أسئلة عن الرعاية الاجتماعية والسلطوية

 

بدأت معظم دول العالم اليوم بتطبيق إجراءات الحجر الصحي الكامل أو الجزئي على مواطنيها، لوقف تزايد أعداد المصابين بمرض COVID 19، الذي أصبح جائحة عالمية. وقد ساهمت هذه الظروف في فتح الباب أمام سياسات تحاول تَمثُّلَ أزمنة الحرب، بهدف تمرير إجراءات استثنائية في مواجهة تفشي العدوى، التي تضع العالم في حالة استنفار ربما تقود إلى نتائج بعيدة. مع ذلك، ليس مؤكداً تماماً أنّ النتائج ستكون بعيدة المدى فعلاً، ولا أنها ستتجاوز الاستثنائي على المستويات الاقتصادية والسياسية.

لكن هل شجّعت أزمة انتشار فيروس كورونا المستجد السلطويةَ فعلاً، وهل ستقود العالم إلى تبني نماذج مماثلة للصين التي يتم استدعاؤها كثيراً للحديث عن «قصة نجاح» في مواجهة الجائحة؟ تعتمد السلطوية كما في حالة الصين على مركزية شديدة في اتخاذ القرار، الأمر الذي سمح بتطبيق الإجراءات على نطاق واسع وبسرعة؛ ولكن هل كانت تلك الإجراءات صحيحة؟ وهل يمكننا القول فعلاً إنها أنقذت حياة الآلاف؟

علمياً، لا يمكن التأكد من ذلك حتى ظهور دراسات مقارنة دقيقة تتحدث بلغة الأرقام عن انعكاسات ذلك على مستوى النجاة من الإصابة بالمرض، لكن ما يمكننا قوله الآن هو أنّ السلطوية على النمط الصيني لا تسمح بإجراءات تتجاوز السلطة المركزية لمراعاة الاحتياجات الأكثر محلية، وهو ما يعني أنّ السلطوية ذاتها، التي يتم امتداحها لاتخاذها قرارات سريعة (يمكننا المحاججة أنّ السلطات ذاتها تأخرت لأسابيع في اتخاذ أي قرار)، قد تكون اتخذتها ببساطة بناءً على مصالح فئات معينة في المركز. مؤسس الصين الشيوعية ماو نفسه، قال «ليَجُع الريف كي تحيا المدينة»؛ لا أعتقد أن نخبة الحزب الشيوعي الحاكم اليوم، الذي يتبنى خليطاً أوليغارشياً من التصنيع الرأسمالي وحكم الحزب الواحد، يمتلك أفكار أكثر تسامحاً مع حياة الناس من ماو.

هناك جانب إيجابي في هذا النقاش بالطبع، إذ كان انسحاب الدولة من دور الرعاية الاجتماعية في المجتمعات الغربية، بشكل متفاوت عموماً، سبباً رئيسياً في تراجع القدرة على التخطيط العام واتخاذ الإجراءات على مستوى الدولة، وهو ما يستعيض عنه السياسيون اليوم باستخدام استعارة «الحرب»؛ الاقتصاد هو اقتصاد حرب، والدول في حرب على الفيروس كما قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو تشبيه استخدمه كل من الرئيس الصيني والرئيس الأميركي أيضاً.

في واشنطن، تمت الاستعانة بقانون التصنيع الحربي، وهو قانون يعود إلى فترة الحرب الكورية، ويسمح للحكومة بتوسيع وتنظيم الصناعات ذات الأهمية الاستراتيجية. وقد يكون استدعاء هذا القانون في الولايات المتحدة، كمثال عن الاستعانة بسياسات الحرب في مواجهة الجائحة، أمراً مفيداً على صعيد تحليل هذا التوجه، إذ أنّ هذه السياسات تتضمن عدداً من التناقضات الرئيسية؛ أول هذه التناقضات هو أنّها تعود في معظمها إلى فترة الحرب العالمية الثانية وفترة الحرب الباردة، أي أنها صُمِّمَت لمنظومة اقتصادية مختلفة عن اليوم، ذلك أن سلاسل التوريد والإنتاج اختلفت منذ تلك الفترة، وباتت تعتمد على التصنيع في عدة دول لا دولة واحدة. ومن التناقضات الأخرى أنّ سياسات الإغلاق قد تكون عقبة رئيسية في مواجهة القدرة على توجيه الإنتاج بشكل فعّال خلال الأزمة، إضافةً إلى أنّ التخطيط الحربي للإنتاج قد لا يكون قادراً على التكيف مع التقلبات التي يسببها انتشار فيروس كورونا المستجد، وهو ما يعني أنّ الانتقال المفاجئ إلى تخطيط مماثل للتخطيط الحربي قد لا يكون الحل الأمثل في مواجهة هذه الأزمة.

لا يملك السياسيون كثيراً من الحلول في الحقيقة، وهو ما دفعهم للانتقال إلى تلك الإجراءات، إذ أنّ التراجع في نموذج دولة الرعاية الاجتماعية، الذي كان يسمح بتطوير قدرات التخطيط والإدارة العامة، قد أضعف هذا الجانب إلى حد كبير، وهو ما قد يفسر المؤشرات الإيجابية للتعامل مع هذه الجائحة في البلدان التي احتفظت بنظام رعاية اجتماعية أقوى مثل ألمانيا والدول الاسكندنافية.

لم تصل الموجة الحالية من الجائحة إلى ذروتها على المستوى العالمي بعد، وهو ما سيفتح الباب أمام تغييرات في الصورة الحالية لتعامل الدول، وفي طرق تأقلم الاقتصادات المحلية والعالمية مع هذه الأزمة، وهي تغييرات ستكون أكثر جذرية، على نحو لا يمكن التنبؤ به، إذا ما شهدنا انتشار موجة ثانية من المرض في فترات قريبة، نتيجة تحولات جينية قد تطرأ على الفيروس المسبب له. 

أما إذا كان التعافي كاملاً بحلول العام القادم، فإن ارتفاع نسب النمو الذي سيعقب هذا التعافي، نتيجة نمو الاحتياجات التي كان قد تمّ قمعها من فوق في سياق إجراءات مواجهة الجائحة، سيقدم فرصة للعالم لتجاوز آثار كورونا، لكن ليس من دون أسئلة كبيرة حول مدى قدرة دول متقدمة على إقرار سياسات عامة فعّالة، ومدى قدرة دول عديدة على التخطيط. ولكن بالقياس إلى أزمات أخرى واجهت الاقتصاد العالمي، فإن أحداً لن يتعلم من الدرس على الأغلب، ولن تكون هناك مراجعات حقيقية، خاصةً أن التوجه لاستدعاء مصطلحات الحرب بهدف مواجهة الوباء أصبحت مع الوقت سمة عامة للحكومات، دون مراجعة حقيقية لوضع أنظمة الرعاية الاجتماعية، التي كان يمكن أن تكون خط دفاع فعّال عن المجتمعات التي أصيبت بالشلل نتيجة انتشار الفيروس، وكان يمكن أن توفّر بديلاً عن التغني بسلطوية دولة مثل الصين.

ستحاول سياسات أزمنة الحرب، كما في كل الحروب، تغييب الضحايا من أجل مصلحة «عُليا»، أما الوضع الحالي الذي يعتبر أقرب للهزيمة في هذه الحرب، فإنه قد يشجع حكومات دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا على الاستعانة بتجارب سلطوية أخرى؛ خطاب عبد الناصر بعد هزيمة حزيران سيكون مفيداً للغاية بعد هذه الحرب.