الأمعاء الخاوية من أجل سوريا

 

كل يوم يمر على السوريين، يبدو أسوأ من الذي سبقه. يزداد العجز مع تزايد ضلوع القوى الدولية والإقليمية في رسم ملامح المشهد السوري. كلنا مغلوب على أمره، وتكاد تنعدم قدرتنا على التأثير أو تغيير الواقع الذي يسير في غير مصلحة عموم السوريين؛ نعجز عن إيقاف عدّاد الضحايا، عن تأمين حياة كريمة للنازحين النائمين على الطوى والقلقين من انقلاع الخيام جراء العواصف، عن إيقاف ماكينة التدمير العبثية، عن لصق الخرائط الممزقة، وعن إنقاذ الفتيان والفتيات من ضرب السياط في الزنازين.

هكذا يبدو الواقع، ينظر السوري إليه فيُحبط وينسحب، لكن مجموعة من النشطاء أرادوا عدم الرضوخ لهذه المعادلة المجحفة، أرادوا توظيف حزنهم وإحباطهم للمساهمة في تغيير شيء، وتحويل الضعف إلى عنصر فاعل في المعركة.

يشارك أكثر من ستين ناشطاً حول العالم في إضراب جماعي عن الطعام، في حملة أطلقوا عليها اسم الأمعاء الخاوية، مطالبين بإيقاف القصف على منطقة إدلب، التي تتعرض لحملة عسكرية مستمرة منذ شهور، شنها النظام السوري وحليفه الروسي، وخلفت مئات الضحايا في صفوف المدنيين.

وبدأت حملة الإضراب عن الطعام مع المهندس بريتا حاجي حسن، الذي كان يشغل رئيس مجلس حلب الحرة، بهدف دفع القادة السياسيين في العالم إلى التدخل لوقف الحملة العسكرية وإنقاذ السوريين. وقد انضم إلى بريتا عشرات النشطاء لاحقاً، بعد أن ساءت حالته الصحية أمام مبنى الأمم المتحدة في مدينة جنيف، وأُسعف إلى أحد المشافي. كما تم أيضاً تداول هاشتاغ BritYouAreNotAlone#، أو #بريتا_لست_وحدك، على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتهدف الحملة التي توسعت لتضم ستين شخصاً مؤخراً إلى لفت الأنظار لما يحدث في سوريا عموماً، وإدلب خصوصاً، وقد دعا المضربون في بيان لهم قادة العالم إلى «تحمل مسؤولياتهم تجاه المأساة الاستثنائية والفظيعة التي يعيشها الشعب السوري، والقيام بدور يتناسب مع حجم المسؤولية التاريخية والأخلاقية والقانونية»، مشيرين إلى «دخول المأساة السورية عامها التاسع، واستفحال جرائم النظام وحلفائه الروس والإيرانيين، مقابل سكوت المجتمع الدولي، الذي ينم عن العجز أو الرضا».

وقال فريق منسقو استجابة سوريا، في إحصائية صدرت قبل أيام، إن أكثر من 680 شخصاً قتلوا في إدلب وأرياف حماة وحلب بين شباط وحزيران الماضيين، بينهم أكثر من 200 طفل، وإن مجمل عدد النازحين في الشمال السوري قد تجاوز 600 ألف شخص. وأشارت الإحصائية أيضاً إلى أن الغارات، على مدار الشهور الماضية، استهدفت مراكز حيوية كالمشافي والمخيمات والمدارس والمساجد، لافتةً إلى سوء الأوضاع الإنسانية للنازحين وشحّ المساعدات.

«إذا لم يكن أنا، فمن إذن؟ وإذا لم يكن الآن، فمتى؟» تقول نسرين طرابلسي، المتحدثة باسم حملة الأمعاء الخاوية، في حديث للجمهورية، موضحة سبب مشاركتهم في حملة الأمعاء الخاوية للإضراب عن الطعام. وهي تضيف أن الحملة لم يكن مخططاً لها بشكل جماعي، وقد بدأها بريتا حاجي حسن، وانضموا إليه فُرادى لاحقاً، بعد أن انهارت صحته، ما أثار حالة من التعاطف معه: «الموضوع أصبح كسباق التتابع، أحدنا يسلّم الراية للآخر. فبريتا سيتعب، ولا نريد في هذه الحملة أن نحمّلَ أحداً أكثر من طاقته، أو أن نزيد عدد الضحايا السوريين».

وتابعت طرابلسي: «السوريون يواجهون حالة من الإحباط المستمر على مدار السنوات الماضية، بسبب ازدياد خسائرهم ودمار مدنهم واستمرار المقتلة بحقهم. هذه المشاعر المتراكمة، تفاقمت بعد مقتل عبد الباسط الساروت، ودخول الآلاف في حالة من الحزن الجماعي والأسى، دفعتنا إلى التساؤل: إلى متى سيستمر هذا الوضع الرهيب؟ وكيف يمكن توظيف هذا الحزن في الاحتجاج والعمل لوقف الجريمة؟»

«كان الآلاف يستقلون الباصات الخضراء مهجرين قسراً من كافة أنحاء سوريا إلى إدلب. والسؤال الذي يُطرح بإلحاح هذه الأيام على صنّاع القرار، هو إلى أين سيذهب ملايين السوريين من إدلب بعد هذه الحملات العسكرية؟ إلى أين ستتجه الباصات الخضراء يا تُرى إذا تم تدمير هذه المنطقة كباقي المناطق السورية؟»، تتساءل نسرين. لافتة إلى أن الخبر السوري تراجع بشكل ملحوظ في وسائل الإعلام إلى درجة الاختفاء والتلاشي: «هذا الشيء نلمسه من خلال احتكاكنا بالأشخاص الذين يتحدثون معنا في الاعتصام الذي نقيمه في لندن، الجميع يأتي ويسأل عن داعش عندما يرى كلمة سوريا، وهذا بسبب وسائل الإعلام التي تركز على شيء وتتجاهل الآخر. الوضع في سوريا من سيء إلى أسوأ على مدار السنوات الماضية، والمدنيون ما زالوا تحت القصف وفي الخيام أو المعتقلات، في ظل وجود داعش وعدمه».

وأوضحت طرابلسي أن الغارات مستمرة بشكل يومي على إدلب، وتستهدف المدنيين والأبرياء، دون أن يتحرك أحد. مشيرة إلى أن هدفهم الأساسي في هذه الحملة هو الدفع لتحييد المدنيين عن الصراعات العسكرية وحمايتهم. إضافة إلى أن هناك آلاف المعتقلين والمغيبين، ويجب الكشف عن مصيرهم في السجون السورية: «مأساتنا كبيرة ومهولة وتشيب لها الولدان، والعالم أعمى تجاه ما يحدث»، تقول نسرين بصوت مرتجف من التعب والحزن.

وانضمَّ إلى الحملة نشطاء غير سوريين حول العالم، من بينهم الناشط الأمريكي كوري ستراكن، والشاعرة الإيطالية فرانشيسكا سكالينيجي، التي قالت للجمهورية إنها تتابع الأحداث السورية منذ سنوات، وتنتمي لمنظمة تدعى سوريا حرة وديمقراطية أسسها إيطاليون وسوريون: «طلبت مني نسرين المساهمة في نشر نشاطات حملة الأمعاء الخاوية، وشعرتُ حينها أنه ليس صواباً أن أصفق لهم على ما يفعلون، أو أن أقول إنني أدعمهم عبر النشر عن الحملة على فيسبوك فقط، لذلك قررت المشاركة في الإضراب معهم»، تقول فرانشيسكا.

وتضيف: «ما نتمناه في هذه الحملة هو لفت الانتباه إلى معاناة المدنيين السوريين المستمرة في سوريا، حيث يرى العالم أن الأسد حقق السلام، وهذا ليس سلاماً على الإطلاق، فالناس ما زالوا يتعرضون للقصف والإخفاء القسري والخطر، إضافة إلى هناك سوريين تم ترحيلهم من لبنان دون أن يهتم أحد، رغم وجود مخاطر على حياتهم. أعرف أن إضرابي عن الطعام لن يغير شيئاً حقيقياً، ولكنه وسيلة للتضامن مع السوريين، وإخبارهم أنهم ليسوا وحدهم».