراخ في شوارعها؛ بينما على المقيمات الحفاظ على صوتهنّ منخفضاً ولو كان سبب ارتفاعه نحيباً على حبيب أو غضباً على صاحب عمل، فالجميع مرهق من المكنة أو الوقوف أمام واجهة محل بيع ألبسة والترويج لها؛ الكل بحاجة لأن لا يستمع أو يتعاطف؛ الكل قد يُنتهَكُ بنبرة صوت خارجة عن المألوف، تشذ عن المريح. 

تنفي زينب أي شبه بين اسطنبول والمساحة المستأجرة: «لا شبه بينهما، ففي الثاني احتكاكٌ أكبر؛ فأنتِ لا تتقبلين شخصاً فوضوياً في المطبخ؛ أما في الشارع، فحريتك لا تلغي حرية الآخرين؛ لا تؤثر على الآخرين». 

فيما تؤكد نور على الشبه بينهما فـ «اسطنبول كما السكن فيها ألف قدم وقدم؛ ألف ملة وملة».

لا يشبه اسطنبول؛ يشبهها

للشبه بين اسطنبول والمكان المستأجر صلة بشبه أو اختلاف جغرافي أوسع يشمل اسطنبول ومدناً سورية أخرى، لأن المقيمات اللاتي تتحدثن في هذا السرد سوريات جميعاً، فكانت دمشق مثال المقارنة؛ تغضّ اسطنبول البصر عن انفعالاتك، فكما المكان المستأجر هي تكتلٌ بشري مشبع بالتنوع الهوياتي/الجنسيات؛ تسامُحُها مع هويتك ذاته يفرض عليك أن تتسامح مع هويات غيرك ولكن ليس كضرورة حياتية كما في السكن؛ حيث تقبلت زينب رفقة فتاة «سبور»، وهو شيء ما كانت لتقدم عليه في سوريا؛ أما نور فكانت مجبرة على تقبل «بنت الليل» تحت السقف نفسه؛ تقبّلٌ يقضي بالاعتراف بالمساحة التشاركية ولكن ليس التعاطف أو التفاعل.

بالعودة إلى المدينتين؛ تفتقر اسطنبول في العموم إلى حشرية العين واللسان التي تتملكها دمشق، «أبكي كثيراً في شوارع اسطنبول؛ يومها كنت كئيبة جداً، فردتُ يديَّ في الهواء في شارع وطن وبكيتُ أكثر؛ هذا شيء لا تستطيع فعله في مكان آخر غير اسطنبول» تقول زينب، حيث ستتلقفك ألف عين، منها ما قد يكون حميمياً مستفسراً عن بأسك، ومنها ما ينفجر بالفضول الرقابي.  

تتلبس عين اسطنبول نظرة المدينة الأخرى، فعندما يكون المكان المُستأجَر هو الهدف المرئي، يقلب الداخل ذاته إلى الخارج وتتسع العين لتبتلع كل التحركات الصادرة عن المقيمات بما فيها «صوت يعلو إثر مشاداة بنّاتية على دور التنظيف أو الرجوع إلى المنزل بعد موعد النوم. في مواجهة العين تصبح السمعة الطيبة هي الشيء الوحيد الذي سيبعد عنا «البوليس»، فأن يُذكَر اسم أي مقيمة في سجلات الشرطة يعني أن شرفها على المحك؛ وهو أثر رجعي آخر لعين الوطن الاجتماعية. 

هل هو مكان يجب أن «ننجو» منه؟

«نجوت منه؛ وأكبر مخاوفي هي العودة إليه، فأنا لا أستطيع أن أهيم في الشارع ليلاً، ولا أن أواجه البوليس بسبب فتيات لا يشبهنني»،  تجيبني نور، بحدقتين متسعتين اتساع اسطنبول، تنقبضان إلى حجم أصغر من سرير لشخص واحد ما إن ذكرت الرجعة إلى المكان. 

حارسة الباب ذات الـ «لا»

باب المكان المُستأجَر هو الهلام الذي يفصل بين العالمين؛ وهو المساحة حيث تطوي زينب ذراعيها الطليقتين في الهواء؛ كما تطوي «بنت الليل» ملابسها المثيرة في حقيبة لا تمتّ للداخل بصلة. 

تحرس الباب صاحبة السكن، التي قلما تشغل مع المقيمات الحيز السكني نفسه، فأغلبهنَّ يعشنَ في بيوت منفصلة تخصهنّ وحدهنّ، بعيدة عن الصوت العالي؛ لكن تحرص جميعهنّ على قفل الباب في الساعة الثانية عشرة ليلاً، فلا تخرج مقيمة، ولا تدخل بعد هذا الموعد. 

«ففي الحي عين تركية ساهرة؛ تعرف أدق تفاصيل حياتنا، مهيئة للاتصال بالبوليس مع أي حراك قد لا يعجبها» تقول راما، وهي صاحبة سكن في اسطنبول، تتشارك مع المقيمات غرفهن. 

ولو أن راما حالة نادرة بين صاحبات/مديرات/حارسات المكان المُستأجَر، حيث أنها تصادق وتآخي المقيمات الأخريات، بين 300 و400 امرأة ممن مررن على مكانها، فيما تعمد غيرها ممن يمارسن المهنة ذاتها، إلى حراسة الداخل وفقاً لمتطلبات الخارج، فتأجير النساء هذا الحيز هو مصدر عيشهنّ. 

«كانت ذات ذكر سيء؛ ولكنها احتفظت بهذا السوء للخارج؛ فكي تكسب الفتيات عليها أن تكون قدوة أخلاقية؛ وإلا فستخسر»، تقول زينب في وصف صاحبة مكان أقامت فيه. 

لا تطبق الحارسة هذه القوانين على نفسها فحسب؛ فهي تطبقها على المقيمات أيضاً؛ متقبِّلةً «فتاة ليل» طالما أن ما يحدث خارجاً يبقي خارجاً؛ فأي سوء يطال سمعة المكان هو سوء يطال «تجارتها» وفقاً لنور. 

بالإضافة إلى قفل الباب، تمنع صاحبة المنزل المقيمات من السماح للقريب الرجل، زوج، أخ، حبيب، مرافقة أي من المستأجرات إلى محيط السكن؛ فالمكان محرّم على كل الرجال ما عدا الحمّال ومُصلّح الأعطال. 

البوح 

بعد التنقل بين خمسة أماكن مختلفة؛ أفلتت كل من زينب ونور مما سأسميه «سكن البنات» أخيراً، بالتركيز على تعريف زينب للمكان، بأن اختارت كل منهنّ عدداً أقل من البنات لتستأجرنَ مكاناً يخصهنّ وحدهنّ؛ أسمينه بيتاً. 

لكن كيف تنجو الباقيات؟ 

تستخدم العالقات في «السكن» واحدة من أشهر المآخذ على النساء؛ أي القدرة الهائلة على الكلام التفصيلي والفضفضة المترامية الحدود لإيجاد القوة التي تحتجنها، ليس لممارسة حياتهنّ فحسب، بل لممارستها ضمن دوائر السكن الثلاثة بعلاقاتها المتشابكة؛ تتناول رواياتهنّ اليومية الداخل والخارج والباب؛ صاحب العمل؛ وصاحبة المنزل؛ والبوليس؛ والرجل السند؛ والجار والجارة المترقّبان خلف ستائر البيوت المطلة على «سكنهنّ»؛ تَردُّ كلٌّ منهنّ الصاع صاعين؛ فتحوِّلنَ كل شيء إلى شتيمة ذات صوت عالٍ كان سيتطلب تدخل البوليس لو أن تردده يخضع لطبيعة العالمين الداخلي والخارج.   

تروي هؤلاء النساء قصصاً عن أقدارهنّ المكتوبة حتى لحظة الهرب؛ فهن لا تسكتنَ عن انتهاك أي عين لحياتهنّ؛ لا تخضعن للنظرة؛ وتنسجن قصصاً أخرى عن القدر الذي قد تَخترنَه بُعيدَ الهرب. 

تَبُحنَ وتَخترنَ عملاً براتب أعلى...

تَبُحنَ وتَخترنَ الرجل الذي تُرِدنه…

تَبُحنَ وتَخترنَ لأنفسهنّ بيتاً...