إنهم يتفاوضون بدمائنا

 

لم تتورّع قوات الاحتلال الروسي في قتالها ضدّ فصائل المعارضة السورية في أرياف حماة وإدلب عن استخدام أشدّ ما تحتويه ترسانتها العسكرية قدرةً على السحق والتدمير، ويبدو واضحاً أنّ هذا الاستخدام المنفلت للعنف يتخطى بأقدار هائلة ما تستلزمه المعارك الجارية هناك، وأنه لا يتناسب مع طبيعة ونوعية سلاح الأطراف المقابلة، ولذا يجدر القول هنا، رغم أننا إزاء حقيقةً بديهية، إننا أمام عدو متجبّر يعتبر إفراطه في سحقنا وتحطيمنا مناسبةً لاستعراض القوة؛ جيش بهيمي عملاق يستعرض عضلاته ومهاراته على حطام السوريين. مؤلمٌ جداً ما يفعله بأهلنا جيش روسيا، وأكثر إيلاماً منه أنّ لهذا الجيش البهيمي أذنابٌ منّا نحن السوريين، لا يقلّون بهيميّةً عنه، وهؤلاء هم جيش السارين الأسدي.

هذا العنف الروسي الدنيء لم يتوقف عند السحق والقتل وتهجير الناس بالأدوات العسكرية، بل امتدّ أيضاً إلى الجانب السياسي، بتصريحات فلاديمير بوتين في معرض زيارته إلى فرنسا، والتي أعاد فيها استخدام وجود «هيئة تحرير الشام» كذريعةٍ لأعمال التدمير والقتل والتهجير الروسية في إدلب وحماة، حيث ادّعى أنّها لم تعد تتحكم فقط بنصف إدلب، وإنما باتت اليوم تسيطر على 90 بالمئة منها، وأنّ مقاتليها سينتقلون إلى مناطق أخرى من العالم. يقول بوتين ذلك رغم علم الجميع بأنّ الهيئة ليست هدفاً له بحدّ ذاتها، وإنّما الوسيلة التي يستخدمها على الدوام لتدمير المناطق الثائرة وإبادة قاطنيها.

بوتين لا يحارب الإرهاب، ولا يعنيه لو التهمَ الإرهابُ العالم كله. معادلة بوتين هي أنّ سوريا ساحته التي يقرر فيها كل شيء على الرغم من إرادة العالم كله، وبتواطؤ من القوى النافذة في العالم كله، فهؤلاء الذين يقتلهم ويحتل أرضهم في إدلب وحماة يستحقون الموت لأنّهم إرهابيون، وعلاوةً على ذلك فإنّ على العالم أن يكون ممتناً لجيش بوتين لأنه يخلّصه منهم. هو كلامٌ لا يقلّ وقاحةً عن سلوك الآلة العسكرية التي يُعملها فوق رؤوس أهلنا في إدلب وحماة.

ويبدو مستغرباً أن يُتعب بوتين نفسه بتقديم ذرائع تبرّر قتله السوريين، فقد وصل التعامل الدولي مع مأساتهم حداً لا يمكن توصيفه بعدم الاكتراث، بل صار السوري وحياته ودمه ووجوده أمراً محتقراً لا يرقى للنقاش والأخذ والرد. العالم يتعامل مع السوري على أنّه دنسٌ يتوجب التطهر منه، وإلا كيف يمكننا، بغض النظر عن جدوى انعقاد مجلس الأمن من عدمه، تفسير إلغاء الجلسة المتعلقة بتطورات إدلب وريف حماة لكون السيد غير بيدرسن يشتكي من وجعٍ في عينه بينما تُقتلع ألوف العيون السورية! هل من الممكن أن يصل العالمُ حضيضاً أكثر قذارةً من هذا!

في الجانب المقابل، يحتار المتابع في وصف دور ووظيفة وتصرفات الضامن التركي، فهو إنْ أحسنّا به الظن واعتبرناه غير متواطئٍ مع الروس في صفقةٍ جرى التخلي بموجبها عن مناطق من ريفي حماة وإدلب مقابل مكاسب معيّنة للأتراك في سوريا نفسها، فإنّه ضامنٌ كرتوني بلا حولٍ ولا قوة، يلعب دور موظف مؤقت في سوريا. يبدو الجانب التركي متعهّداً يمارس أعمال وصاية بتفويض روسي أميركي، وتحفّزه على ذلك هواجس قومية وصراعات تاريخية لا دخل لسوريا أو السوريين بها.

علاوةً على ذلك، عندما توجّه رتلٌ من الجيش التركي نحو مدينة خان شيخون، التي دخلها صباح أمس الجيش نفسه الذي قصفها بغاز السارين قبل عامين، كانت مجموعة من المقاتلين السوريين من فصيل فيلق الشام يرافقون ذلك الرتل، وقد قُتل عددٌ منهم في إطار ما أسماه إعلام نظام الأسد «رسالةً تحذيرية» للجيش التركي. شبابٌ سوريون من لحم ودم يموتون من أجل إرسال تحذير للجيش التركي، الذي يكتفي بما هو أقل من بيان صحفي عن الحادثة. هل يعقل أن يستخدم الضامن التركي السوريين الذين يتبجّح بحمايتهم كدروع بشرية في مواجهة شريكه الروسي في مهزلة أستانا!

وإذا كان الجيش التركي بحاجة لحماية فصيل مثل فيلق الشام في تحركه، فكيف يمكن له أن يكون ضامناً لمنطقة يقطنها قرابة خمسة ملايين سوري، من أهلها ومن أولئك الذين احتموا بها بعد أن طُردوا من بيوتهم؟ ربما يكون الأتراك قد وصلوا مع الروس إلى تفاهماتٍ جديدة لا تقيم وزناً لنا كسوريين، وهذا غير بعيدٍ ولا مُستغرب لأننا سبق أن شهدنا مثيلاً له أكثر من مرة، وربما لا يكون الأمر هكذا هذه المرة، إذ قد يكون الأمر برمته رقصة نار تركية روسية يحاول فيها الطرفان تسجيل نقاط ضد بعضهما بعضاً؛ ولكن أليست حيوات السوريين جديرةً بإعلان ذلك لهم حتى يقرّروا بأنفسهم إذا ما كانوا سيقاتلون أم لا، وبذلك يكون قتالهم خياراً لا يُمنعون عنه ويتحملون عواقبه؟ لماذا يُقتل أهلنا في معارك محسومة النتائج من وراء ظهورهم؟ وحده حسّ الناس الذين يعيشون اليوم تحت وابل النيران يمكنه الإجابة عن هكذا أسئلة، وهو ما تجلى في اللافتة التي رفعها أول من أمس متظاهرون في جرجناز، وقد كتبوا عليها «اسمع أردوغان... كفاك عبثاً بدمائنا».

ليس بيننا من لا يدينُ قادة الفصائل العسكرية على ارتهانهم وتبعيتهم وصراعاتهم وفشلهم، ولكن تحت إمرة هؤلاء القادة شبابٌ صغار شبّوا وهم يرون محرقةً هائلة تلتهم أهلهم وأحبابهم، فلم يتعلّموا ولم يُراهقوا كما ينبغي لهم، ولكنهم دافعوا عن أنفسهم وعن بيوتهم وعن الناس الذين يحبونهم، ودافعوا عن حقهم في الحياة والكرامة. هؤلاء ليسوا جهاديين، ولا يقاتلون من أجل تركيا وقاعدة أبي محمد الجولاني ومشاريعه الساقطة، ولا من أجل أن تصبح سوريا مستعمرةً روسية أو أميركية، هؤلاء يقاتلون من أجل كرامة العالم وجدوى استمرار الحياة فيه.