أربع ملاحظات على هامش «قلبي قلبك»

إلى ذكرى حسام الحسون

تفيد متابعة قصة «قلبي قلبك»، المجموعة الفيسبوكية التي ظهرت على وقع تفاعل الناس الحزين مع أنباء وفاة عدّة شبان سوريين، عانوا ظروفاً معيشية وعائلية ونفسية صعبة في الشتات، في التفكير بافتراضات أولية لتغيّرات مستجدة في الأوساط  المتفاعلة مع الشأن العام السوري بشكل افتراضي. صحيح أن مجموعة فيسبوكية لا يمكن أن تكون «تمثيلية» ولا «علمية» كعيّنة، لكن ظهور هذه المجموعة، وتوسّعها السريع ليشمل آلاف المشتركين خلال ساعات قليلة، والنمط المستجد من التفاعلات داخلها، التي حملت الكثير من البوح و«الاعتراف»، والاستغاثة والفزعة، والرغبة بتشكيل سند لزملاء المصاب في آنٍ معاً؛ ثم التحفظات والمشاجرات والسخرية المناهِضة، جميعاً تُشكّل فرصة جيدة لتسجيل ملاحظات حول التفاعل والخطاب ضمن إطار فئة من السوريين، تتشكل من شرائح مختلفة من الطبقات الوسطى في مختلف دول الشتات والدواخل السورية، تستخدم فيسبوك لتداول ضرب مختلط من الشأن العام والخاص، لتلتقي وتفترق على أسس شخصية وعائلية ومناطقية وإيديولوجية و«ثورية» وجغرافية-شتاتية. فئة لا مجال للبحث في حجمها الدقيق عددياً، لكنها منتجة لخطاب ومنطق ورموز (وسياسة) في السياق السوري. ولم تبدأ إرهاصات التحولات -المُفترضة أدناه- بالظهور مع هذه المجموعة بالضرورة، لكن كثافة التفاعلات ضمن «قلبي قلبك» شكّلت فرصة لتكثيف بروزها مجتمعةً في مكانٍ واحد.

كملاحظة أولى، تفترض هذه السطور أن ثمة تمرد على «تراتبية المعاناة» ضمن المأساة السورية العامة يحصل في الأوساط المُشار إليها. صحيح أن الثورة السورية قد حملت، منذ بداياتها، قدراً كبيراً وشديد الأهمية من الجرأة على الكتابة بالـ «أنا»، من شهادات وذواكر وتوثيقات؛ لكن هذه الكتابة، بشكل عام، مشغولة غالباً بأن تكون حساسة لمكانها ضمن سلّم تصنيف المعاناة وفق ما يقتضيه منطق الثورة، ولا يندر أن تبدأ بالاعتراف بأن هناك من عانى أكثر قبل التجرؤ في الحديث عن المعاناة الذاتية، وغالباً ما كانت محصورة في عرض أنواع معاناة مرتبطة بشكل مباشر بالمأساة السورية العامة الآتية في سياق قمع الثورة السورية ومحاولة تحطيمها (نزوح، اعتقال، جرح، استشهاد، دمار، خسارة مباشرة وفادحة)، وهي بالتعريف نضالية الطابع. وفي مراحل عديدة، صارت تراتبية المعاناة منبع الشرعية في الكلام وفي الرأي: عانيتُ أكثر منك فإذاً يحق لي الكلام أكثر مما يحق لك، أو يحق لي إسكاتك؛ عانيتُ أكثر منك فكلامي صحيح أكثر من كلامك. وفي ضرب موازٍ، ينتمي لغوغائية طبيعية الظهور في سياقنا السوري المكلوم، يصبح ممثلون مفترضون للأكثر معاناة، دون أن يكونوا هم قد عانوا بالضرورة، هم الجلاّدين على الآخرين. الأكثر معاناة غائب الصوت، وهذا الممثل-الجلاّد هو الناطق باسم هذا الغياب. 

من الملاحظ أن هناك رغبة كامنة لدى كثيرين للحديث عن أمور مثل الوحدة والعزلة، الكآبة، صعوبات الحياة في الشتات، حواجز اللغة، أو تعقيدات أنواع مختلفة من صعوبات الحياة، من منطلق فرداني، غير مهتم بتقدير مكان المعاناة الذاتية ضمن تصنيفات المعاناة العامة للسوريين؛ ودون ربطه بشكل مباشر بعنف القمع وتوابع الحرب (حتى لو كانت موجودة في خلفية التعبير، وهي غالباً كذلك)؛ ودون وضعها في تعارض ولا مقارنة ولا تفضيل (أو تنقيص) مع التوابع المباشرة للحرب؛ ودون أن يحمل هذا التعبير طابعاً نضالياً. وقد شكّلت حادثة وفاة الشبان السوريين المؤلمة مُحفزاً لكثيرين لإطلاق العنان لهذا التعبير، الذي كان يُخشى في كثير من الأحيان من أن يبدو أنانياً، وظهرت المجموعة كفرصة لتقديم هذا النوع من التعبيرات بشكل جماعي. 

أليس هناك احتمال أن تتطور بعض هذه التعبيرات الفردانية نحو ضرب من الأنانية والنرجسية والعدمية؟ هذا ممكن، وهو حاصلٌ حقاً ضمن ظروف الخسارة العميقة التي نعيشها، لكن الرغبة بالقيام بهذه التعبيرات بشكل جماعي، أن تعبّر، أن تُسمع، وأن تَسمع، هو في الحقيقة وقاية جيدة من انزلاقات النرجسية العدمية، عدا عن أنه من المستحسن قراءة هذه التعبيرات كمحاولة الناس لتلمّس واقعهم الجديد وصعوباتهم خارج الحالة الطارئة التي فرضتها السنوات اللاحقة، وهذا، حتى مع أخذ كل التحفظات بعين الاعتبار، لا يمكن أن يكون سلبياً.

تهتم الملاحظة الثانية بأكبر الخلافات التي حصلت في المجموعة الفيسبوكية، وأهم أسباب الهجوم عليها والسخرية منها، أي «العلاقة مع السياسة»، إذ أثار حفيظة الكثير من الأعضاء دخول أعضاء أقرب لرواية النظام عمّا جرى لنا منذ 2011، أو موالين صريحين له. وقد أثار هذا الأمر سجالاً بين أولئك الذين لا يقبلون التواجد في مكان واحد (ولو «افتراضي») مع الموالين للنظام، خصوصاً في مجموعة يُفترض أنها محاولة لتجميع متأذين ومرضوضين، لا شك أن سبب رضّهم الأساسي هو النظام، وهم، حتى لو تجاوزوا منطق التعبير الملتصق بعلاقته بالبلد والثورة والحرب، إلا أن تجاوزهم هذا لا يعني النسيان أو التجاهل؛ والذين رأوا، بالمقابل، ضرورة وجود مكانٍ ما غير معني بـ«الاصطفافات السياسية»، أياً كان نوعها، وضرورة التركيز على فائدة وجود عدد كبير من الناس يودّون التعبير عن أنهم ليسوا بخير، ومستعدون لسماع آخرين وهم يعبّرون عن أنهم ليسوا بخير. ليس هذا الخلاف جديداً في مجموعات فيسبوكية، وهو قاعدة صراع معتاد في الأوساط الثقافية والفنية، بين «الفن للفن» وبين مُقاطعي أي نشاط قد يحوي مؤيدين للنظام. 

لقد حمل التحطّيم الذي سُكب على السوريين خلال السنوات الماضية قدراً كبيراً من التشظي الاجتماعي، أخذ قدراً إضافياً بالذات لدى مُستخدمي فيسبوك كوسيلة رئيسة للتواصل العام-الشخصي مع الحالة السورية، وذلك بسبب الديناميكية الذاتية لفيسبوك وتعزيزه لاجتماع متشابهين. تحولت مآخذ مليمترية إلى خلافات جذرية، وحصل انقطاع عميق عن سوريين مغايرين في الموقف السياسي (بين معارضين جذريين أو غير جذريين، أو «رماديين»، أو مؤيدين للنظام) يراه أي واحدٍ منا في شخصه إن كان من أولئك الذين اعتمدوا -أو ما زالوا يعتمدون- على فيسبوك للتواصل العام-الخاص مع الشأن السوري، أو في أشخاص كثر يعرفهم: التواصل الكثيف يحصل فقط مع مشابهين لصيقين أو مطابقين في الموقف السياسي، في علاقات عامة-شخصية كثيراً ما تكون قد ولدت وترسخت في فيسبوك، بناءاً على استشعار الموقف السياسي أصلاً. 

أؤمن بضرورة وضع التفكير في بناء أكثريات سورية جديدة بعين الاعتبار في أي برنامج عمل كان، حتى لو عنى ذلك تجاوز رمزيات ومنطق خطاب وأصول تحالف-صراع الجذرية الثورية كما ترسّخت عامي 2011 و2012. ثمة ضرورة لإعادة التجميع، ليس فقط للمعارضين الثوريين الديمقراطيين (بكل أنواعهم)، ولكن أيضاً استيعاب أولئك «الرماديين» ذوي الموقف السلبي من «الثورة»1، المتزامن مع موقف سلبي من النظام أيضاً، من منظور ديمقراطي أو قابل لأن يكون ديمقراطياً -وهو القطاع الذي يفترض كاتب هذه السطور، بناءً على الملاحظة الذاتية المتراكمة، وليس نتيجة دراسة كمّية، أنه يشكّل كتلة وازنة من السوريين، وقد يكون أغلبية، أقلّه في الشتات-. أي، بقولٍ آخر، شعبوي، ضرورةُ إعادة تكوين التعبير عن العداء للنظام بكونه شيئاً يجمع، وليس أمراً يُفرّق بحسب تراتبية الموقف من الثورة، بتعريفاتها الكثيرة، المتنوعة والمتباينة والمتناقضة، حسب هوى وهوية المُعرِفين. من هنا، لا شك أنني أتعاطف مع نزعة محاولة تجاوز الخلافات السياسية، المليمترية منها والكيلومترية؛ حتى لو حملت هذه النزعة عداءً طفولياً للسياسة ولغواً ذامّاً لها. لكن العداء للنظام ليس «سياسة»، بل هو أعمق حتى من أن يكون «أخلاقياً».

ثمة حاجة، إذن، لتعريف العداء للنظام الأسدي بِدقة، ووضع أفكار عامة لكيفية عزله، هو ومؤيديه وأدواته. 

تفكر الملاحظة الثالثة بافتراضية مجموعة «قلبي قلبك» كمدخل للدعوة إلى التفكير في «فيسبوك السوري» ككل بشكل معمّق. «قلبي قلبك» هي مجموعة فيسبوكية، دون أن يعني ذلك إنقاصاً من أهميتها، وإن مع تفهّم الانتقادات المتشككة بأن مجموعة فيسبوك هي المكان الأمثل لطرح مشاكل نفسية غاية في التعقيد، طرح يأتي غالباً مع نشر معلومات شديدة الخصوصية. وقد تشكّلت المجموعة ضمن فضاء فيسبوكي سوري لم يُدرس كفاية حتى الآن، خارج العودة للأدبيات المتوافرة عن وسائل التواصل الاجتماعي عالمياً، والاكتفاء بخصوصية سورية مُفترضة، قوامها أن تضخُّمَ الدور العام للفيسبوك السوري ناتجٌ عن القمع على الأرض، وعن شرط الشتات، وهي عوامل صحيحة طبعاً، لكنها لا تفسّر، أو لم تعد تفسّر لوحدها، كامل الظاهرة. هناك نمط تواصل عام-خاص أصيل (ناتيف) فيسبوكياً، وليس فقط تعويضاً عن امتناع «الواقع»، أو استمراراً له في ظروف متبدلة، و«قلبي قلبك» على الأغلب تنتمي إلى هذا النمط، كما سيُشار بعد قليل.

ثمة نزعة للتقليل من شأن التواصل الافتراضي، واعتبار ما هو «فيسبوكي» كناية عن انعدام الواقعية، في تضاد معتاد مع «الأرض» (في حال الدواخل السورية) والـ«أوفلاين» في الشتات ككناية عن الواقع. وهي ثنائية تحتاج مراجعة عميقة اليوم، على فرض أنها كانت صحيحة في يوم من الأيام. يُشاع أن يُعتبر فيسبوك مصدر توتر وقلق، وكثيراً ما نسمع أن أحدهم قد أغلق حسابه «وارتاح»، قبل أن يُعيد فتح حسابه «مضطراً» لأنه يشعر بالعزلة عن الناس والأخبار (الخاص-العام، السوري) بدون فيسبوك. ومن المعلوم أن فلسفة فيسبوك تقوم على تقديم 'كل شيء' في مكانٍ واحد، لإغراء المُستخدم على أن يعتبر شلال البوستات والفيديوهات والصور المتتابع أمامه على الشاشة بوابته الأولى (وغالباً الوحيدة) للعالم الافتراضي، لتقوم آليات فيسبوك بتصنيف المحتوى لكل مًستخدم وترتيبه، واصطفاء القليل منه واستبعاد أغلبه، حسب هوى الشخص وفق ما فهمته معادلات فيسبوك البرمجية (الألغوريثم اللعين، الشهير): الشخص مُعرّض دوماً لما يُفترض أنه يشبهه، أكثر فأكثر، لأن فيسبوك مهتم بأن تقضي أكبر وقت ممكن فيه، مُعرَّضَاً لإعلاناته، ومُقدِّماً أكبر قدر من المعلومات عن نفسك كزبون محتمل لشركات تشتري بياناتك. وهذا يعني لك، كمستخدم، عدم رؤية إلا ما ومن يشبهك، ويدفع نحو تعامل صدامي وسلبي مع ما لا يُشبهك حين تتعرّض له بالصدفة (تعليق، بوست.. الخ)، تعامل غالباً ما يكون انفعالياً، ومباشراً، يخلط الشفاهة بالكتابة، وغير منشغل بمدى انتشاره أو أمام ومع من يحصل، في نقاشات غير واضحة البداية ولا النهاية، ولا الخلاصات، وذات أرشفة شبه مستحيلة خارج «سلطة الأمر الواقع الفيسبوكية». 

هذا عدا الإشارة إلى أن مُنتجي المحتوى، وهذا الموقع مثال، مضطرون لأن يدفعوا المال لقاء كل لينك يحاولون إشهاره على فيسبوك مقابل أن يظهر أمام نسبة قليلة من المتابعين، تزداد طرداً مع المبلغ المنفق؛ ومن يدفع أكثر «موجودٌ» أكثر، ومن لا يدفع فهو ببساطة غير موجود، لأن «منتجه» لن يظهر على «فيد» متابعيه، المُبرمج بدقة كي يكون تمريره نحو الأسفل، على الموبايل غالباً، هو الحركة الوحيدة المطلوبة -الأسهل، لدرجة أنها تصبح أوتوماتيكية بشكل محموم- من المستخدمين: أن يكونوا متلقين سلبيين لما تقرر معادلات فيسبوك عرضه عليهم، بدل الجهد الإيجابي في التفكير والتذكّر والبحث، والكتابة والاستعراض. 

ضمن هذا المناخ، ينشأ نمط من السلوك والعلاقات هو «ابن الفيسبوك» الأصيل، وليس انعكاساً لما هو خارج فيسبوك. يحصل كثيراً أن نجد أناساً يتصرّفون ويعبّرون على فيسبوك بشكل مختلف عن طريقة تعبيرهم وجهاً لوجه، وغالباً ما يكون الفرق عبارة عن «صراحة» و«مباشرة» وربما «عنف» أكثر على فيسبوك، حيث تنتفي القيود والحدود والرهبة والحواجز الأدبية-الاجتماعية التي يفرضها الوجود الفيزيائي. أيضاً، يشجع انتفاء الوجود الفيزيائي ضرباً من الجرأة قد يكون في بعض الأحيان ارتياحاً من غياب الآخرين ووجود «شاشة» فقط، دون أخذ بعين الاعتبار أن هذا لا يعني انتفاء جمهور وحاضرين، وربما متلصصين ومترصدين. البعض قادر على كتابة بوست شديد الجرأة، أو الشخصية، أو الانفعالية، أمام المئات، أو حتى الآلاف، من المجهولين؛ لكنه غير قادر على التعبير اللفظي عن نفس الأفكار أمام خمسة أصدقاء، فما بالك بخمسة مجهولين. «قلبي قلبك»، كما سبق القول، هو غالباً ظاهرة فيسبوكية أصيلة يصعب أن تجد صداها أو مثيلها «أوفلاين» بشكل أوتوماتيكي دون جهود ،إضافية وغير سهلة ولا قليلة، لتحقيق ذلك، وهذا ما حصل مع محاولات إقامة اجتماعات أو جلسات عزاء في الأيام التالية لكارثة الشباب السوريين المتوفين، فحتى في مدن الشتات التي تحوي مئات أو أكثر من أعضاء «قلبي قلبك» بالكاد حضر مجالس العزاء أشخاص معدودون، وغالب الحضور كان حافزه التعزية بمعناها التقليدي.

هناك حاجة ماسة لتشكيل شبكات تواصل وتضامن وتعاون بين السوريين، غير مملوكة من قبل فيسبوك وآلياته. ليس الأمر عداءً جوهرياً ما للفيسبوك، بل نظرة نقدية له تعترف بإيجابياته، وإن توجست من تمركز كل هذه السلطة المجتمعية بيد جهة جشعة جداً كفيسبوك.

الملاحظة الرابعة، والأخيرة، تخص تحوّلات في التعامل العام مع الحالة النفسية، خاصة الاكتئاب. ليس هذا الأمر بجديد، فقد بدأ الاهتمام بالسلامة النفسية بالازدياد، خصوصاً في الأوساط الشابة، منذ بدايات الثورة، في قطيعة مهمة -حتى على المستوى الثقافي- مع اعتياد تاريخي على مزيج من الإنكار والمكابرة والخجل من التعامل مع الوضع النفسي. بطبيعة الحال، يحمل هذا الأمر احتمالية الوقوع في غرام الاكتئاب، أو تحويل الاكتئاب إلى ضرب من ضروب التطبيع مع سلوكيات نرجسية، وهذا حاضر بقوة في أوساط سوريين شباب ومتوسطي العمر، في الشتات خصوصاً، فأغلبنا يعرف على الأقل «صديقاً» تُبرَّر له سلوكيات سيئة اجتماعياً وأخلاقياً «لأنه مكتئب»، ويحصل أن يقوم هو نفسه باستخدام ذلك لصالحه. مع ذلك، لا شك أن الخروج من ثلاثية الإنكار والمكابرة والخجل في التعامل مع الظروف النفسية السيئة هو خرق كبير يجب أن يستمر ويكبر، ولأجل تعزيزه لا يجب أن يبقى ظاهرةً فيسبوكية، ففيسبوك، وهنا برأيي يصيب منتقدو «قلبي قلبك»، قد يكون مكان تعبير فردي ممتاز، لكنه ليس مكان تعاطٍ مع المرض النفسي مع كل ما يحمل من خصوصية في تفاصيله (وينبغي أن نفرّق بين ضرورة عدم الخجل من المرض، وضرورة الحفاظ على الخصوصية)، وهو قطعاً ليس مكان علاج.

*****

بصرف النظر عن تحولات ميدانية وسياسية مستقبلية، محتملة أو مستبعدة، يعيش السوريون مرحلة تأقلم مع ظروف صعبة مرشحة لأن تدوم، بعد مرحلة الصعوبات الصادمة بعد تغيّرات انفجارية، وجزءٌ كبيرٌ من هذا التأقلم هو في الواقع حِداد بأنواع مختلفة، حِداد يحتاج بكاء، وباكين، ومعزّين، يتبادلون الأدوار فيما بينهم. هذا هو بالعمق معنى «قلبي قلبك» والمقصد من إنشائه وسبب توسعه الكبير والسريع، بغض النظر عن مآخذ أو ملاحظات أو اعتراضات ممكنة. سوريا، والأغلبية الساحقة من السوريين، يحتاجون «عبوطة»، ويستحقونها.

  • 1. أضع «ثورة» بين علامتي اقتباس كونها تعني أشياء مختلفة ومتنوعة، حسب المُجيب السلبي، وإيديولوجيته ومنطقة أصله السوري وهوياته الإثنية والدينية.. إلخ، على سؤال: ماذا تقصد بالثورة حين تقول أنك ضدها؟