الأوجه المتعددة لأنصار التوحيد

 

«أنصار التوحيد» هو فصيلٌ جهاديٌ تشكّلَ من بقايا تنظيم «جند الأقصى» المتشدد، الذي قامت فصائل المعارضة وهيئة تحرير الشام بتفكيكه بعد معارك ومواجهات متعددة، لم يبق منه بنتيجتها سوى أحد تشكيلاته الرئيسية المعروف باسم «لواء الأقصى»، الذي بايع تنظيم الدولة وانسحب من إدلب باتجاه البادية في شباط 2017، لينضم إلى مجموعات داعش هناك.

بعد القضاء على تنظيم جند الأقصى، بقي في مناطق من إدلب عددٌ من قادته الأوائل الذين لم يبايعوا تنظيم الدولة، ورفضوا في الوقت نفسه الانضمام لهيئة تحرير الشام رغم محاولاتها المتكررة لاستمالتهم، وقد بدأوا بتجميع ما تبقى من عناصرهم وشكّلوا جماعة أو تنظيم «أنصار التوحيد»، التي تم الإعلان عنها في ربيع 2018.

أغلب قادة هذه الجماعة  سوريون، وكثيرون منهم ينحدرون من مدينة سرمين في ريف إدلب، وكانوا قادة أو مؤسسين في فصيل جند الأقصى، ورفاقاً لمؤسسه «أبو عبد العزيز القطَرَي»، الذي هو جهادي فلسطيني شهير أقام في بدايات حياته في قطَرَ، قاتل مع الزرقاوي في العراق، وانضمّ إلى جبهة النصرة في سوريا عام 2012، ثم انشقّ عنها عام 2014 معلناً تشكيل جند الأقصى، قبل أن تتم تصفيته من قبل جهة مجهولة في العام نفسه، والأرجح أن هذه الجهة هي فصيل جبهة ثوار سوريا بقيادة جمال معروف، الذي تم تفكيكه لاحقاً من قبل جبهة النصرة بعد معارك عنيفة.

ويعتمد «أنصار التوحيد» في فكرهم على أدبيات أبي عبد العزيز القطَرَي، الذي كان ينهل من السلفية الجهادية فكراً، ويرتكز على مبدأ رد صيال العدو «النظام» كأولوية مقدمة على كل المشاريع، وهذا ما بنى عليه مبررات تأسيس جند الأقصى بعد الخلاف والانشقاق الذي حصل بين جبهة النصرة وتنظيم الدولة، إذ لم يختر الاصطفاف مع أي منهما، معلناً أنه يسعى لتحكيم الشريعة الإسلامية في سوريا بالاعتماد على القتال وجهاد النظام السوري والروس والإيرانيين، مع خطاب جهادي يعادي المنظومة الدولية والهيمنة الأميركية ويتبنى خطاب القاعدة العام بهذا الخصوص، وهو ما أدى إلى وضع جند الأقصى ثم أنصار التوحيد على قائمة الجماعة التي تستهدفها الحرب الدولية على الإرهاب.

أما عن علاقة «أنصار التوحيد» بفصائل المعارضة وهيئة تحرير الشام، فقد سادها نوع من التوتر والتقلب نظراً للتركة الدامية التي خلفها تنظيم جند الأقصى من استعداء وتكفير واستباحة لدماء عناصر الفصائل والهيئة، ثم مبايعة جزء أساسي منه لداعش. وقد حاولَ «أنصار التوحيد» محو هذه التركة، والبدء من جديد بعلاقة واضحة فرضتها التطورات العسكرية ومعارك الشمال السوري بما تحمله من تهديد حقيقي لوجود جميع الفصائل والتنظيمات في الشمال بمختلف إيديولوجياتها وأهدافها.

وقد تعرّضَ التنظيم في البداية للملاحقة والتضييق من قبل الفصائل الأخرى، وخاصة هيئة تحرير الشام، إذ تم توجيه الاتهامات لمجموعات فيه بأنها خلايا نائمة لتنظيم «الدولة»، وتم سجن العديد من عناصرها ومصادرة سلاحهم. ولعلّ من أبرز أسباب التوتر بين التنظيم وهيئة تحرير الشام، أن «أنصار التوحيد» تمردوا على قرارات الهيئة وطالبوا باسترداد الأموال والأسلحة المصادرة من جماعة جند الأقصى، بالإضافة إلى قيامهم في بعض الأحيان بأعمال عسكرية دون الرجوع للهيئة أو التنسيق معها. ذلك فضلاً عن أن هيئة تحرير الشام ترى فيهم تهديداً لمشروعها في حكم إدلب وريفها، وتهديداً لسطوتها ونفوذها في الأوساط الجهادية السورية.

فيما بعد، ورغم كل هذه التعقيدات، بدأ التنسيق العسكري مع هيئة تحرير الشام وبقية الفصائل يفرض نفسه، وذلك نتيجة تقدم النظام عسكرياً بدعم روسي، ونتيجة حاجة الجبهات إلى شراسة وخبرة المقاتلين الجهاديين في التنظيم، حيث شارك «أنصار التوحيد» في عدة معارك وعمليات ضد قوات النظام منذ تأسيسه ربيع 2018، وذلك على محاور ريف اللاذقية الشمالي وريف حماة وريف إدلب الشرقي. 

وليس ثمة ما يثبت أن هناك أي علاقة تنظيمية تجمع «أنصار التوحيد» أو مجموعات فيها مع داعش، إلا أن ثمة تنسيقاً بينه وبين جماعات جهادية أخرى مقرّبة من القاعدة، وبعد توقيع اتفاق سوتشي ونشر نقاط المراقبة التركية خريف العام الماضي، انضوى التنظيم في غرفة عمليات مشتركة حملت اسم «وحرض المؤمنين» مع عدة فصائل جهادية أعلنت رفضها لاتفاق سوتشي والوجود التركي، وأبرزها جماعة حراس الدين المبايعة للقاعدة. وقد شاركت هذه الفصائل بفاعلية في المعارك الأخيرة، وعلى وجه الخصوص في جبهة الكبانة بريف اللاذقية وجبهة سكيك والتمانعة بريف إدلب الجنوبي الشرقي.

لم يصطدم عناصر أنصار التوحيد مع المجتمع المحلي، ولم يحاولوا حكم أي مناطق أو إدارتها بأنفسهم، محاولين تركيز جهودهم على الجانب العسكري وعدم تكرار الأخطاء التي وقعوا فيها سابقاً أيام جند الأقصى، وهو ما زاد من رصيدهم داخلياً، الأمر الذي عزّزه استقلال قرارهم الإداري والتنظيمي، وعدم تبعيتهم لأي جهة، وشراستهم القتالية وتنظيمهم العسكري، ما دفع كثيراً من الشباب للالتحاق بصفوفهم رغم شحّ الإمكانات والموارد.

يعتبر التوجه المحلي أحد أبرز سمات هذا التنظيم، خاصةً وأن جلّ قادته من السوريين، كما أنهم يحاولون ربط أنفسهم بتراث الحركات الجهادية السورية مثل جماعة الطليعة المقاتلة، وفصل أنفسهم عن أدبيات وتراث السلفية الجهادية ذات الطابع العالمي، مثلما نرى لدى المنظرين القاعديين كأبي محمد المقدسي، أو لدى منظري السلفية الجهادية المنتمين لتجربة القاعدة في الخليج. بالإضافة إلى ذلك، فإن تنظيم أنصار التوحيد يحاول تقديم نفسه أمام المجتمع المحلي باعتباره فصيلاً مقاتلاً لا يتدخل بشؤون السكان، لكن محاولاته تلك لم تصل إلى مستوى مهم على صعيد التنظير، إذ لم تظهر أدبيات واضحة لدى التنظيم لتوضيح الفرق هذا بينه وبينه الجهادية العالمية، مما يُبقي هذا التنظيم في إطار التأثُّر بأدبيات السلفية الجهادية التقليدية.

يبلغ عدد عناصر أنصار التوحيد اليوم بين 600 و800 مقاتل، أكثرهم من المقاتلين السوريين الذين تركوا تحرير الشام لأسباب شتّى منها تغيير الهيئة لنهجها على نحو يرى فيه كثيرون نكوصاً عن الجهادية، بالإضافة إلى أسباب إدارية تتعلق بالسلاح والغنائم. كما أن كثيرين منهم يأخذون على تحرير الشام سياسة إقصاء الفصائل الأخرى ومحاربتها، بما فيها فصائل الجيش الحر. وقد حاول التنظيم كسب الرأي العام في إدلب من خلال رفض حروب هيئة تحرير الشام ضد الفصائل الأخرى، وهو الأمر الذي يفسّر، إلى جانب امتناعه عن التدخل المباشر في إدارة حياة المدنيين، عدم شنّ نشطاء الثورة المعارضين لتحرير الشام أي حملات إعلامية ضد التنظيم.

وثمة عدة سيناريوهات محتملة بخصوص مستقبل تنظيم أنصار التوحيد، أولها أن تقوم هيئة تحرير الشام بتفكيكه على غرار ما فعلت مع جند الأقصى، وذلك في حال بقيت كتنظيم مسيطر على زمام الأمور في إدلب، وهو الأمر الذي سترتفع احتمالات حدوثه في حال نجحت مساعي هيئة تحرير الشام بخصوص رفع اسمها من قوائم الإرهاب لدى القوى الغربية، إذ ستعمل على تلميع نفسها دولياً من خلال محاربة الفصائل الجهادية الأخرى.

السيناريو الثاني هو أن يقاتل أنصار التوحيد إلى جانب تحرير الشام فيما إذا اندلعت معركة بين الأخيرة وفصائل المعارضة المدعومة تركياً، إذ ستشعر جميع التنظيمات الجهادية بالخطر الوجودي الذي يتهددها، وتتعاون معاً للوقوف في وجهه. أما السيناريو الثالث، فهو أن يقوى تنظيم أنصار التوحيد ويصبح فصيلاً منافساً لهيئة تحرير الشام، التي سيكون تفكيكها أو تغيير سياستها بشكل كامل عبر التفاهمات التركية الروسية، في حال حدوثه، أحد الأبواب التي ستُفتح أمام «أنصار التوحيد» كي يكون إحدى الجهات التي يمكن أن تحلّ محلّ تحرير الشام في الساحة الجهادية السورية.

ويبقى هناك أيضاً سيناريو رابع، يواصل فيه النظام وحلفاؤه حربهم حتى السيطرة على كل إدلب، وهو السيناريو الذي يصعب التكهن بمآلاته ونتائجه على هذا التنظيم وغيره من التنظيمات ذات التوجهات الجهادية المتنوعة في سوريا، لكنه سيعني بداية مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن المرحلة الراهنة.

في جميع الأحوال، وعلى الرغم من أن «أنصار التوحيد» لا يتربط تنظيمياً بالقاعدة، ولا يعلن أي مشاريع جهادية عابرة للحدود، إلا أنه يبقى، بما يحمله من أفكار وما يجمعه من ارتباطات مع فصائل قاعدية، أحد أهداف الحرب الدولية على الإرهاب، حتى أن غارة التحالف الدولي الشهر الماضي، التي راح ضحيتها مقاتلون متنوعون من بينهم عناصر في تنظيم حراس الدين التابع للقاعدة، كانت قد استهدفت أساساً أحد مقرات «أنصار التوحيد» قرب مدينة إدلب، قيلَ إنه كان يحتضن اجتماعاً ضمّ عدداً من قادة وعناصر التنظيمات الجهادية في المنطقة.