إيران وأميركا: التدافع على شفير الهاوية

 

بلغت حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران مستويات جديدة خلال الأيام القليلة الماضية، وذلك بعد تشديد العقوبات الاقتصادية الأميركية على طهران، وردود الأفعال الإيرانية التصعيدية، وما تلاه من أجواء توحي باحتمال الانزلاق إلى مواجهة العسكرية، بعد أن دفعت الولايات المتحدة بقوات هجومية، من بينها حاملة طائرات، إلى الخليج العربي، محذرة إيران بلهجة حادة من عواقب خطيرة.

وقد بدأت المخاوف تأخذ منحى جدياً أكبر، تجلى في قطع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو زيارة هامة إلى أوروبا، كان مخططاً لها منذ شهور، واتجاهه إلى العراق بشكل مفاجئ يوم الثلاثاء الماضي، ليلتقي الرئيس العراقي برهم صالح، ورئيس الحكومة عادل عبد المهدي، ويؤكد على أهمية استقلال العراق وعلى ضرورة تقليله من الاعتماد على النفط الإيراني.

من الواضح أن الزيارة المفاجئة، التي جاءت في ظل هذه الظروف المتوترة، وقطعت مخططات مسبقة للوزير الأميركي، تعكس استثنائية الوضع المتجه بشكل متسارع إلى حافة المواجهة. إذ تسعى واشنطن لفسخ الرابط المتين بين العراق وإيران، ومزيد من عزل طهران عن محيطها سياسياً، بعد قطع الوثاق الاقتصادي بينها وبين العالم عبر العقوبات.

وكان ترامب قد أعلن في أيار من العام الماضي الانسحاب الأحادي للولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، الذي وقعته إدارة أوباما عام 2015 مع إيران بمشاركة دول أخرى هي فرنسا وألمانيا وبريطانيا والصين وروسيا. وكان الاتفاق ينص على السماح لإيران باستخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية، مقابل رفع العقوبات المفروضة عليها. وتلا الاتفاق ازدياد نفوذ إيران في سوريا عبر مساندتها للنظام في توسيع نطاق سيطرتهما، وهو ما اعتبره محللون آنذاك مكسباً لإيران على هامش الاتفاق، «يخولها الاستحواذ على سوريا».

وقد جدد ترامب العقوبات على طهران في تشرين الأول 2018، ثم أنهى مطلع الشهر الجاري الإعفاءات المقدمة لثماني دول هي الصين، والهند، وكوريا الجنوبية، واليابان، وتركيا، وتايوان، واليونان، وإيطاليا، والتي سمحت لها مؤقتاً بمواصلة شراء النفط الإيراني دون أن تشملها العقوبات، ساعياً إلى «تصفير» صادرات إيران من النفط. ليضيف بعدها حزمة جديدة من العقوبات، كان آخرها يوم الأربعاء 8 أيار الجاري، استهدفت صادرات إيران من المعادن الصناعية.

وردّت إيران على العقوبات من جهتها بلهجة تصعيدية، معلنة الانسحاب من بعض بنود الاتفاق النووي، إذ أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني، في الذكرى السنوية الأولى لانسحاب ترامب من الاتفاق، أن بلاده «ستواصل تخصيب مخزون اليورانيوم والماء الثقيل في الداخل، بدلاً من بيعه إلى الخارج»، مهدداً باستئناف إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب خلال 60 يوماً، وهو ما ينتهك بنود الاتفاق القاضية ببيع فائض اليورانيوم المخصب لدى إيران إلى الخارج، بدلاً من الاحتفاظ به، إضافة لزيادة مدة إنتاج المواد الانشطارية إلى 10 سنوات بدلاً من شهرين.

كان موقف ترامب الحاد من الاتفاق النووي مثار انتقاد من بقية الدول المشاركة فيه، التي تعتبره اتفاقاً تاريخياً «ضامناً للسلام» في المنطقة، حيث دعت إلى الحفاظ عليه وعدم فرض عقوبات على إيران، التي تراهن بدورها على موقف هذه الدول المرن تجاهها، إذ دعتها إلى التحرك للحفاظ على الاتفاق، وهددت بالانسحاب الجزئي منه. لكن فرنسا وبريطانيا وألمانيا أعلنت رفض «أي إنذارات من الجانب الإيراني»، معبرة عن أسفها لإعادة فرض العقوبات الأمريكية على طهران بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق، مضيفة أنها «ملتزمة بالحفاظ عليه وتنفيذه بالكامل، وأنها ستقيّم التزام إيران على أساس أدائها».

وقد أدت هذه العقوبات المتجددة ضد طهران إلى وضعها في موقف حرج اقتصادياً، إذ فقدت العملة الإيرانية أكثر من ثلثي قيمتها منذ تجديد العقوبات خريف العام الماضي، وتضاعف معدل التضخم أربع مرات، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية فيها، في وقت يبدو فيه أنه لم يعد هناك مخرج لها بعد تضييق الخناق عليها، في ظل حذر معظم الدول من انتهاك العقوبات الأمريكية خشية أن تنالها.

وتوقّع صندوق النقد الدولي أن تؤدي العقوبات إلى انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 1.5 في المئة هذا العام، و3.6 في المئة العام المقبل، مشيراً إلى أن إجمالي الناتج المحلي للبلاد تراجع بنسبة 3.9 في المئة العام الفائت، ومن المتوقع أن يتراجع بنسبة 6 في المئة هذا العام.

وعلى صعيد التطورات العسكرية، أعلن قائد الحرس الثوري الإيراني، الذي صنفته واشنطن كمنظمة إرهابية مؤخراً ضمن حزمة الإجراءات ضد طهران، أن الحرس سيعطي «درساً لا ينسى للتحركات العدائية ضد إيران»، وأنه «عازم على رؤية أعداء إيران في مقبرة التاريخ». فيما قال مسؤولون أمريكيون إن «مسؤولاً إيرانياً وافق على مهاجمة القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، وهو ما دفع الأخيرة إلى إرسال قواتها للمنطقة». وقد وجه قائد القيادة المركزية الأمريكية تحذيراً لإيران قائلاً: «إذا كان لا بد من نشوب معركة... فلن تكون معركة عادلة»، لافتاً إلى أن نشر القوات «هو رسالة واضحة إلى الخصوم والحلفاء على حد سواء».

ويُعدُّ مستشار الأمن القومي جون بولتون، المحسوب على تيار الصقور المناوئ لطهران، أحد أبرز مهندسيّ الحزم الأميركي ضد إيران، ذلك أن تسريبات كشفت عن طلب بولتون من البنتاغون إعداد خطط مفصلة لـ«ضرب أهداف محددة داخل إيران»، فضلاً عن صياغته بيان البيت الأبيض الذي أعلن إرسال واشنطن حاملة الطائرات والقاذفات الأمريكية إلى منطقة الشرق الأوسط، «لإرسال رسالة واضحة لإيران مفادها أن أي هجوم على مصالح واشنطن أو حلفائها سيقابل بقوة شديدة».

ويحذر محللون من شبح صدام عسكري واسع في الشرق الأوسط، بعد التصعيد المرافق للعقوبات، فيما يذهب آخرون إلى أن إيران والولايات المتحدة لا تتجهان نحو حرب كبرى، مشيرين إلى احتمال نشوب صدامات محدودة قد تؤدي إلى مفاوضات جديدة. وأياً كان شكل المواجهة القادمة، فإنها تنذر بسيناريوهات مخيفة في المنطقة، التي تحطمت عدة بلدان فيها بسبب تحويلها إلى حلبات لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية داخل حدودها.

ربما يكون ثمة أوراق أخرى لا نعرفها في أيدي اللاعبين، لكن ما تظهره أحداث الأيام الأخيرة هو أن الأصابع تتجه نحو الزناد، وأن المناديل تمسح الجبهات المتعرقة في العواصم. الجميع كان يحشد ويخزّن الأسلحة ويجري المناورات منذ مدة طويلة، ومن شأن أي خطأ غير محسوب في هذه اللحظة أن يشعل الفتيل. ورغم حرص الجميع الواضح على تفادي ورطة الحرب، إلا أن الخصوم يتدافعون على شفير الهاوية.