إدلب: خط المعركة

 

استطاعت قوات النظام السيطرة يوم أمس على كفرنبودة في ريف حماة الشمالي، بعد معارك دامت ليومين على أطراف البلدة التي تعد أحد المعاقل الرئيسية للفصائل المقاتلة في المنطقة وعلى رأسها جيش العزّة. وقد أعلنت فصائل المعارضة انسحابها من البلدة بعد اشتباكات عنيفة في محيطها، نتيجة القصف الكبير الذي تعرضت له.

وكانت قوات النظام قد سيطرت قبل ثلاثة أيام على قرية الجنابرة وتل عثمان الاستراتيجي جنوب غرب بلدة كفرنبودة، ما أعطاها تفوقاً على الأرض نتيجة أهمية تلك المواقع، وعلى وجه الخصوص تل عثمان الذي يمكن من خلاله رصد محيط المنطقة التي تضم طرقاً حيوية تصل ريف حماة الشمالي بالغربي. ونفذت قوات النظام عمليات قصف مدفعي وجوي عنيفة جداً لتأمين تقدمها، الذي تمت مواجهته بمقاومة شرسة من الفصائل المنتشرة في المنطقة، إلا أن كثافة النيران أجبرتها في النهاية على الانسحاب من بلدة كفرنبودة إلى محيطها الشرقي.

وقد شاركت هيئة تحرير الشام في المعارك ضد قوات النظام، غير أنها لم تدخل بكامل ثقلها في المعركة البرية، التي تدور فصولها حتى الآن في مناطق تتواجد فيها فصائل الجبهة الوطنية للتحرير وجيش العزة بشكل رئيسي. وربما يرجع ذلك إلى تركيز الهيئة على تحصين مواقعها في جبهات أكثر أهمية بالنسبة لها، خاصة في ريف اللاذقية حيث حصلت محاولات اقتحام محدودة من قبل قوات النظام، وفي جبهة جسر الشغور التي تحمي معاقل الهيئة الرئيسية في الريف الغربي لإدلب.

بالتزامن مع العمليات البرية على محور الاشتباك، استمر القصف العنيف على مختلف قرى وبلدات ريف حماة الشمالي والغربي وريف إدلب الجنوبي والغربي، وقد تعرضت مدينة خان شيخون جنوب إدلب إلى قصف مكثف استخدمت فيه المدفعية والصواريخ، كما قامت طائرات روسية وأخرى تابعة للنظام بالإغارة بشكل مستمر يوم أمس على المدينة. وقال الدفاع المدني إنه يحاول إخلاء سكان خان شيخون إلى مناطق أكثر أمناً بعد أن أصبحت المدينة جحيماً نتيجة القصف، ونشرت وكالة سمارت تقريراً قالت فيه أن أربعة وعشرين مدنياً استشهدوا أو أصيبوا نتيجة القصف يوم أمس فقط معظمهم في بلدة خان شيخون، بينما قال فريق منسقو الاستجابة بأن قوات النظام والطيران الروسي استهدفوا 44 مدرسة ومجمعاً تعليمياً في إدلب خلال الأسبوع الماضي فقط.

وقالت مصادر دبلوماسية تركية لصحيفة الشرق الأوسط أول أمس الثلاثاء إن «تصعيد النظام السوري وحلفائه للهجوم على إدلب يهدف إلى تمكين النظام من توسيع مناطق سيطرته (...) وإن تركيا مستمرة في اتصالاتها مع موسكو وطهران من أجل الحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار وخفض التصعيد».

وأكد وزير الخارجية البريطاني، جيرمي هَنت، إدانته لعمليات القصف التي يقوم بها النظام بمساعدة روسيّة على مدن وبلدات محافظة إدلب، وأضاف في بيان نشرته وزارة الخارجية البريطانية: «النظام السوري، وروسيا انتهكا بالغارات الأخيرة اتفاق وقف إطلاق النار المبرم بين أنقرة وموسكو»، قائلاً إن «الوضع الإنساني في المنطقة ازداد سوءاً بشكل مفزع».

وطالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بتحييد المدنيين خلال المعارك الجارية في إدلب، فيما يعقد مجلس الأمن يوم غد الجمعة جلسة طارئة لمناقشة وضع محافظة إدلب وشمال غرب سوريا بناءً على طلب كل من بلجيكا ألمانيا والكويت.

في الأثناء تحاول قوات النظام تكثيف القصف على كل من بلدة الهبيط بريف حماة الشمالي ومدينة خان شيخون جنوب إدلب، فيما يبدو أنه تمهيد للتقدم باتجاه المنطقتين اللتين تقعان على خط يمتد من بلدة كفرنبودة ويتجه إلى الشمال الشرقي منها حتى طريق دمشق-حلب الدولي. ويُظهر هذا السيناريو الذي ترجحه عمليات القصف وتحركات قوات النظام، أن تلك القوات تحاول الوصول إلى داخل الحدود الإدارية لمحافظة إدلب والسيطرة على مدينة مهمة فيها هي خان شيخون، دون الاصطدام بنقطتي المراقبة التركية اللتين تقعان على جانبي محور التقدم، حيث تتواجد الأولى إلى الجنوب من خان شيخون قرب بلدة مورك، بينما تقع الثانية غرب بلدة كفرنبودة في منطقة شير مغار في سهل الغاب، مباشرة إلى شمال قلعة المضيق.

وإذا ما تمكنت قوات النظام بدعم روسي من تحقيق هذا التقدم، فإنها ستكون قد وضعت الضامن التركي في موقف حرج جداً، وسيكون بإمكانها أيضاً محاصرة فصائل ريف حماة الشمالي إذا تقدمت من المحاور الأخرى شرق خان شيخون، كما أن هذا التقدم سيحقق للنظام السيطرة على جزء من طريق دمشق-حلب الدولي (M5) في محافظة إدلب.

وُيظهر تركيز قوات النظام على محور بري واحد بشكل رئيسي حتى اللحظة، أن هدف العمليات في المرحلة الحالية هو الوصول إلى مدينة خان شيخون، في محاولة للضغط على أنقرة وإجبارها على التفاوض، بعد أن ظهر تقارب جدّي بين تركيا والولايات المتحدة خلال الأسابيع الماضية، الذي تشك موسكو بأنه قد يهدد تفاهمات أستانا. فيما سيكون بإمكان النظام وروسيا في مرحلة لاحقة التقدم من محور السكيك جنوب شرق خان شيخون، ما سيعني إحكام السيطرة على المدينة وعزل ريف حماة الشمالي، ومن ثم إجبار تركيا وفصائل المعارضة على تقديم مزيد من التنازلات.

يعيش سكان ريفي حماة وإدلب جحيم القصف المستمر، وتظهر تسجيلات مصورة بثها ناشطون محليون والدفاع المدني في المنطقة، النتائج الكارثية لقصف النظام على المدن والبلدات، والأوضاع المأساوية التي يعيشها السكان في ظل تلك الظروف، بينما يغيب أي أفق للتهدئة، خاصةً أن المواقف الدولية والإقليمية لم تشكّل أي ضغط يذكر حتى الآن على روسيا، التي تضع كامل ثقلها في المعركة، حتى أن تسجيلاً مصوراً تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، أظهر وجود مقاتلين روس في كفرنبودة بعد احتلالها من قبل قوات النظام.