أركيلة في دار الأوبرا

 

سيتوافد الأغنياء والميسورون في دمشق قريباً إلى بناء دار الأوبرا السورية والمعهد العالي للموسيقا والفنون المسرحية، سيأتون بالعشرات، إنما ليس لحضور أمسيات ثقافية أو موسيقية ولا بقصد الدراسة، بل بغاية الأكل والشرب والسهر، أو حتى تدخين الأركيلة.

جوان قرجولي، المدير الحالي لدار الأوبرا في سوريا، أصدرَ أمراً بقطع كافة الأشجار في الساحة الممتدة بين المعهد العالي للفنون المسرحية ودار الأوبرا، رغبة في استثمار هذا الصرح الثقافي، وإقامة مطعم ومقهى في وسطه، بحسب مصادر من داخل المعهد. هذه الأشجار هي ذاتها التي كان الأستاذ صلحي الوادي، المؤسس والمدير الأول لدار الأوبرا والمعهد العالي، قد غيّرَ كامل مخطط بناء المعهد والدار من أجلها، وجعل شكل البناء مقوَّساً بدل أن يكون مستطيلاً، تفادياً لقطع الأشجار التي تعترض المخطط.

تتجه الأمور في العاصمة دمشق نحو الأسوأ على جميع الأصعدة، والجامعات والمعاهد هي السبيل الوحيد لدرء خطر الخدمة العسكرية، وبعض المحاولات البائسة لفعل شيء ما. لقد شهدت دمشق أعنف أشكال التردي في كل شيء، وكان لدار الأوبرا السورية والمعهد العالي نصيبٌ من ذلك، بصفتهما أهم المؤسسات الثقافية في دمشق، عاصمة البلاد التي تشهد أكبر موجات الخراب والتهجير وأعقد الأزمات السياسية والاجتماعية في التاريخ الحديث.

تأسَّسَ المعهد العالي للموسيقا والفنون المسرحية في سوريا عام 1990 بإدارة صلحي الوادي، الذي يُعتبر المؤسس الحقيقي للمعهد ودار الأوبرا المجاورة له. ويضم المعهد أقساماً للموسيقا والرقص والسينوغرافيا والنقد المسرحي والتمثيل والتقنيات المسرحية، وقد أهدت عدة بلدان، أهمها اليابان، المعهدَ والدار، عدة آلات موسيقية باهظة الثمن، كالهارب والبيانوهات والكونترباص وغيرها.

كان المعهد في واجهة المؤسسات الثقافية في سوريا والمنطقة العربية، وبإيعاز من صلحي الوادي، تم استقدام كثير من الخبراء الأجانب أغلبهم من روسيا وفرنسا وألمانيا، وكان يشبه الحلم بالنسبة للسوريين الراغبين بدراسة الفن، وأتى إليه الفنانون من كل أنحاء العالم ومن جميع البلدان العربية، وكانت تُقام فيه ورشات عمل للطلاب على أيدي مدرسين وموسيقيين أوروبيين، وتأسست فيه الأوركسترا السيمفونية السورية وفرقة الموسيقا العربية السورية، وخرَّجَ في عقده الأول دفعتين من أهم الموسيقيين العرب.

أما حفلات الطلاب والأوركسترا وجميع الفعاليات الموسيقية الهامة، فكانت تقام في دار الأوبرا التي يصلها مع المعهد العالي بناءٌ قوسيّ الشكل، يضمّ غرفاً كانت معدّة لإقامة الفرق الأجنبية. وتضم دار الأوبرا كذلك ثلاثة مسارح مجهزة بأفضل التقنيات، ومبنية حسب التقاليد العالمية لدور الأوبرا.

أُقيمت في دار الأوبرا كثيرٌ من الحفلات والأمسيات الموسيقية التي كان يحييها موسيقيون معروفون عالمياً، وكانت الدار مقراً للمهرجانات الموسيقية خصوصاً في عام 2008 (اختارت اليونسكو دمشق حينها كعاصمة للثقافة العربية)، كمهرجان ملتقى البزق العالمي ومهرجانات المسرح والموسيقا العربية والعالمية.
كان لهذا النشاط الفني أثرٌ كبيرٌ في صناعة المشهد الثقافي السوري، فدار الأوبرا السورية للثقافة والفنون كان لها معاييرها العالية وبروتوكولاتها، وكانت مسؤولة عن إعداد وتقديم نماذج من الثقافة في سوريا، تتم صناعتها في أكاديمية الفنون في المعهد العالي. ولم يكن مقبولاً تقديم عروض عادية للهواة فيها، بل كانت الموافقات على إجراء عرض مسرحي أو أمسية موسيقية في الدار تحتاج لإثبات جدارة الفرقة وحيازتها على مستوى فنيّ عالٍ وخبرة ودقة في الأداء. ورغم وجود المحسوبيات والواسطات، كان امتحان القبول في المعهد العالي للموسيقا والفنون يحتاج اطّلاعاً ودراسة ليتم تجاوزه وقبول الطلاب للدراسة في المعهد.

في السنوات الأولى للحراك الجماهيري في الثورة السورية، انقسم المكان واتخذ عددٌ من الفنانين موقفاً داعماً للحراك، ورافضاً للقمع والاضطهاد وحجب الحريات في سوريا. حينها، بدأت محاربة المنضوين في الحراك الثوري وتحديد نشاطاتهم وقمعها، ما دفعهم بالتالي نحو كبت نشاطهم السياسي أو الهجرة. ومن أهم الموسيقين السوررين المعارضين المغنية العالمية لبانة القنطار، والمغنية المعروفة رشا رزق، اللتين تخرّجتا من المعهد العالي وكانتا تُدرِّسان فيه عندما بدأت الثورة، إضافة للعديد من العازفين الذين اضطروا لمغادرة البلاد والنجاة بأرواحهم، لعدم قدرتهم على التعبير عن أنفسهم وآرائهم، ورفضهم وضع قناع «سوريا بخير»، والقيام بنشاطات فنية هابطة تهليلاً لما يحدث، إذ بدأ بعض المخرجين والكتاب السوريين بإعداد مسرحيات وأفلام عن «النصر» الذي حققه الجيش السوري، وعن المناطق التي «استعادها» وهجَّرَ أهلها، وكانوا يقدمون عروضهم على خشبة مسرح دار الأوبرا بينما كانت الغوطة تحترق وحيّ جوبر الدمشقي يموت.

إلى جانب تهجير الكفاءات أو قمعها، انحدر مستوى العروض والأمسيات الفنية الصادرة عن المعهد والدار في السنوات الأخيرة، حيث الكمّ الفادح من النشاز والتراجع الملحوظ في السوية. ولتدارُك النشاز والأخطاء في الحفلات الحيّة، قرر قائدا الأوركسترا الغربية والعربية تحويل الموسيقيين إلى ممثلي كومبارس على المسرح، بينما يتم عرض موسيقا مُسجَّلَة. في مهرجان الفروسية مثلاً، وفي افتتاح معرض دمشق الدولي الأخير، كانت العروض الموسيقية مُسجَّلة بالكامل، وكانت أجهزة الصوت والميكروفونات الموجودة على المسرح مطفأة ومقطوعة عن التيار الكهربائي؛ كانت للفرجة فقط، وكل حركات أيادي العازفين وشفاه المغنين كانت تمثيلاً. افتُضحت الحادثة، وصارت على كل لسان.

وقد انعكس ما يجري في البلاد على المعهد العالي ودار الأوبرا إدارة وطلاباً وأساتذة وموظفين. هناك بين الطلاب كثيرٌ من الأصوات المعارضة التي كتمها الخوف، فيما سيق عدد كبير من الموسيقين إلى الجيش، مع آلاف شبان سوريا، أو تم تجاهلهم تماماً في الساحة الفنية ولم يسمح لهم بالمشاركة بالأنشطة الفنية، بينما فُتحت الأبواب لمغنين «شعبيين» يقدمون فناً يراه الأكاديميون «هابطاً». قبل عامين غنى وفيق حبيب وبهاء اليوسف في دار الأوبرا بدمشق، والسنة الماضية غنى آل الديك في معرض دمشق الدولي، هذا المعرض ذاته الذي غنت فيه السيدة فيروز قبل خمسين سنة.

وسط هذا المناخ المضني من القتل والدمار والتهجير ومظاهر العسكرة التي تغطي وجه الحياة، وفساد الوسط الفني، لا يجد الفنان الحقيقي سبيلاً للنجاة إلا بوضع صوته تحت شفرة المقصلة، أو الخروج إلى مكان آخر لا يعمل على تحطيمه. من الطبيعي ألا يجد الفنانون والموهوبون ما يبقون لأجله ولا ما يدافعون عنه، فالمسارح والمنابر ليست لهم. هذه موجة تهجير واسعة تدور على الهامش. المواهب في سوريا تختنق ويصاب أصحابها بالاكتئاب والإحباط، أو يخرجون للبدء مجدداً من الصفر في مكان آخر... لقد أصبحت سوريا مفرمة ميتة القلب للمواهب والأرواح، وصارت مؤسسات صنع الفن المعولَ الأكبر الذي يعمل على تحطيمها أو نحتها بشكل مشوه، من خلال قمع الأصوات والمواهب الحرّة، واستبدال الهارب بالأورغ، وممدوح عدوان بعلي الديك.