اقتصاد الشمال السوري تحت رحمة كورونا

 

ارتفعت مؤخراً أسعار أغلب المواد الأساسية في مناطق سيطرة فصائل المعارضة شمال غربي سوريا، وقد تراوحت الزيادة بين 10 و80 بالمئة، وذلك في ظل غياب تامّ للرقابة من قبل أي جهة، واشتراك كل من حكومة الإنقاذ والحكومة المؤقتة والمؤسسات الخدمية في المسؤولية عن هذا الارتفاع، إضافة إلى سيطرة التجار على مقدرات الحياة الأساسية، في ظلّ تقطّع أوصال المنطقة وعزلها عن العالم نتيجة إغلاق المعابر مع تركيا وبقية مناطق البلد، الأمر الذي أسهم في قلة الواردات، وجاء متزامناً مع انخفاض قيمة الليرة السورية أمام الدولار.

إغلاق المعابر ودوره في زيادة الأعباء المعيشية

اتخذت الحكومة التركية عدة إجراءات لمواجهة انتشار فيروس كورونا، من بينها إغلاق المعابر على الحدود السورية التركية، وأهمها معابر باب الهوى والسلامة والراعي. ولم يشمل هذا القرار دخول المواد الإغاثية والتجارية، إلا أنه حدّ من حركة التجار السوريين الذين كانوا يدخلون إلى تركيا بموجب قوائم إسمية، وهو ما سبب ضعفاً في حركة الواردات، لعدة أسباب لخّصها من تحدثنا معهم بعدم قدرة التجار على معاينة بضائعهم، ما حال دون التعاقد مع موردين في تركيا خوفاً من مخالفة المواصفات. ذلك بالإضافة إلى انخفاض قيمة الليرة التركية أمام الدولار من 6.2 ليرة تركية للدولار الواحد مطلع آذار الماضي إلى 6.67 مطلع نيسان الجاري، وكذلك الليرة السورية من 1105 ليرة سورية للدولار الواحد في مطلع آذار إلى 1285 في مطلع نيسان، وهو ما شكل حالة خوف عند التجار في استجرار بضائع جديدة بأسعار لا تتناسب مع قدرة المستهلكين السوريين الشرائية.

المعابر مع مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية ومناطق سيطرة النظام أغلقت أيضاً، وتم اتخاذ القرار بمنع دخول وخروج الأشخاص والمواد التجارية من وإلى هذه المناطق بهدف الحد من احتمالات انتشار العدوى في مناطق سيطرة الفصائل التي تعاني واقعاً صحياً هشاً، وهو ما أدى أيضاً لارتفاع أسعار بعض المواد. كذلك تم إغلاق معبر الغزاوية، الذي يصل مناطق إدلب ببقية مناطق الشمال السوري الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة التابعة لتركيا، وهو ما أدى إلى فوارق في الأسعار بين هذه المناطق. وكانت الحركة التجارية بين إدلب وبقية مناطق سوريا تمر عبر هذا المعبر قبل إغلاقه، إذ لم تعد مناطق إدلب وريف حلب الغربي ترتبط بأي معابر مع مناطق سيطرة قوات النظام، وذلك منذ سيطرة الأخيرة على ريف حلب الجنوبي وأجزاء من ريف حلب الغربي وريف إدلب الجنوبي.

التهريب بديلٌ يرفع أسعار السلع

زاد إغلاق المعابر الداخلية من نشاط عمليات التهريب، التي تتطلب أكلافاً إضافية تضاف إلى أسعار المواد، إذ تنشط عمليات التهريب مع قوات النظام في نقطتي السكرية الصغيرة والتفريعة في ريف حلب الشرقي، اللتين يسيطر عليهما فصيل الحمزات من طرف فصائل المعارضة. فيما تنشط عمليات مع قوات سوريا الديمقراطية في نقطتي السفيرة الكبيرة والدادات في ريف حلب الشرقي أيضاً، ويسيطر عليهما من طرف المعارضة الفيلق الأول التابع لـ «الجيش الوطني» المدعوم تركيا. وتمر عبر هذه النقاط بعض المواد بموجب مبالغ مالية يتم دفعها من قبل أصحاب الشاحنات، ويتحمل المستهلكون أعباء هذه الكلفة الجديدة. كذلك تنشط عمليات التهريب عبر نقاط بين إدلب وعفرين، ويسري عليها ما يسري على عمليات التهريب عبر النقاط الأخرى.

العرض والطلب يحكم الأسعار

ليس هناك معايير أو آليات واضحة لدراسة الزيادات السعرية على السلع في مناطق سيطرة فصائل المعارضة، إذ تحكمها سياسة العرض والطلب. ويقول من تحدثنا معهم من السكّان إن الأسعار تختلف في كل يوم، والحجج كثيرة لذلك، منها ارتفاع أسعار المواد عالمياً، وانخفاض قيمة الليرة السورية، وفقدان بعض المواد من الأسواق.

ويحمل السكّان المسؤولية بالدرجة الأولى للتجار، الذين وصفوهم بـ «المحتكرين والمستغلين لكل ظرف»، وهو ما بحثناه مع بعض التجار الذين أكدوا على وجود فائض في المواد داخل المستودعات يكفي لأشهر كثيرة، وذهب بعضهم إلى أنها تزيد عن سنتين. ويُرجِعُ السكان احتكار التجار لهذه المواد إلى غياب المنافسة، إذ يتفق التجار «الكبار» بحسب وصفهم فيما بينهم على أسعار محددة، ويشذ عن ذلك بعض التجار «الرحيمين» الذين لم يرفعوا أسعار المواد، وهو ما يفسر فارق الأسعار بين المحلات، الذي يتعزز في بعض الأصناف الأساسية كالمواد التموينية والمنظفات، التي توجهت المؤسسات والفرق الإغاثية لشرائها وتوزيعها ضمن حملات لمواجهة آثار كورونا.

ويرى من تحدثنا معهم إن مسؤولية «الجهات الرسمية» ليست أقل من مسؤولية التجّار، والجهات المقصودة هنا هي المؤسسات شبه الرسمية من مجالس محلية وغيرها، وقبل ذلك حكومة الإنقاذ المدعومة من هيئة تحرير الشام في إدلب، والحكومة المؤقتة المدعومة تركياً في ريف حلب الشمالي والشرقي. وفي الوقت الذي يجب أن تتخذ فيه هذه الجهات إجراءات لمساعدة السكان، فإنها تتخلى مسؤوليتها تجاه ما يحدث، ويتعدى الأمر ذلك إلى اتهامها بالشراكة في زيادة الأعباء المعيشية، من خلال القطاعات المتصلة بها مباشرة كأسعار الخبز والوقود.

الخبز والوقود والتبغ كأمثلة 

لفهم ما يتحدث عنه السكان حول تلك الشراكة في المسؤولية بين التجار والجهات الرسمية، سنبدأ بالحديث عن الخبز والوقود، وتتبّع سير أسعارهما الزمني قبل وخلال ما يمكن تسميته «أزمة كورونا».

كانت حكومة الإنقاذ قد ربطت سعر الخبز بالدولار، إذ حددت سعر الكيلو غرام الواحد منه بـ 0.39 سنت. ويقول من تحدثنا معهم أن كيس الخبز بوزن 900 غرام يباع حالياً بأربعمائة ليرة سورية، وهو يوافق من حيث المبدأ السعر الذي حددته الحكومة، إلا أنهم يتساءلون حول الآلية التي يتم فيها تحديد هذه الأسعار للسلعة الغذائية الأهم، ويقولون إنه إن كانت الحكومة لا تملك أن تدعم هذه السلعة، فإن عليها بالحد الأدنى أن تعيد دراسة هذا السعر بناء على الكلفة، التي يرون أنها انخفضت في الآونة الأخيرة.

لتفصيل ذلك، تتبّعنا كلفة كيس الخبز خلال فترتين زمنيتين، شباط ونيسان الماضيين، وقد بيَّنَ لنا صاحب أحد الأفران أن إنتاج 1150 كيلوغراماً من الخبز كان يكلف الفرن 425 دولاراً، ويباع للمستهلكين بسعر 467 دولاراً في شباط. وفي نيسان انخفضت الكلفة إلى 405 دولارات مع بقاء سعر الخبز على حاله، وذلك بسبب انخفاض سعر الوقود اللازم لتشغيل الفرن.

يخبرنا صاحب الفرن أيضاً أن الربح يزيد في الأفران التابعة لحكومة الإنقاذ بمعدل 40 دولاراً عن الأفران الخاصة، وذلك نتيجة الفارق في جودة الطحين وكميات الخميرة، مضيفاً أن هذه الحكومة تفرض على الأفران الخاصة بيع إنتاجها في المكان الذي تشغله، دون السماح لها بالوصول إلى المناطق التي تملك فيها الحكومة أفراناً تابعة لها

الوقود أيضاً، وبالرغم من انخفاض سعره الحالي في الأسواق بنحو 20 % تقريباً، إلا أن السكان يرون في هذه أسعاره إجحافاً، خاصة مع غياب الشفافية تماماً لدى حكومة الإنقاذ التي أعطت أحقية استيراد الوقود لشركة وتد المرتبطة بها. لقد تراجعت أسعار النفط العالمية بنسب عالية زادت عن 200%، دون أن ينعكس هذا على أسعاره في إدلب.

أما في مناطق ريف حلب الشمالي حيث تعمل الحكومة المؤقتة، فإن أسعار الخبز تزيد عن ذلك، إذ تباع دون وضع تسعيرة محددة، بحسب صاحب الفرن، وتصل إلى نحو 500 ليرة لكيس الخبز بالوزن ذاته، رغم أن كلفته أقل منها في إدلب، بسبب الاعتماد على الكهرباء المتوافرة، وهي أقل سعراً من الوقود. ويخضع سعر الوقود والخبز للعرض والطلب، ويتحكم به أصحاب الأفران والكازيات، أو الشركات الموردة، دون أي توضيحات أو شفافية لمقارنته بالكلفة وتحديد هوامش الربح.

السجائر تشكّل تجارة أخرى شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال الشهر الأخير، ويقول من تحدثنا معهم إن الارتفاع وصل إلى نحو 80% في بعض أنواع التبغ الرائجة. ويُرجع أصحاب المحلات السبب إلى إغلاق المعابر مع مناطق سيطرة قسد، التي كانت المصدر الرئيسي للتبغ، إذ يتم الحصول عليه اليوم عبر طرق التهريب المكلفة، التي تمرّ من مناطق حلب الشرقية، بعد دفع الإتاوات على المعابر، إلى عفرين ثم إدلب، ويتم تهريبها عبر الدراجات النارية ما يزيد من كلفة النقل.

عن باقي الأسعار، يقول أحد تجار المواد الغذائية إن طن الأرز قد ارتفع نحو 15%، وكذلك البرغل، بينما ارتفع العدس بنحو 40% والفروج بنسبة 50% ولحم الغنم بنسبة 10%، فيما تضاعفت أسعار الخضار، شأنها بذلك شأن مواد التنظيف والمعقمات والكمّامات بعد زيادة الطلب عليها.

التجار خاسرون أيضاً

يقول من تحدثنا معهم من التجار إنهم خاسرون أيضاً، وإن ما يدور من أحاديث حول الاحتكار، إن وجد، فهو عند فئة قليلة وأصناف بسيطة، وما دون ذلك فهو كلام عار عن الصحة. وهم يشرحون المسألة كالتالي؛ لا يمكن لمناطق سيطرة المعارضة أن تحقق اكتفاء ذاتياً، بل هي تعتمد على الاستيراد من الدول المجاورة أو مناطق النظام وقسد، ومع إغلاق المعابر وارتفاع أسعار بعض المواد عالمياً، كان طبيعياً أن ترتفع الأسعار في المنطقة.

أما بخصوص المستودعات الممتلئة، فيقول التجار إن الدول التي يستوردون منها لا تقبل التعامل بالليرة السورية، وإن الاعتماد يكون على الليرة التركية أو الدولار، ومع انخفاض أسعار الصرف تتغير الأسعار تجنباً للخسارة. وهو يقولون إن أسعار المواد المنتجة داخلياً لم تتغير، أما غلاء الخضار فلا علاقة له بكورونا، بل هو يرجع إلى تراجع المساحات الزراعية بعد سيطرة قوات النظام على مساحات ضخمة منها خلال الأشهر الماضية.

يخبرنا بعض التجار إنهم يبيعون بضائعهم اليوم بخسارة، وذلك لضعف القوة الشرائية وحاجتهم للسيولة المالية، خاصة فيما يخص الأقمشة وغيرها من المواد التي لا تعتبر أولوية في الوقت الحالي. يقولون أيضاً إن بيع منتجاتهم بأسعارها القديمة لا يمكن حتى أن يعيد لهم رأس المال، وهو ما يعني خسارتهم وانتهاء تجارتهم أصلاً.

تنعدم فرص العمل في مناطق سيطرة فصائل المعارضة، ويضاف إلى ذلك تراجع التحويلات التي كانت تأتي إلى العائلات من أبنائها العاملين في تركيا خصوصاً، نتيجة إغلاق كثير من القطاعات الاقتصادية في سياق إجراءات الحكومة التركية لمواجهة الوباء، ونتيجة إغلاق كثير من مكاتب التحويل إيضاً. ومع احتمال تطبيق الحجر الصحي بشكل فعلي، واستمرار إغلاق المعابر وغياب الدعم المؤسساتي، سيتحول الأمر إلى كارثة حقيقية، خاصة وأن المساعدات الأممية لا تغطي سوى نسبة ضئيلة من احتياجات السكان. يقول من تحدثنا معهم إنهم بالكاد يستطيعون تأمين الخبز اليوم، ومع استمرار انتشار الفيروس الذي يشلّ حركة الاقتصاد، عمدت كثيرٌ من دول العالم إلى إيجاد بدائل لسكانها، «أما نحن، فلا حكومة ولا دعم ولا رحمة».