أصوات جديدة في الشتات

 

تتوازع القارة الأوروبية مساحات من المشهد الثقافي السوري، بمستوياته ومجالاته المتباينة، خصوصاً بعدما دفعت الحرب الملايين، ومن بينهم عاملون في الثقافة، إلى اختيار منافيهم في البلدان الأوروبية المختلفة وفق ظروفهم الخاصة. وحين نتحدث عن المشهد الثقافي السوري في أوروبا، فإننا نقصد المنتج الثقافي الصادر عن صانع سوري، والموجَّه لمتلقٍ «أوروبي – سوري وعربي»، وعلى الأدق المنتج في قطاع الكتابة الإبداعية الشعرية على الأغلب، أو السردية بشكل أقل، والمهرجانات ودور النشر.

يتشكل وجه المشهد الثقافي السوري في أوروبا من كتاب ومثقفين، تركوا بلادهم وجاؤوا إلى أوروبا بقصد اللجوء، خوفاً على حياتهم من القتل والاعتقال في بلادهم، وبدؤوا خلال حياتهم الجديدة في أوروبا بإنتاج أعمال أدبية وفنية تعرض تجاربهم. ولعلّ هذا المقال يكون تسجيلاً لملاحظات سريعة، متخفّفة من تريث الباحث المدقق، مقتربة من وجهة نظر تحاول أن تلتقط وتختزل ما أمكن، بحيث يكون مقدمة عامة لمواد لاحقة تسلط الضوء باستفاضة على تجارب بعينها.

المدن الجديدة وطرق الوصول

لعل أكثر العواصم نشاطاً في الميدان الثقافي السوري خلال السنوات السابقة هي برلين وباريس، وهما عاصمتان تتوسطان أوروبا، ولهما ثقل حضاري ومعرفي وفني تاريخي عريق، وكان لهما إلى جوار دول أوروبية أخرى الفضل باستقدام مثقفين سوريين عبر منح مختلفة، استقبلت أولئك بشروط مريحة نسبياً.

تُقدَّم هذه المنح للكتاب والفنانين من قبل جهات حكومية أو منظمات ثقافية وأهلية غير حكومية، هدفها دعم النشاطات الثقافية والقائمين عليها، خصوصاً أولئك الذين يشعرون بالتهديد في بلدانهم أو أماكن إقامتهم في بلدان اللجوء المجاورة. جزءٌ من هذه المنح يقدم لأشخاص خارج الاتحاد الأوروبي، بما يُسهّل عليهم القدوم إلى أحد بلدانه والإقامة فيها، ويساعدهم في عملهم الأدبي والفني. كما أن هناك منحاً تُقدَّم لكتاب وفنانين مقيمين أصلاً في أحد البلدان الأوروبية. 

كانت هناك طرق عديدة سلكها مثقفون سوريون وفلسطينيون سوريون للجوء إلى أوروبا، تختصرتها طريقتان تقريباً: الأولى هي الاستقدام بواسطة المنح التي تحدثنا عنها، والثانية هي  الوصول إلى أوروبا عبر وسائل التهريب المختلفة، التي جاءت بكثيرين ممن لم يحظوا بتلك المنح، التي كان لها فيما لو حدثت أن تجنبهم مخاطر السفر والإهانات وخطر الموت في طرقات غير آمنة. وقد أثبت كثيرون من القادمين الجدد عموماً جدارة وقوة في الإنجاز الثقافي، إذ كان حضورهم لافتاً.

وإلى جانب برلين وباريس، ثمة عواصم ومدن أوروبية أخرى مثل ستوكهولم، وأمستردام، وروتردام، وميلانو، كانت الأكثر استقطاباً وجذباً للمثقفين السوريين، حيث تركزت فيها نخبة منهم، وشكلوا ما يشبه ظاهرة في المكان لها خصوصيتها في كافة الأبعاد والمناحي، بعد أن كانت مدينتا عينتاب واسطنبول التركيتان، بمثابة عتبة أولى ومُستقبل لهذا الحضور.

وعي جديد، خطاب مختلف 

تتوزع اهتمامات المثقفين واشتغالاتهم ما بين العمل الصحفي والشعر والرواية والتلفزيون والسينما والمسرح والرقص والموسيقا، وما إلى هنالك من نشاطات مختلفة تتطلب خبرات تقنية وفنية. وظهرت في هذا المشهد الممتد على مساحة كبيرة في أوروبا أسماء ونشاطات جديدة، كان جلّها جاداً، واكتسحت ربما أسماء تقليدية لطالما كانت حاضرة ومكرّسة.

وأدت أجواء الحرية في البلدان الأوروبية التي يقيم فيها هؤلاء الكتاب والمثقفون، إلى بروز تجارب جديدة تحمل كثيراً من الابتكار والجرأة، نتيجة ارتفاع سقف الحرية، إضافة إلى شعور بالطمأنينة كان غائباً في بلدانهم أو بلدان اللجوء المجاورة، ومؤثراً بشكل مباشر على منتوجهم. كل ذلك انعكس على نتاجهم الإبداعي، وفتح أمامهم آفاق جديدة للتجريب وخلق مساحة جديدة وغير متوقعة.

وأضاف وجود أصوات جديدة للمشهد السوري تنوعاً، برزت فيه أعمال فنية أكثر حيوية في طرح القضايا المختلفة، ومن بينها قضايا السياسة والاجتماع والجندر، والمسائل التي كان نقاشها يحتاج نضالاً لتجاوز المحرمات الاجتماعية، والمقصات الرقابية والسلطوية الموجودة في البلدان التي تحكمها ثقافة محافظة وسلطات ديكتاتورية قامعة للآراء. لقد أدى وجود وسط من حرية التعبير في أوروبا إلى دفع كثير من الراغبين بالبوح إلى قول ما يريدون دون تحفّظ، فيما يشبه محاولات تحطيم القيود السابقة، بما تحمله من مفاهيم وأنماط خطابية متخشبة، تلغي الفرد لصالح الموضوع والشعار.

وضمن هذه الأوساط الأوسع، احتكّ الكاتب أو الفنان بالثقافة الأوروبية، واستطاع الوصول إلى مستوى جديد من العمل الإبداعي، عززته خبراته التي تراكمت نتيجة التغيرات السياسية والاجتماعية العاصفة والجذرية، إضافة إلى مروره بمحطات مختلفة خلال رحلة عبورة إلى الوجهة الأخيرة، تعرَّفَ فيها على الضفة الأخرى من العالم، التي كان يحتك بها بقدر أقلّ بكثير في السابق. 

المنتديات الثقافية والأُمسيات

هذا النشاط غير المسبوق صار علامة فارقة، سجلت نشاطات متنوعة، من إقامة منتديات إلى قراءات شعرية، إلى جولات فنية وأدبية متنوعة في العواصم والمدن الأوروبية. وتُقام النشاطات الثقافية، كالأمسيات والندوات النقاشية، بشكل دوري في المدن الأوروبية، مسلطةً الضوء على تجارب لكتاب وفنانين سوريين شباب، ومقدمة إياهم للمتلقي الأوروبي، الذي يتعرف من خلال الاحتكاك بهذه التجارب على أصوات مختلفة عن تلك النمطية التي تقدمها الميديا العالمية، من خلال تركيزها في الغالب على الأحداث السياسية والعسكرية الكبرى، وتجاهلها قصص البشر الفردية.

وبرز في الوسط الأوروبي عدد من الكتاب والكاتبات الشبّان والشابات أصحاب التجارب المميزة، الذين تفرّغ بعضهم للعمل الإبداعي، أو يحاول ذلك، بعد أن كانت احتمالات تركيزهم على هذا الجانب ضعيفة في بلادهم، التي «لا تُطعم الشعراء خبزاً»، وتسعى لإسكات المثقفين، من خلال زجهم في السجون، أو توظيفهم للمشاركة في قمع المجتمع.

ويحضر أوروبيون هذه الأنشطة الثقافية، مدفوعين بالفضول لمعرفة الآخر، فيما يستفيد المثقفون السوريون والعرب من هذه الجلسات والنقاشات، من خلال التعرف على الآخر ومحاولة فهمه والتواصل معه والاستفادة من تجربته وتاريخه.

الفن السابع ودور النشر 

ما زالت السينما تبحث عن طريقها في هذا المنفى الواسع، وتحاول أن تجده، وقد برزت أخيراً مدينة مالمو في السويد كمكان يحتضن مهرجاناً سينمائياً وليداً يحاول أن يطور أدواته. وقد أقام دورتين سينمائيتين، الثانية منهما كانت أكثر احترافية، وقدمت منحاً للمهتمين والهواة للمساعدة المادية في صناعة أفلام مختلفة وترويجها عبر هذا المهرجان الجديد.

ويعمل صندوق دعم الأفلام القصيرة في هذا المهرجان على تعزيز الإنتاج السينمائي لسكان بلدان الشمال الأوروبي، على أن يكونوا من أصول عربية، أو أن يُبرز الفيلم علاقة أولئك بالثقافة أو الهوية العربية.

مهرجان مالمو للسينما العربية هو المهرجان السينمائي العربي الرائد خارج الشرق الأوسط اليوم، ومنذ إنشائه في عام 2011، عمل كمنصة مؤثرة لصانعي الأفلام العرب والموهوبين على المستوى الدولي، من خلال تعزيزه لحركة السينما في المنطقة، وفتح الأبواب للنقاش والتواصل.

أما عن دور النشر، فقد نشطت دور نشر عربية مقرها أوروبا في العالم العربي مثل دار المتوسط في إيطاليا، ومكتبة صفحات في تركيا وأمستردام. وهما تجربتان رائدتان حاولتا تقديم الجديد في المشهد السوري والعربي، والاهتمام بالجديد الوافد كطريقة ونمط تفكير. وتحاول الداران فتح المجال أمام الكتّاب العرب، الشبان وأصحاب التجربة على حدّ سواء، لنشر أعمالهم في فضاءات أرحب وإقامة ندوات ونقاشات في الوسط الأوروبي.

يذهب المشهد السوري الثقافي إلى آفاق أخرى من خلال احتكاكه بجمهور جديد وثقافة جديدة، ويتقدم خطوات واسعة نحو الجديد والمختلف، رغم دموية ومأساوية مصيره كشعب ووطن. وقد تمكنت سوريا أخيراً أن  تكون كبيرة كما قال شاعر سوري، وأن تكون على امتداد العالم كما أردف آخر.