أبي يعمل في صنع الخرز

 

على لافتة كبيرة فوق البوابة الرئيسية لسجن عدرا، كُتبت تحت صورة لبشار وحافظ الأسد، الآية من سورة البقرة «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتَّقون».

في غرفة تفتيش النساء، التي لا تتجاوز مساحتها المترين، أدخل مع صراخ إحدى الشرطيات بوجه امرأة جاءت مع طفلها لرؤية زوجها للمرة الأولى في يوم الزيارة المخصص لنزلاء مهجعه: «سَكّتي هالصبي!»، ثم تُعيد نبرة صوتها إلى الأنثى التي كانت عليها، وتكمل حديثاً بدأته مع زميلتها التي تفتش طفلة لوالدة أخرى.

بحركات تلقائية يُدخلن أصابعهُنَّ داخل الحُجب والجلابيب والبناطيل وحمّالات الصدر، يتفحّصن المناديل التي نحتفظ بها، يفْردنها واحدة تلو الأخرى ويرمينها، يسألنَ إن كنا نُخفي «سيم كارد»، وتُثني الشرطية الغاضبة من بكاء الصبي، على «شعرات إبني الحلوين»، قبل أن تبدأ صراخاً جديداً على أخريات.

في الطريق إلى مبنى الزيارات مروراً بطابور «التفييش» الطويل، عليَّ أن أفكر بما فعلتُه خلال الأسبوع الفائت، مع من تكلَّمت ومن قابلت؟ ماذا نشرت على حسابي في فيسبوك؟ مَن قد يكتب بي تقريراً؟ أنسى ذلك وأشغل نفسي بتقبُّل التصاق الرجال بالنسوة في الطابور المزدحم الذي سأنتظر فيه أكثر من ساعة ونصف، فلا رَجلٌ حينها قد يلتفت لامرأة، ولا هي قد تلتفت إليه.

نجد أنفسنا في مكان واسع بعد أن انتهينا من نقطة «التفييش»، مكشوفين تماماً تحت الطائرات التي تصدر هديراً ثم صوت انفجار قريب، وأصواتاً أخرى سمعتها من غرفة بيتي كثيراً، لكنها هنا تدب الرعب أكثر. ومنصة مراقبة بعيدة، لم أعرف إن كان قناصاً من يقف بداخلها، لكنني لا أراه إلا ينتظر اقترابي مسافة مناسبة ليطلق رصاصته. يقولون لي إننا قطعنا ثلاث أرباع المسافة، أمشي تلك الأمتار المتبقية وأتمنى أن تكون هذه الزيارة هي الأولى والأخيرة، ليتهُ يخرج من عدرا قبل السبت المقبل.

لم تكن أيام قليلة تلك التي مرّت على خروج وائل من فرع فلسطين، بل أشهر، وحتى مع اليقين بأنني يجب أن أكون صلبة أمامه، مع ما أُلقي على سمعي بثقل عن ما خلفته الأشهر الثلاثة في الفرع على جسده. سألتُ عن هيئته، قالوا إنه أنحل، لكنه أصبح بصحة جيدة، صحيح أنه خسر أربعين كيلو غراماً من وزنه، صحيح أن جلد ساقيه واللحم كانا يكشفان عن العظم، لكنه الآن بصحة ممتازة!.

دخلنا إلى المكان الممتلئ بأصوات الناس المختلطة، لهجات مختلفة من درعا إلى حمص إلى دير الزور، دموعنا التي نحاول أن نخبِّئها نحن النسوة، والعيون البائسة للآخرين رجالاً ومسنّين. نظرات متطلّعة تكثّف زمناً في لحظة واحدة ينشدها الجميع بانتظار السجين. ها هو وائل، أنحل، وبشعر أقصر شابَ مؤخراً، وذقن محلوقة، وشارب يطيله كعادته حين يُجبر على حلق ذقنه.

كنّا بمعظمنا، شيوخاً ورجالاً ونساءً وفتياناً وأطفالاً، تتعلق أصابعنا بمربعات الشبك المعدني الصغيرة، وتسعى لتتجاوز شبكاً ثانياً وتلمس ولو سنتيمتراً واحداً من جسد السجين في الطرف الآخر، غالباً ما يفشل في ذلك الأطفال وقصيرو الأصابع. نبحث عن مربّعات حاول أحدهم توسعتها قليلاً فمالتْ، ونزجُّ بها أصابعنا ونوجعُها. وقبل أن يبدأ كل ذلك، لم يسعفني كل ما أعددتُه لمنع نفسي من البكاء، حتى قبل رؤيته قادماً.

أقصى ما كان يشعره بالسعادة، وبالألم أيضاً، صور لعدنان نرسلها له بين حين وآخر بعد أن تخضع للتفتيش، يسأل الشرطي عن صورة رفع فيها عدنان إشارة النصر، ولا تعجبه تلك «الحركة»، لكنه يسمح بتمريرها بعد أن يعرف أن الطفل كان فرحاً ببلوغه الخامسة من العمر لحظة التقاطها. احتفظ وائل بحوالي عشرين صورة، وبكى معها في ليال كثيرة.

*****

لم يخرج في السبت التالي، لكن لدينا هذه المرة زيارة خاصة، تمنحنا امتياز الجلوس معه. ممرٌّ عريض نُصبت على جانب منه كراسٍ، وعلى جميع الجوانب كاميرات مُوجّهة. الشرطة مبتسمون، وعيوننا مشدودة نحو الباب الذي سيدخل منه وائل لنقبِّله ونضعَ أكُفّنا على كتفيه، ويجلس قربنا نصف ساعة كاملة.

كنا أربعة نتناوب الجلوس إلى جانبه، يسأل عدنان عن الندبات التي بدأت تلتئم في قدمَي والده، تلك التي كانت جلداً ولحماً مفتوحاً كاشفاً للعظم.. «هي قرصات ناموس، عنا كبير الناموس يا بابا». لكنه أراد أن يرينا جميع «قرصات الناموس» التي لن يذهب أثرها حتى بعد عشرين عاماً. أراد أن يتحدث عن جلسات الكهرباء، والتهاب الجروح إثر الضرب خلال التحقيق وتقيُّحها، عن الجرب والعفن. يستدرك ويسأل عن الأصدقاء ويُحمّلنا سلامات وأشواقاً لهم، نوصل له بدورنا سلامات منهم ومن أصدقاء آخرين.

يخبر كلاً منا بمواعيد الاتصال الذي لن يدوم لأكثر من دقيقة في أحد ساعات الفجر خلال الأسبوع القادم. يسأله عدنان: «إيمتى بيخلص شغلك وبتجي لعنا؟»، يبتسم ولا يجد جواباً. كُتب وألم أسنان وعلاج بدون تخدير. يعود ويسأل عن أشخاص لم يخطروا في باله ربما منذ سنوات، وعن أشخاص يحاول جاهداً تذكّر أسمائهم. يَعد عدنان بهدية جديدة يصنعها من الخرز سيعطيه إياها في الزيارة القادمة، وبأخرى صنعها صديقه من أعواد الكبريت.

لم يصدق يوماً الأحلام أو تفسيرها، لكن حلماً في عدرا قد يجعله فرِحاً بأي إشارة أو بشرى تُرسل إليه. يتحدث عن حلم أيقظه فزعاً، رأى نفسه يمشي في مكان أشبه بالخرابة، ومن بعيد يرن هاتف جوال، يلتقطه ويحتفظ به في جيبه ويحاول أن يجد ملجأ لا يراه فيه أحد ليرد على مكالمة من ابن عمه يونس: «مرحبا أبو عدنان! لك نيالك»، يرد وائل: «إنت شو عم تحكي؟ لك انت مو عرفان شي يا زلمة!».. «لك نيالك يا أبو عدنان.. إنت اللي مو عرفان شي».

* يونس سعد الدين، الشاب ذو القلب الطيب، أستاذ الرياضيات والفيزياء، اعتقلته المخابرات الجوية عام 2012، مات تحت التعذيب عام 2014، وتسلّم أهله شهادة بوفاته في العام اللاحق.

عيوننا تراقب الساعة المعلقة على الحائط، اقترب الوقت من النفاد، لكننا نستطيع تمديده خمس دقائق أخرى بمئتي ليرة يدسّها وائل في يد الشرطي. يعود عدنان ويسأل عن موعد عودة والده إلى المنزل، ومتى سينتهي هذا العمل الذي يأخذ منه كل ذلك الوقت، ويجبره على ارتداء هذه الملابس التي تشبه ملابس المجرمين في برامج الأطفال.. «الله كريم يا بابا».

*****

عدرا، السجن الذي يضم الموقوفين لصالح «محكمة الإرهاب»، منهم «ابن الثورة»، و«الشبيح». منهم متظاهر ضد النظام، وعنصر دفاع وطني؛ «اختلف مع معلمو على تعفيشة» فلُفّقت له تهمة بيع رصاص للجيش الحر مثلاً، أو انتحل صفة ضابط وجنى في «غزوة واحدة على كازية» مئات الآلاف من الليرات، مقابل تجاوز وهمي لمنتظرين على طابور الوقود الطويل، أو قتل مدنياً مؤيداً لأجل فدية في حالات أخرى.. و غير ذلك من الأسباب التي أوصلته إلى سجن عدرا. تعرّف شبان من حمص على قائد ميليشيا مؤلفة من 25 عنصراً، كان مشاركاً بإحدى المجازر التي ارتكبت في مدينتهم. لكنهم بالطبع -هؤلاء الشبيحة الموقوفون- كانوا مدلّلين، ويكتبون التقارير الأمنية من داخل السجن أيضاً.

استدُعي وائل مرّة من مهجعه، طُمّش مع 15 موقوفاً آخرين، واقتيدوا إلى مفرزة التحقيق التي يرأسها ملازم أول في السجن، انتظروا أربع ساعات أمام مكتبه، مُطمَّشون ومكبّلو الأيدي، دون أن يعرفوا شيئاً عن سبب استدعائهم. يبدأ واحدهم تلو الآخر بالدخول والخروج من مكتب الملازم مرتعدين، يسمَع المنتظرون الصراخ والشتائم والإهانات، يهمسون بين بعضهم.. هم متَّهَمون بالتخطيط لتشكيل «عصابة سلفية» في السجن، تقرير من مخبر سابق لـ«الجوية» تباهى مرة بأنه تسبب باعتقال أكثر من ثلاثمائة شخص قبل دخوله إلى عدرا. تُهمة قد تودي بهم إلى فرع الأمن السياسي، أو قد «تسركلهم» -وهو مصطلح شائع في السجن يعني نقلهم عنوة إلى سجن آخر، يعيشون فيه ظروفاً أقسى- ربما إلى سجون في اللاذقية أو طرطوس، تلك التي لا يستبعد أن تجد فيها أفراداً من آل الأسد ممن يشكلون داخلها دويلات تحت رئاستهم.

1m3sotydysz3xdgox3tye9rghmo19zmugarindze.jpeg

الشهيد باسل خرطبيل الصفدي

كان اشتراك وائل في مكتبة السجن، وتسلّمه عملاً في «المقصف» لعدد من الأشهر، و خمسة آلاف ليرة شهرياً ليد الملازم، كفيلة بمعرفة كل منهما للآخر. وعندما دخل وائل إلى مكتبه، قال الملازم بعد أن قرأ أمامه مقتطفات من التقرير: «شو عاملين؟ عم تشكلوا عصابة سلفية؟ وصلاة جماعة بالكوريدور!.. إنت كنت بفرع فلسطين؟ رح نرجعك على فرع فلسطين».

عشرة آلاف ليرة أخرى أَفرجت عن بضع كلمات من فم الملازم بعد أن تدخل موظف يعرفه وائل: «الحل عند العميد، التقرير مرفوع للأمن السياسي، وهناك كتاب موجّه بشكل مباشر للسجن من أجل التحقيق في القضية». 

باسل خرطبيل، صديق وائل، كان يعطي مُجبراً، دروساً لابن العميد، رئيس السجن، تكلّم مع العميد وانتهى الأمر، أما مصير الآخرين في ذلك الوقت، فكان بين تحويل إلى الأمن السياسي، أو منفردات كعقوبة تأديبية، أو فصلهم عن بعضهم كلٌ في مهجع مختلف.

* باسل خرطبيل الصفدي، مهندس الاتصالات والمتخصص في تطوير برمجيات المصادر المفتوحة، اعتقله النظام عام 2012. اقتيد من مهجعه في عدرا عام 2015 إلى مكان غير معروف، وأكدت زوجته المحامية نورا الصفدي تنفيذ حكم الإعدام بحقه في العام ذاته.

إذاً، وبالإضافة إلى كونه بريئاً تماماً من التهمة الموجهة إليه، كانت تلك حظوة يمتلكها وائل في عدرا، عرف الملازم والموظفين والشرطة واضطر دائماً لإلقاء التحية عليهم، حظوة تمكّنه من الدفاع عن أي متر من مساحة أمان قد تتوفر له في السجن، هي حق للسجين إن استطاع، لأنه دائماً ما يكون معرضاً للتهديد هناك.

*****

بين نيسان 2013 ونيسان 2016، ثلاث سنوات قضاها وائل في الاعتقال. عاش في الجناح السابع، المهجع رقم 10 في سجن عدرا. خرج من السجن خلال الأيام التسعمائة أصدقاء له، قضوا أياماً معدودة بين أهليهم، ثم نجوا بأجسادهم إلى بلدان أخرى، إلى أي بلد غير سوريا. دخل إليه آخرون وما يزالون. ومنه إلى سجن صيدنايا، غُيِّب آخرون.

ونحن، لم نُدرك إلا بعد خروج وائل من عدرا بأكثر من عام، أن عدنان أوهَمنا بأنه لم يفهم شيئاً في ذلك الوقت. ولم نعرف إلا مؤخراً، أنه حين كان يسأله أحدهم في مدرسته عن عمل والده يقول: «بابا بيشتغل بصنع الخرز».

يقول وائل اليوم، إن عدرا مكان مؤذٍ قميء، لكنه لا يرغب بالإسهاب في الحديث عن ما عاشه فيه، لأن أغلب المعتقلين ما يزالون قابعين حتى الآن في معتقلات الموت التي يحلمون بالخروج منها إلى عدرا.

لا يستطيع وصف شعوره لدى رؤيته عدنان لأول مرة هناك، يحتفظ بالقليل من الأصدقاء ممن يتصل بهم بشكل دائم أو متقطع. لا يرغب بالكتابة من جديد، لا يريد أن ينشر ديوان شعر كتبه في السجن، خسر الحماسة كلّها.

كتب قبل أشهر على حسابه في فيسبوك: «أعيش حياة بسيطة جداً في هذه البلاد البعيدة. أستأجر منزلاً بسيطاً، وأذهب إلى عملي المتواضع سيراً على الأقدام كلّ يوم. لم أعد أحلم. تركتُ أحلامي الكبيرة في بلادي. حاربتُ معها كثيراً إلى الحدّ الذي لم أعد أحتملها أو تحتملني. تركتها مهشّمة ومكسورة الخاطر، أمّا أنا فخرجتُ بقلب مثقوب وندوب كثيرة. لم أعد أحلم فعلاً، ولم يبقَ لي سوى أمنية وحيدة؛ أن يكون ابني بجانبي في هذه البلاد البعيدة.. علّه يحلم أحلاما كبيرة! وعلّي أستطيعُ أن أحرس أحلامه ببساطتي هذه».