اتفاق غامض يوقف العملية العسكرية التركية

 

أعلن نائب الرئيس الأميركي مايك بِنس يوم أمس وصول بلاده إلى اتفاق مع تركيا لوقف عمليتها العسكرية شمال شرقي سوريا، ويشمل الاتفاق عدداً من المواضيع الرئيسية؛ أهمها تعليق العمليات العسكرية لمدة 120 ساعة، في مقابل انسحاب وحدات حماية الشعب، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، إلى مسافة 20 ميلاً بعيداً عن الحدود السورية التركية. كما تحدّث الاتفاق عن عودة العلاقة بين واشنطن وأنقرة إلى ما كانت عليه كحليفين قديمين في حلف شمال الأطلسي، بما في ذلك رفع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها واشنطن على أنقرة.

الإعلان الأميركي الذي أذاعه بِنس خلال مؤتمر صحفي عقده في مقر السفارة الأميركية في أنقرة مساء أمس، جاء بعد اجتماع مطول جمعه مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، سبقته تصريحات سلبية من الطرفين، ما وضع هذا اللقاء في موقع حرج، يبدو أن واشنطن وأنقرة استطاعتا الخروج منه والوصول إلى اتفاق رغم التعقيد والتوتر الشديدين.

وفي تعليقها على الاتفاق، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية أنها على علم بالمفاوضات التي سبقته، وأنها كانت جزءاً منها، كما أعلنت موافقتها على وقف إطلاق النار؛ وقال البيان الذي صدر باسم القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية: «تم التوصل اليوم إلى الإعلان عن وقف لإطلاق النار الفوري بين قوات سوريا الديمقراطية والدولة التركية على طول جبهات القتال الممتدة من مدينة رأس العين/ سري كانيه شرقاً وحتى مدينة تل أبيض غرباً (...) إن قوات سوريا الديمقراطية تؤكد التزامها بعملية وقف إطلاق النار المعلنة وتطالب في الوقت ذاته الدولة التركية الالتزام بذلك».

وبعد البيان، قال قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، خلال لقاء مع تلفزيون روناهي، إن الاتفاق جاء نتيجة ضغوط دولية كبيرة مورست على أنقرة، وإنه يتضمن عودة النازحين، وأضاف أنه على الولايات المتحدة أن تكون «ضامنة للاتفاق الذي يجب ألا يغير ديموغرافية المنطقة». كما أشار عبدي إلى أنه على «يجب على شعبنا والأطراف السياسية (الكردية) توحيد الصفوف»، وربما تكون هذه العبارة إشارة إلى احتمال العودة إلى طروحات سابقة تتعلق بانتشار مقاتلي «بيشمركة روجافا» قرب الحدود مع تركيا بديلاً عن وحدات حماية الشعب، وهي قوات من مقاتلين أكراد سوريين مرتبطين بقيادة إقليم كردستان العراق.

في مقابل هذه التصريحات، قال وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أغلو، إن بلاده قررت «تعليق» العمليات العسكرية وليس وقف إطلاق النار، وشدَّدَ في مؤتمر صحفي بعد الإعلان عن الاتفاق على أن بلاده متمسكة بإقامة «منطقة آمنة» بعمق يصل إلى 32 كم داخل الأراضي السورية. أما النظام السوري، فقد جاء تعليقه على الاتفاق على لسان بثينة شعبان، المستشارة السياسية والإعلامية لبشار الأسد، التي وصفت الاتفاق بـ «الغامض»، وأضافت أنه «لا يمكن أن تقبل دمشق بنسخ نموذج كردستان العراق في بلدنا».

الرئيس الأميركي دونالد ترامب كتب على تويتر قبيل المؤتمر الصحفي الذي عقده نائبه في أنقرة: «نبأ عظيم من تركيا. أخبار المؤتمر قريباً.... شكراً لأردوغان، سيتم إنقاذ ملايين الأرواح»؛ ويبدو أن ترامب يحاول إنقاذ الموقف في اللحظات الأخيرة، قبل أن تخرج الأمور من يد الولايات المتحدة نهائياً في شمال شرقي سوريا، وذلك بعد الضغوط الكبيرة التي طالته من السياسيين في واشنطن، وأبرزها قرار الكونغرس الأميركي الذي ندّدَ بقرار ترامب الانسحاب من سوريا، والذي كان علامة فارقة في السياسة الأميركية، إذ توحد نواب الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونغرس للوقوف في وجه ترامب.

ويتحدث الاتفاق الأميركي التركي عن ضرورة وقف العملية التركية بشكل نهائي، وذلك في حال نفذت وحدات حماية الشعب انسحاباً كاملاً من الحدود السورية التركية خلال 120 ساعة، كما يتضمن الإشارة إلى أن عودة العلاقات إلى طبيعتها بين واشنطن وأنقرة لن تحدث إلا بعد وقف العملية بشكل نهائي، إلا أن ثمة أموراً رئيسية سكت عنها الاتفاق، من بينها النص صراحة على عودة النازحين إلى المناطق التي سيطر عليها الجيش التركي وحلفاؤه، ومصير ونوع السيطرة على المناطق التي ستنسحب منها وحدات حماية الشعب التي سمّاها الاتفاق بالذات، دوناً عن قوات سوريا الديمقراطية التي تضمّ مكونات أخرى، وهو ما يفتح مزيداً من الأسئلة حول آليات التطبيق، وخاصة في حال مواصلة إدارة ترامب لخطتها في الانسحاب الكامل من شمال شرقي سوريا، ليبقى سؤالٌ كبيرٌ مفتوحاً حول كيفية ضمان الولايات المتحدة لاستمرار تنفيذ الاتفاق مستقبلأً دون وجود قوات لها على الأرض.

وبينما يبدو واضحاً أن الجانب التركي يعتبر أن الاتفاق يشمل سائر الشريط الحدودي من مدينة عين عرب/كوباني شرقي نهر الفرات إلى عين ديوار غربي نهر دجلة، فإن ما أعلنته قسد عن أن فهمها للاتفاق يشمل تل أبيض ورأس العين فقط ربما يكون عائقاً أمان تنفيذ بنود الاتفاق. وفضلاً عن هذا، فإن الجانب التركي يعتبر أن السيطرة الأمنية على مجمل هذا الشريط، وبعمق 32 كم داخل الأراضي السورية، يجب أن تكون للجيش التركي، وهو ما لا تبدو واضحة كيفية تنفيذيه بعد أن انتشرت وحدات من جيش النظام السوري والشرطة العسكرية الروسية في عدة مناطق من هذا الشريط، وخاصة كوباني ومحيطها، فضلاً عن تمركز النظام السوري أصلاً في مناطق رئيسية من مدينتي الحسكة والقامشلي، وانتشار عناصر منه في مواقع جديدة في محافظة الحسكة خلال الأيام القليلة الماضية.

في هذه الأثناء، تتواصل الاشتباكات المتقطعة في رأس العين/سري كانيه، بين القوات السورية التابعة لأنقرة وقوات قسد المتمركزة في المدينة، التي كانت القوات التركية والقوات السورية المرافقة لها قد نجحت في حصارها يوم أمس. وليس واضحاً بعد ما إذا كانت هذه الاشتباكات ستستمر وتتصاعد وصولاً إلى انهيار الاتفاق، أم أنها ستتراجع باتجاه السير في تنفيذ بنوده، لكن يبقى أن التنفيذ الفعلي لهذا الاتفاق يصطدم بعقبات كبيرة، أبرزها ما يبدو غياباً كاملاً لأي اتفاق حول مستقبل إدارة المنطقة على المدى القريب، وهو ما يترك الجزيرة السورية مفتوحة على احتمالات مزيد من المعارك والنزوح والآلام وتغيّر خرائط السيطرة.