إدلب: حرب تركيا المستحيلة

 

لا يوفر التضارب الواضح في التصريحات التركية أي يقين حول ما يمكن أن يحدث غداً في إدلب، لكن الاعتماد على تلك التصريحات ليس من الحكمة في شيء، وذلك في ظل توفير موسكو دعماً لا لبس فيه لتقدم قوات نظام الأسد في مدن وبلدات إدلب، إذ يبدو أن رفع وتيرة التصريحات من قبل الرئيس التركي يهدف بشكل رئيسي إلى وقف العمليات القتالية التي تسببت بدمار هائل وكارثة إنسانية، بعد تهجير قرابة مليون مدني حسب إحصاءات وكالات الأمم المتحدة، وهي أرقام تُضاف إلى مئات الآلاف المهجرين أصلاً، الذين يعيش كثيرون منهم في مخيمات على الحدود السورية التركية.

بعد صلاة يوم الجمعة الماضي، قال الرئيس التركي إن ما يجري في إدلب هو حرب فعلاً، وهو تصريح أصاب السياسيين الأتراك بالصدمة، إذ لم تحظَ تهديدات الرئيس التركي ببدء عمليات عسكرية ضد النظام في إدلب بأي دعم حتى في محيطه القريب، ولا من تيارات معارضة سبق أن وافقت على تفويض الجيش التركي بتنفيذ عمليات عسكرية في عدة مناطق من سوريا مثل عفرين والجزيرة السورية.

المتحدث باسم حزب الشعب الجمهوري المعارض قال للصحفيين: «إذا كانت الحرب فعلاً، لماذا لم يخبرنا أحد قبل ذلك؟َ!».

وكانت جثامين جنود أتراك قد وصلت إلى عدة مدن تركية، بعد أن قضوا نتيجة استهدافهم من قبل المدفعية التابعة لنظام الأسد، وفي بعض الحالات من الطيران الروسي، وهو ما زاد من الضغط الداخلي على الرئيس التركي، الذي دفع بقرابة عشرة آلاف جندي إلى محافظة إدلب، ليصبحوا في مرمى نيران النظام السوري، الذي لا يهتم للخسائر البشرية في صفوفه، وسيركّز على استهداف الجنود الأتراك بشكل مباشر في حالة اندلاع أي مواجهة، بالاستناد إلى تقديرات تقليدية لدى النظام، تفيد بأنه يستطيع تعويض اختلال التوازن العسكري بتوجيه ضربات ترفع معدل الخسائر البشرية لدى الخصم، الذي سيشعر بالضغط نتيجة ذلك داخلياً.

أمام الرئيس التركي في هذه الأوضاع خياران؛ الأول هو الدخول في حرب فعلية مع النظام السوري، وحشد الجمهور الداخلي حولها لتبرير الخسائر البشرية التي ستظل ترتفع طالما أن هناك جنوداً أتراك في إدلب. أما الخيار الثاني فهو الموافقة على الطرح الروسي بوقف العمليات العسكرية وفق توزع خطوط التماس الراهنة، أو أضيق منها في حال استمرار تقدم النظام، وهو ما يعني تراجعه عن التصريحات التي أطلقها مراراً حول ضرورة تراجع قوات النظام إلى حدود اتفاق سوتشي.

في ضوء الردّ الروسي على تقدم تركيا وفصائل المعارضة داخل قرية النيرب، وتوجيه الطيران الروسي ضربات جوية إلى موقع عسكري يضم جنوداً أتراك نتج عنها مقتل اثنين منهم، فإن خيار الحرب التركية ضد النظام السوري يبدو غير واقعي على الإطلاق، إذ لن تدخل أنقرة في حرب تعرف أن موسكو تقف فيها على الطرف المقابل، خاصةً وأن التصريحات الروسية حول عدم التزام أنقرة باتفاق سوتشي، وتحركاتها العسكرية المستمرة في إدلب رغم التصريحات التركية، تقلّل من هامش أي تحرك تركي على الأرض ليقترب من حدود الصفر، كما حدث في النيرب حين تراجعت القوات التركية والفصائل المدعومة منها عن القرية الواقعة غرب سراقب، بعد أن سيطرت عليها لساعات قبل أيام.

بالمقابل، فإن الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين يشجع على التوجه نحو الخيار الثاني، وهو تثبيت الوضع الميداني بُعيد قمّة رباعية تجمع كل من تركيا وألمانيا وفرنسا وروسيا يُفترض أن يتم عقدها في الخامس من شهر آذار المقبل، بعد أن اتفق عليها أردوغان خلال مكالمة هاتفية مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتي أعلن المتحدث باسم الكرملين لاحقاً موافقة الرئيس الروسي على حضورها.

في الأثناء، تتوجه قوات النظام إلى محاور تتجنب عبرها الصدام المباشر مع القوات التركية، وذلك عبر تقدمها في قرى وبلدات أطراف جبل الزاوية جنوبي إدلب، ما يعطي مؤشراً على إصرار الروس على مواصلة العمليات العسكرية، وفي الوقت نفسه تجنب الصدام مع الأتراك قدر الإمكان، حتى تبتَّ القمّة الرباعية في طبيعة الأوضاع التي تتجه على ما يبدو نحو تجميد الوضع القائم خلال الفترة المقبلة.

تواصل تركيا نشر مزيد من قواتها في كل مكان من إدلب، حتى أنها دفعت بتعزيزات إلى الجبهات التي يحاول النظام التقدم إليها في جبل الزاوية، لكن الخيارات المتاحة أمام تركيا تبدو قليلة جداً، إذ يبدو مستحيلاً أن تعمل على فرض رؤيتها وتنفيذ تعهدات رئيسها دون أن تتكبد خسائر كبيرة جداً، وهي في الوقت نفسه ستخسر كثيراً أيضاً إذا لم تعمل على تنفيذ هذه التعهدات، ستخسر على وجه الخصوص من موقعها الإقليمي كقوة فاعلة ذات تأثير في المنطقة.

أما مصير المدنيين في إدلب فيبدو أنه على هامش اهتمامات القوى الفاعلة كلّها، التي لا يعنيها منه سوى تجنب موجة لاجئين جديدة إلى تركيا أو وأوروبا، دون أيّ اهتمام جدي بمصير مئات آلاف السوريين المحصورين في بقعة جغرافية محدودة للغاية، تحت نيران القصف العنيف، ودون أي أفق واضح لما يمكن أن يكون عليه الحال غداً.