اعتقال مجدي نعمة وسؤال العدالة

 

يُحتمل لاعتقال مجدي نعمة، إسلام علوش سابقاً، ولتجريمه المحتمل، أن يكون مفيداً كرسالة إلى الجناة في مافيا جيش الإسلام بأنهم لن يكونوا في أمان؛ ويمكن له كذلك أن يكون حلقة في سلسلة تفضي إلى الحقيقة في شأن جرائم هذا التشكيل، وبخاصة ما يتصل بقضية مخطوفي دوما الأربعة، سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي. ولعله بعد ذلك يشجع شهوداً آخرين على التقدم بما يعرفون. لكن اعتقال نعمة/ علوش ليس حدثاً مهماً بحد ذاته، ويُستحسن ألا تعقد عليه آمال كبيرة. الرجل تافه، والأرجح أنه لم يكن من الدائرة الخاصة في مافيا جيش الإسلام. رجال هذه الدائرة الأبرز معروفون بالاسم، وأبرزهم سمير الكعكة الذي هو مفتي المافيا ومنبع الشر فيها، وعمر الديراني المسؤول الأمني، وعصام البويضاني قائد التشكيل اليوم، ويونس النسرين الذي نعرف أنه دخل على كمبيوتر رزان، وقريب منهم حسين الشاذلي الذي كتب لها تهديداً بالموت في أيلول 2013. الخمسة اليوم بين الباب في شمال سورية وبين تركيا. 

ستكون مفاجأة غير متوقعة، لكن طيبة جداً، إن ظهر أن نعمة/علوش مُطلّع على أسرار المافيا، ومصدر لمعلومات ثمينة عنها. تجريمه القضائي يمكن أن يكون مهماً لهذا بالذات. وأهم منه تجريم المذكورين من قادة جيش الإسلام وكادره، على خطف سميرة ورزان ووائل وناظم، وعلى جرائمهم الكثيرة الأخرى. ومن شأن إطلاق عملية قضائية تَرِدُ فيها أسماء المجرمين وتُهَمهم، وتسعى إلى معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة، أن تدشن قطيعة مع مسار من الإنكار والكذب، ضاعفَ الجريمة التي ارتكبها التشكيل السلفي الذي أسهم في تدمير مجتمع دوما والغوطة الشرقية، قبل أن يؤجر نفسه اليوم للسلطات التركية. ومن شأنها أن تكون تكريماً متأخراً جداً لأحبابنا المغيبين منذ ست سنوات ونيّف، وإشهاراً لقضية عادلة على المستوى الدولي. من شأنها بعد ذلك أن تكون بداية متواضعة لمسار مأمول من العدالة لما لا يحصى من السوريات والسوريين، وقعوا ضحايا مدمرين متنوعين، أبرزهم الدولة الأسدية وحماتها، ولكن منهم قتلة داعش وجيش الإسلام، وجبهة الجولاني التي تحاصر إدلب اليوم من الداخل، معززة حصار المحمية الأسدية لها من الخارج. وإن كان تجريم قتلة جيش الإسلام لا يضمن بحد ذاته تجريم قتلة آخرين، فالأكيد أن أياً من المجرمين الآخرين لن يكون سعيداً بمسار عدالة محتمل، إن أصاب نظراءَ لهم فلا يمتنع أن يصيبهم هم يوماً. الجريمة تُطبِّع الجريمة، ونزع تطبيع بعض الجرائم ربما يمهد لنزع الطبيعية عن الجرائم كلها. 

على أن ما قد يكون أكثر أهمية من التجريم القضائي هو التجريم السياسي الذي يضع التشكيل المذكور في موقع أقرب إلى قتلة الحكم الأسدي، ويجعل إفلات المجرمين الكبار من العدالة مستهجناً أكثر إن أمكن للعدالة أن تطال مجرماً صغيراً مثل نعمة/ علوش. بقدر ما إن التجريم السياسي لهذه الأطراف يتوافق مع ما تطلعت إليها الثورة السورية من جهة، فإنه يؤسس لسابقة مهمة يمكن أن يستند إليها يوماً نظام سياسي قابل للحياة في بلدنا. تقول هذه السابقة إن من يختطفون ويُغيبون ويكذبون يجب معاملتهم كمجرمين وملاحقتهم كمجرمين ومقاطعتهم كمجرمين، وإنه ليس هناك اعتبارات سياسة تسوغ استثناءات من العدالة. ومن المؤسف أن ممثلين مفترضين لقضيتنا عاملوا هؤلاء المجرمين كشركاء وتواطؤوا معهم بغير صورة. ثم أنهم ثابروا على ذلك على نحو أسهم في نزع استحقاقهم لأي صفة تمثيلية. خلال سنوات لم يُسمع صوت واحد في المعارضة الرسمية يُسائل التشكيل أو يلومه على ما كان يفعله بأهالي دوما، هذا إن لم يكن استذكاراً لسميرة ورزان ووائل وناظم. السكوت المتخاذل لجماعة الائتلاف أضعفهم هم بالذات وقلل من شأنهم، فوق إضعاف قضيتنا أمام قتلة وضعاء. التجريم السياسي لجيش الإسلام هو في الوقت نفسه إدانة سياسية لمن تواطؤوا معه. 

فإذا كانت فُرص التجريم القضائي الشامل محدودة بسبب عطالة المؤسسات القضائية الدولية، وحظوة المجرمين المتنوعين بحماة متنوعين، فوق وقوع التجريم القضائي بيد مؤسسات وأجهزة لا يملكها السوريون ولا تأثير لها على قرارتها وعملياتها، وإذا كان التجريم السياسي قد أُهدر على يد «معارضين» عرضوا ألواناً من التبعية وفقدان الكرامة لا يستطيعون معها إدانة المافيا العلوشية ورجالها، فإن التجريم الأخلاقي والثقافي يبقى متاحاً لجميع أصحاب التفكير والضمير من السوريين، ورثة الثورة السورية العظيمة. نعني بالتجريم الأخلاقي أن تسهم هذه القضية في ظهور ضمير مستقل، يدين المجموعات الدينية السياسية التي أتاحت لها إجرامية دولة الأسديين الخارقة أن تطابق نفسها مع العدالة مهما بلغت من الإجرام. لدينا اليوم ما يكفي للانتقال من قول إنه ليس هناك درب ديني إلى العدالة في سورية، إلى القول إن الدرب الديني هو درب إلى الظلم والتمييز حصراً. 

قضية سميرة ورزان ووائل وناظم بصورة خاصة تحوز كثيراً من الطاقة الأخلاقية، بفعل التاريخ المشرف للمرأتين والرجلين في الصراع ضد المجرم الأسدي، وبفعل كون الأربعة لاجئين في دوما، وكذلك بفعل كونها مثالاً بين أمثلة كثيرة على جرائم كثيرة ارتكبتها المجموعات الدينية السياسية، وهذا فضلاً عن رمزية نسوية خاصة لامرأتين من جيلين: معتقلة سياسية سابقة، تعمل بدأب وتفان حيثما وجدت، وتتجسد فيها الصفة العابرة للطوائف لقضيتنا، وناشطة حقوقية وسياسية هي من الأبرز في جيلها ومن الأكثر غيرية وشجاعة. كل ذلك يشحن القضية بشحنة إخلاقية نادرة، لا يستطيع أي إسلاميين أو لا إسلاميين منازعتها أو ادعاء مثلها. 

لا نعلم ما يمكن أن تتمخض عنه عملية قضائية لمحاكمة إسلام علوش في فرنسا، وليس مؤكداً بعد أنه ستكون ثمة عملية قضائية. هذا ليس بيدنا. ما بيدنا هو التجريم السياسي والأخلاقي لنعمة/ علوش وما يمثله، وأن نعمل على جعل اعتقاله منطلقاً للنقاش حول العدالة في بلدنا، العدالة القانونية والعدالة السياسية، ولمعنى العدالة الأخلاقي، وأن نُدخل هذه المعاني في تفكيرنا السياسي وفي حكمنا على الفاعلين العامين المختلفين، وفي سلوكنا الشخصي. 

فإن أمكن لنا السير في هذا الاتجاه، فسيبقى علوش ما كانه على الدوام: تافهاً، رأى حوله تافهين يحكمون بلداً بالجريمة دون عواقب، وأراد أن يكون مثلهم.