احتمالات كورونا في الشمال السوري

 

نشرت وحدة المعلومات الصحية في شمال غرب سوريا، يوم أمس الأربعاء، تقريراً مفصلاً يتضمّن السيناريوهات المتوقعة في حال انتشار مرض كوفيد19، الذي يسببه فيروس كورونا المستجد، في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في محافظتي حلب وإدلب. ويتناول التقرير، الذي تم إعداده بالتعاون مع باحثين أكاديميين حول العالم، مدى قدرة النظام الصحي في هذه المناطق على احتمال تفشّي الوباء، مع التركيز على نقاط الضعف الأساسية والفجوات التي يعاني منها، من أجل الاستعداد بشكل أفضل لمثل هذا الاحتمال.

وقد اعتمد الباحثون على بيانات منظمة الصحة العالمية، وعلى نماذج التزايد في أعداد الحالات التي أقرتها المنظمة. وبناءً على ذلك، تمّ وضع عدد من السيناريوهات التي تتوافق مع النماذج الأكثر انتشاراً في عدد من دول العالم، مع أخذ عوامل متعددة بعين الاعتبار، مثل البيئة والكثافة السكانية. وأظهرت التحليلات التي قدّمها التقرير نتائج مخيفة عن أعداد الأشخاص الذين قد يصابون بالمرض في المنطقة، ضمن الظروف شديدة الصعوبة في المحافظة، التي يعيش عشرات الآلاف من سكّانها حرفياً على أنقاض مدنهم وبلداتهم.

يقول التقرير إنّ أكثر من أربعة ملايين يعيشون في شمال غرب سوريا، في منطقة تمتد بين ريف حلب الغربي ومحافظة إدلب، ويواجهون مخاطر شديدة في حال انتشار المرض، خاصةً سكان المخيمات، في ظل تباطؤ، وربما تقاعس، المنظمات الدولية عن اتخاذ إجراءات فورية لدعم القطاع الصحي هناك.

يقول الدكتور محمود الحريري، مدير وحدة المعلومات الصحية، للجمهورية: «رأينا أن الطريقة الأفضل لمساعدة القطاع الطبي في المنطقة على تحديد احتياجاته الرئيسية، هي بناء نماذج تحاكي ما يمكن أن يحدث في حالة انتشار المرض لا سمح الله. وقد قام أطباء وباحثون سوريون، ومن بريطانيا وأستراليا، بإعداد البحث وتدقيقه، للوصول إلى النتائج الأكثر واقعية».

أصابت النتائج التي وصل إليها البحث الفريق بالمفاجئة، حتى بالنسبة للأطباء والباحثين السوريين الذين يعلمون تماماً وضع القطاع الصحي في المنطقة، خاصةً بعد التصعيد العسكري خلال العام الماضي وتعرضه للاستهداف الممنهج، ما أثَّرَ على قدرته الاستيعابية وعلى قدرة العاملين الصحيين على الوصول إلى السكان، فضلاً عن تهديد حياة العاملين فيه. يقول الدكتور الحريري: «يجب قرع جرس الإنذار بالنسبة للوضع في المنطقة، وهناك تحرك فوري واجب على منظمة الصحة العالمية والمانحين لتغطية الفجوات والضعف الذي يعاني منه القطاع الصحي، وإلا فإن حياة المئات، وربما الآلاف، ستكون في خطر محدق».

وقد توصل التقرير الذي نشره فريق وحدة المعلومات بعد مؤتمر صحفي عبر الإنترنت، إلى أن هناك عدة سيناريوهات أساسية ممكنة الحدوث1؛ يحدد السيناريو الأول بأن عدد الحالات في الأسبوع الثامن من الانتشار سيصل إلى 16384 حالة، فيما ستكون 2458 حالة بحاجة إلى عناية طبية في المستشفيات، وسيكون عدد الحالات الحرجة، التي تحتاج إلى عناية مشددة وأجهزة تنفس اصطناعي 819 في الأسبوع الثامن، وهو رقم لا يستطيع النظام الصحي التعامل معه في تلك المناطق، نتيجة النقص في المعدات، وعلى رأسها أجهزة التنفس الاصطناعي، بالإضافة إلى عدم وجود عدد كافٍ من أسرة العناية المشددة في المستشفيات.

السيناريو الثاني يحاكي أسوأ النماذج الحتملة، وهو يتوقع بأن يكون عدد الحالات في الأسبوع الثامن قد وصل إلى 185364 حالة، من بينها 9268 حالة بحاجة إلى عناية مشددة وأجهزة تنفس اصطناعي.

السيناريو الثالث لانتشار المرض يركز على أوضاع السكان الأكثر حاجة، وهم النازحون الجدد الذين يبلغ عددهم 1.2 مليون نسمة. ويتوقع هذا السيناريو أن يصل عدد الحالات في الأسبوع السادس، إذا ما بدأ الانتشار ضمن المخيمات، إلى 240000 حالة في المخيمات لوحدها، ستحتاج 12000  حالة منها إلى عناية مشددة وأجهزة تنفس اصطناعي.

وكانت مديرية صحة إدلب، في وقت سابق خلال الشهر الماضي، قد نشرت تفاصيل حول الطاقة الاستيعابية للقطاع الصحي في إدلب، تُظهر أنّ أعداد أجهزة التنفس الإصطناعي غير كافية أبداً، إذ قالت إن مشافي إدلب تضم 201 سرير عناية مشددة فقط، و95 جهاز تنفس للبالغين، و30 للأطفال، و29 جهاز تنفس لحديثي الولادة.

وبمقارنة هذه الأرقام مع السيناريوهات المتوقعة، فإننا سنكون أمام كارثة حتمية في حال انتشار هذا المرض، خاصةً مع وجود مؤشرات خطيرة في عفرين، بعد أن تناقلت وسائل إعلام تقارير تفيد بإصابة جنود أتراك بفيروس كورونا فيها ونقلهم إلى تركيا، بالإضافة وبعد أن نشرت وكالة سمارت يوم أمس، نقلاً عن مصادر طبية داخل عفرين، تقريراً يتحدث عن أربع إصابات بين المدنيين السوريين، جرى تأكيدها بعد تحليل عينات من دمهم في تركيا، إلا أن السلطات التركية طلبت عدم إعلان الخبر لأسباب غير معروفة بحسب مصادر الوكالة. تعني هذه الأنباء في حال صحتها أن المرض قد بدأ في تلك المنطقة التي تخضع للسيطرة التركية، ويمكن أن يتفشى فيها وينتقل منها إلى بقية المناطق.

«نحن نواجه كارثة حقيقية»، يقول البيان الذي أعلنته وحدة المعلومات الصحية في مؤتمرها الصحفي. ولمواجهة هذه الكارثة، دعت الوحدة إلى التحرك سريعاً لتغطية النقص في دعم للقطاع الصحي، وإلى تقديم العون للمنظمات الطبية العاملة في سوريا، كما دعت منظمة الصحة العالمية إلى التسريع في عملها وإجراءاتها، لأن أي تأخير قد تترتب عليه خسائر في الأرواح، آملةً أن يكون هذا التقرير إنذاراً مبكراً لاتخاذ مزيد من الاستعدادات في مواجهة جائحة ضربت العالم كله.

  • 1. تحديث: تمّ تعديل أرقام السيناريوهات بعد النشر بناءً على النسخة النهائية التي تم نشرها من التقرير.