اغتصاب لا غزل

 

في ڤيديو يجري تناقله على وسائل التواصل الاجتماعي، يقوم شخص – بقصد المرح – بتركيب صوته على المقطع المصوَّر مقلِّداً شخصيةَ معلق رياضي، يتغزل بجمال لاعبة كرة قدم فرنسية وبحلاوة هيئتها. جاءت مئات المشاهدات والتعليقات مشجّعة لهذه «المزحة»، التي يتجاهل فيها المذيع المفترض طبيعة مهنة هذه اللاعبة، التي اختارت حرفة خارج تقييم المجتمع لمعايير الجمال، مركّزاً «مزحته» على وصف محاسن اللاعبة الجسدية، وملخّصاً أداءها في الملعب بزرقة عينَيها وصفاء بشرتها، ضارباً بمقدراتها الكروية وبحِرفتها عُرض الحائط. لا تقلل حقيقة «فبركة» الصوت من مدى الإساءة التي تسبب بها، فالڤيديو/المزحة سرعان ما تحوّل عبر المشاركات والتعليقات إلى كرة كبيرة من العنف.

في ڤيديو «بريء» آخر، هذه المرة يقلّد الشخص صاحب المزحة أيضاً صوت معلق رياضي يحاصر مشجعة تجلس في صفوف المشاهدين لمتابعة مبارة كرة قدم. تتابع الكاميرا تسليط الضوء على المشجعة المرتبِكة من تصويرها ومن محاصرتها، ويستمر المعلق المفترض في تغزّله بها، متجاهلاً اضطرارها الخروج من الملعب وإخفاء وجهها وعدم رغبتها بأن يتمّ تصويرها. تتوالى التعليقات التي تَعيب على السيدة تبرّجها وخروجها للملعب لمشاهدة المباراة، دون أي ذِكر للاعتداء على خصوصيتها وتصويرها بإصرار أجبرها على المغادرة. في الحالتين تتحول السيدتان إلى جسد، الأولى تخضع لنظرة الشهوة التي تُلغي إنسانيتها وإنجازتها وتعرّيها من قوتها، بينما الثانية ينبغي إخفاء جسدها ومحو معالمه. في الحالتين يتم النظر للمرأة كجسد لا يحمل إرادة حرة، بل يمكن استباحته عبر وصفه وتقييمه والتشهير به حسب إرادة الجمهور.

تعجز السيدتان إذن عن فرض وجودهما على صاحب المزحة السَّمِجة وجمهوره كإنسان يحق له أن يختار مهنته أو مكان تواجده دون التعرض لنظرات الشهوة أو التجريم. في الڤيديو الثاني يتحول الاعتداء اللفظي الذي شنّه المعلق على السيدة إلى مادة دَسِمة، تنتقد تبرّج المرأة وتُجّرم ظهورها، وتُلقي باللوم عليها لوجودها في الفضاء العام. ويَصلح رد فعل معظم المعلقين من الناس على الڤيديو كمثال على ثقافة الاغتصاب؛ ثقافة تبرير الاعتداء عبر اتهام الضحية بإثارة المعتدي.

إن توجيه الأنظار إلى ما ترتديه امرأة، أو إلى مدى إظهارها للحياء من عدمه، هو مظهر من مظاهر «ثقافة الاغتصاب» (rape culture)، التي هي فعل اجتماعي يتم من خلاله تبرير العنف الجسدي واللفظي على الضحية، والأسوأ هو لوم الضحية على نتيجة أفعال المعتدي. تم صياغة هذا المصطلح في السبعينات ضمن الموجة النسوية الثانية في الولايات المتحدة، حيث سعت الدراسات لرفع وعي المجتمع الأميركي بنسبة انتشار حوادث العنف المنزلي والاغتصاب وتعامي المجتمع عنها. نجحت النسويات في هذه الفترة بتحدي أساطير الاغتصاب المرتبطة بالأدوار الاجتماعية، وطبيعة الإساءات الجنسية، والاستهانة المجتمعية بحجم الأذى الذي يلحق بالضحية. استطاعت الأبحاث تعريف الاغتصاب كجريمة عنف، وليس كجريمة جنسية دافعها الرغبة، وركزت على إعادة قراءة النتائج بعيون الضحية وليس المعتدي. كما أشارت لدور الإعلام وثقافة فن «الپوپ» في استخدام لغة كارهة للمرأة وتشييء جسدها وتلميع صورة العنف الجنسي. في كتابها الذي يعتبر علامة فارقة في هذا المجال ضد رغبتنا: رجال ونساء واغتصاب (1978)، ساهمت سوزان براونميللر في تغيير القوانين القضائية المجحفة بحق الضحايا في قضايا الاغتصاب. فلم تعد المحكمة تستند إلى تاريخ الضحية الجنسي أو إلى بعض الرموز الاجتماعية المرتبطة بالمظهر او الوضع الاجتماعي وغيرها من الرموز التي تستمرق الاعتداء الجنسي. ففي إحدى المحاكمات في مدينة كورك في ايرلندا، تم عرض الثياب الداخلية لضحية اعتداء جنسي في السابعة عشرة من عمرها لإثبات رغبتها بالجنس، مما أدى لخسارتها الدعوة لصالح المعتدي ذي السابعة والعشرين. وفي حالة أخرى، خسرت سيدة في ايطاليا دعوى قضائية ضد رَجُلَين متهمَين باغتصابها، لأن المحكمة لم ترَ في هذه السيدة «ما يكفي من الأنوثة» لاستثارة مغتصبيها. وبعد احتجاجات ضد هذا القرار، تم تعديل القانون القضائي في ايطاليا بحيث لا يجري النظر في مظهر المعتدى عليها ضمن الأدلة.

تأتي أهمية المشاهدتَين السابقتَين من كونهما يعكسان بنية العنف المطبَّع (normalized violence)، حيث يكون «الغزل والكلام الحلو» تعدياً على الآخر وعلى خصوصيته. هذا الخلط بين الغزل وإبداء الإعجاب من جهة، وبين التحرش والتعدي من جهة أخرى، هو مظهر من مظاهر ثقافة تُغفل حق الآخر في الاختيار، وتجعل العنف يأخذ ملمحاً طبيعياً. فالقَبول والرضى والاستجابة الإيجابية الصريحة لمبادرة الآخر هي شرط خلق علاقة إيجابية. أما في ثقافة الاغتصاب فالرغبة تبرر التعدي، ويُنظر في مدى فتنة الضحية كمبرّر للعنف. وفي حالات معينة، يلجأ المعتدي لاستخدام حياء الضحية كوسيلة لادعاء اللَّبس بين الرضى والتمنّع، وبالتالي إغفال حقها في القَبول الصريح. فيصبح الحياء في حالات كهذه «سلاحاً كاتماً للصوت» يحرم المرأة من حقها في التعبير عن رغبتها، والتي هي أمر مشروع لبناء علاقة سليمة مع الآخر.

خلال حركة #أنا_أيضاً (MeToo#)، تم تسليط الضوء على قضايا التحرش الجسدي واللفظي والإساءة الجنسية، والتي يلجأ معظم ضحاياها إلى عدم الإبلاغ عنها خوفاً من التشهير أو من «لوم الضحية». يأتي هذا بينما يستمر تداول ڤيديوهات مسيئة للنساء، تبرّر التعدّي عليهنّ بحجة ما يلبَسنه، أو بحجة أماكن وأوقات تواجدهنّ في الفضاء العام. إن تطبيع العنف الجسدي واللفظي وتبريره حالة اجتماعية تجعل الاعتداء مقبولاً بحجة خروج الضحية عمّا يمليه المجتمع من قوانين تحدد طواعية الجسد وترسم حدوده، بحيث تكون مخالَفة العُرف والرموز الاجتماعية مبررات للاعتداء.

تفضّل نساء كثيرات عدم الإفصاح عما يعانِينَه كيلا يُوجَّه إصبع الاتهام إليهنّ، وقد غرّدت سيدات عربيات كثيرات من منطقتنا بمواقف وأحداث يَصِفنَ فيها الحالات التي تمت فيها الإساءة لهنّ، وبالمقابل جاءت التعليقات تتّهمهنَّ باستثارة المعتدي وتبرّر الاعتداء عليهنّ. ومما لا شك فيه أن مقالة كهذه قد تكون عرضة للتهكم ذاته، إذ سيستنكر المدافعون عن منظومة «الذكورة السامّة» تكرار الرفض لآليات العنف، وتكرار الحديث عن أوجاعنا مما نعايشه من تحرش وأذى بشكل يومي. ويتغافل كثيرون عن وجود حالات تحرش وتعدٍّ متفشية في المجتمع، مفضّلين ارتداء قناع العفة المتعامي عن آلام ضحايا التحرش.

في ما مضى، عندما كنت في سوريا، كنت كلما سِرتُ في الشارع العام ترتفع نبضات قلبي خوفاً مما تحمله الرحلة من إساءة قد أواجهها، يبرر فيها المعتدي فعلته بعدم تناسب ملبسي أو مظهري مع معاييره أو شهواته، فلا يتوانى عن الشتم واستخدام كلمات جنسية مسيئة. حينها، كنت أجد نفسي مضطرة للقيام بمجموعة من العادات، التي أصبحت يومية، بهدف تجنّب التحرش اللفظي أو الجسدي، وهي عادات تُشعرني بعدم الارتياح في أي ملبس أرتديه، كأن أزيد من سرعة خطواتي؛ أو أتجنب أحياء تكتظ بالمارة في أوقات معينة؛ أو أتجنب المواصلات العامة في حالات؛ وفي حالات أخرى أتجنب التكسي. لقد تطور لديَّ حسّ ساعدني على تجنب كلمات قذرة أستشعرها في نظرةِ قادمٍ من بعيد. كانت كراجات العباسيين وشارع الثورة في دمشق مسارح لتعدّيات لانهائية ولتحرّش علني لا رادع له. وعندما تتجرأ إحدى ضحايا التحرش الجنسي على إثارة ضجة في الشارع ضد المعتدي عليها، كان يُرَدّ عليها بالتقريع والاستهتار بشكلها، وبذمّها بالقول إنها لم تكن جميلة بما يكفي كي تحرّض المعتدي على فعلته، وبالتالي بالحكم ببطلان دعواها! أو يُرَدّ عليها بدعوتها لسَتر نفسها واستعراضها المثير للرغبات والشهوات، وبالتالي تبرير الاعتداء عليها، فلا يقترب أحد للدفاع عنها كونَها مسبِّب الاعتداء.

ولم تكن الإساءات تتوقف على ما نلاقيه في الشارع العام، ففي الجامعة وفي أماكن العمل في بعض الحالات، وكما تقتضي لباقة التعامل مع الزملاء، كنت أفاجَأ بتفسير التعامل الوُدّي كإشارة على الموافقة على مزيد من الحميمة في العلاقة، وكتبرير لتحرّشات جسدية ولفظية تالية. وكثيراً ما يَسمح زملاء العمل لأنفسهم بإطلاق نكات جنسية في أماكن رسمية دون أدنى شعور بالحرج. بينما إن صدر هذا الأمر عن امرأة فسيُنظر لها كامرأة متسيّبة يُستسهَل التحرُّش بها. وتُعتبر جرأة النساء وتَجَاسُرُهن لفرض ذواتهن في العمل، أو انفتاحهن على الآخرين وتحرّرهن من قيود ثقافية تفرضها الأدوار الجندرية، كمبررات للتعدي الجنسي عليهن. ففي مجتمع يكرس ثقافة الاغتصاب كعُرف، تأتي الأدوار الاجتماعية لتفرض على الأولاد توقعات تُحتّم عليهم كبت مشاعرهم وإبداء القوة ورفض كلمة «لا» كردّ على رغباتهم؛ بينما تكبَر الفتيات بتوقعات تحملهنّ على الخضوع والسلبية والسعي لإرضاء الآخر.

لم أعتدْ يوماً على التحرش والعنف المصاحب له، لكن وكمعظم الضحايا كنت أتجنب التفكير فيه لأقلّل من تأثيره عليّ، وهو ما أدركت مدى خطئه لاحقاً. ذلك أن التقليل من حجم الإساءة هو تطبيع لها، وتحويلٌ لها إلى عُرف يحدّد وجودَنا وأفعالَنا، وإغفالٌ لحقوقنا كضحايا للإساءات الجنسية. لم يكن لنا قبلَ وسائل التواصل الاجتماعي وسيلةٌ للتعبير عن غضبنا أو الحصول على المواساة سوى الشكوى لصديقاتنا؛ «الحكي» كان قوتنا ووسيلتنا الوحيدة لفهم مدينة تملأ شوارعَها عدوانيةٌ لفظية جسدية ضد النساء وضد كل من يحاول الاختلاف. فلم يكن زملاؤنا الذكور الذين يختلف شكلهم قليلاً عن الصور الذكورية النمطية ينجُون من نَيل «ما يلزم من تأديب». الذكور الذين لا تتناسب خشونتهم مع المعيار السائد، كانت لهم حصة من العنف الذي يطالهم جسدياً ولفظياً بإساءات تشمل الأمهات والأخوات كما جرت العادة. ويستمر العنف أيضاً ليشمل النساء اللواتي يُشتَبَهُ بأنوثتهن: المحجبات بشكل كافٍ، المحجبات بشكل غير كافٍ، السافرات، المتبرّجات، الطويلات، المكتنِزات، القصيرات، وكل من يتجرأن على أن يتشاركن الفضاء العام ضمن ثقافة الاغتصاب والتعدي.

جاءت عبارة «لا تُملِ على النساء ماذا يرتدين، بل قل للرجال ألا يغتصبوا» لتحارب منظومة العنف المطبَّع. فلا تدخل ضمن مسؤوليتنا تصرفات الآخرين وأفعالُهم، وعدم الالتزام بقواعد اللبس العام ليست مبررات للتعرض للعنف. وليس كونُ جنسنا ذكراً علامة تترتبط بالتعدي والعنف أو بطبيعة إجرامية، بل إن تواطؤنا مع ثقافة الذكورة السامّة هو امتثال لعنف مجتمعي، يصبح فيه الأقوى سيد الموقف، وتتعامى فيه المنظومة الأخلاقية عن ضحايا هذا العنف. فرفض تطبيع العنف يأتي من خلال تسليط الضوء على ضحايا هذا العنف والاستماع لأوجاعهن وعدم التقليل من آثاره؛ وكذلك من خلال محاسبة المعتدي دون لوم الضحايا والتشهير بهنّ. وللتصدي لهذه المنظومة، يجب رفع الوعي، بمعنى القبول والالفتات لأهمية النظر للمرأة كشريك وكإنسان. ويأتي الاحتفاء بالتنوع كتحدٍّ للعنف الذي يبرّره الاختلاف، وذلك لخلق بيئة آمنة يمكن التنقل فيها دون خوف من الأذى الذي يخلقه رفض حرية الآخرين وإنسانيتهم.