الأوقاف والأزهر

 

تاريخياً، لا يمكن بشكل عام رصد علاقة خطية حاكمة تجمع الأزهر والدولة في مصر حتى لحظة 1952. فمنذ أن نشأ الأزهر في كنف الدولة الفاطمية، تمتع بمكانة مركزية بين مساجد القاهرة، وأُوقِفت عليه الأوقاف العظيمة، وصار مسجدَ الدولة الجامع، غير أن تلك المكانة تراجعت لاحقاً في ظل الدولة الأيوبية، ومُنع الجامع الأزهر حتى من إقامة شعائر الجُمَع، وتحول «جامع الحاكم» إلى مسجد الدولة الرسمي، إلى أن جاءت أيام المماليك وقفز الأزهر إلى موقع الصدارة مرة أخرى، ليصبح أهم مرفق تعليمي في مصر ويراكم أوقافاً تاريخية كبيرة أسَّست لاستقلاله المالي وتكثيف حضوره السياسي في المشهد المصري المعقّد، وصولاً إلى دوره الأخطر في تاريخ مصر الحديث إبّان الحملة الفرنسية، ثم لتكون له اليد لأول مرة في تولية حاكم مصر، الذي سرعان ما سيعمِد إلى تحييد الأزهر عن الشأن السياسي رغم استمرار الحاجة إليه لضمان استمرارية العمل في المرافق التعليمية والقضائية في مصر. مع التحولات السياسية والاجتماعية الكبيرة التي طرأت على كل من المجتمع والدولة في مصر، وبصدور قانون تنظيم الأزهر، يمكن رصد اتفاق شبه ضمني بين الدولة والأزهر الذي تحوّل إلى هيئة تابعة للجهاز الإداري (يدافع عن الاشتراكية حيناً وعن سياسات الانفتاح الاقتصادي حيناً)، غير أنه يحتفظ في المقابل بملف الأحوال الشخصية – وهو من اختصاص السلطة التشريعية – ليتحول من «حراسة الشريعة» إلى حراسة «قانون الأحوال الشخصية». فرضية العمل الرئيسية هنا هي الاستقلال المالي للأزهر – ممثلاً في الأوقاف1– وهو أحد أهم دعائم تدخله بقوة في المجال العام خاصة في سياقات الاضطراب السياسي.

(1)

منذ وضع حجر الأساس لجامع القاهرة عام 971 (14 رمضان 359هـ) على يد جوهر الصقلي، كان لهذا المسجد الذي نشأ في كنف القصور الفاطمية خصوصية إدارية وموضوعية دون مساجد القاهرة القائمة وقتئذ، فقد ارتبط إدارياً وموضوعياً بالدولة منذ نشأته؛ إذ قُصد منه ممارسة ونشر التقليد الديني الإسماعيلي تحديداً، فأَمَّ المعزّ لدين الله الفاطمي المصلّين بنفسه، وألقى خطب الجمع والأعياد، وأوقف عليه الخلفاء الفاطميون2 من حينها ورجال الدولة وكبار التجار أوقافاً عظيمة شكّلت رافده الماليّ الأهم عبر القرون. بعد انهيار الدولة الفاطمية، تعرَّض الأزهر للتهميش على يد السلطة الأيوبية، وصدرت فتوى من قاضي القضاة ابن درباس، شافعي المذهب، تُبطل إقامة الجُمَع في الأزهر،3 واستمر هذا المنع نحو قرن من الزمان، عانى فيه الأزهر من الإهمال وتداعت بعض أركانه وجدرانه، ليعود مرة أخرى للإعمار في دولة المماليك البحرية (1250-1382) على يد نائب السلطنة، الذي جاوَرَ قصرُه الأزهر، وهو الأمير عز الدين أيدمر الحلي، الذي سعى لدى الملك الظاهر بيبرس لإصلاح الأزهر، وأنفق الأموال في سبيل ذلك ووقف عليه بعض الأوقاف. منذ ذلك الحين تقريباً، اكتسب الأزهر مسحة أكثر رسمية من ناحية ارتباطه بالدولة والشأن العام، فتم تعيين إمام للمسجد واستخدامه كمنبر لإذاعة الأخبار الهامة بالدولة.4

في أواخر عهد دولة المماليك البرجية (1382-1517)، أصاب الأزهر ما أصاب الدولة إجمالاً من اضمحلال حتى سقوطها.

أوائل العهد العثماني، أدرك السلطان العثماني سليم الأول مركزية الجامع الأزهر الفاطمي لا المملوكي بين مساجد القاهرة، فأقام الجُمَع فيه مدة ثمانية أشهر يشهدها بنفسه، ويُغدق فيها الأموال على الأزهر، وقام نائبه بتوزيع القمح وألف قطعة فضية على الأزهر والمدارس. وأثناء فترة الحكم العثماني، نشأت المجالس الاستشارية التي تمتّع بعضويتها كبار علماء الأزهر بما سمح لهم بمزيد من التدخل في الحياة السياسية.5 وعلى مدى ثلاثة قرون من الحكم العثماني، أضاف الأزهر إلى أوقافه التاريخية الكبيرة أوقافاً عثمانية أخرى6 عززت استقلاله المالي وازدهاره العلمي بوصفه أكبر مؤسسة تعليمية في البلاد.

(2)

بعد فرار المماليك واقتحام الحملة الفرنسية القاهرة، خلت الساحة المصرية من جبهة منظمة تمثّل مجتمع القاهرة. وفي يوم الأحد 22 حزيران/يوليو 1798، يذكر الجبرتي اجتماع العلماء والمشايخ للتشاور بشأن ما يكون، فأرسلوا مُكاتبة إلى الإفرنج بصحبة شخص مغربي يعرف لغتهم، فجاء الجواب الفرنسي استفساراً عن سبب تباطؤ هؤلاء العلماء عن الحضور «لترتيب ما يكون فيه الراحة»، فأجاب العلماء أنهم يطلبون أماناً لهم وللناس، فأعاد الفرنسيون تطميناتهم أنهم ما جاءوا إلا لطرد المماليك من مصر وتأمين المشايخ والعلماء والرعية، وطلبوا حضور المشايخ لترتيب ديوان منتخب من «سبعة أشخاص عقلاء يدبّرون الأمور». وفي يوم 27 حزيران/يوليو، استدعى الفرنسيون المشايخ، وعيّنوا عشرة منهم للديوان، من بينهم الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع الأزهر ورئيس ديوان القاهرة.7

انتهج الفرنسيون سياسات مالية جديدة، إذ صادروا التزامات المماليك، وفرضوا الضرائب على الأراضي التي كانت مُعفاة من قبل، وهي بحسب قانون نامه سليمان (أو قانون السلطان سليمان)، أراضي الأوسية وأراضي الرزق، ومن بينها الأراضي الموقوفة وأراضي الإطلاق. وكان جُلّ العلماء من أعضاء ديوان القاهرة من «الملتزمين» (أي جباة الضرائب) وأصحاب الأوقاف العظيمة، وعلى رأسهم الشيخ عبد الله الشرقاوي رئيس الديوان وشيخ الجامع الأزهر، الذي كانت له التزامات كبيرة ضمن ولاية الشرقية8 بما يشير إلى وجود صيغة للتفاهم بين قادة الحملة الفرنسية وهؤلاء العلماء الملتزمين – الذين اتُهموا بالعمالة وقتئذ بحسب الجبرتي.

عُقد الديوان ببيت قايد آغا، وكان الناس يُهرعون إلى هؤلاء العلماء طلباً لرفع المظالم عنهم، إلى أن انفض الديوان الأول في 27 أيلول/سبتمر من ذات العام. أنهى الفرنسيون دور الوساطة الذي منحوه لمشايخ الأزهر، وعطّلوا بحسب الجبرتي إيرادات جميع الأوقاف، وانقطعت الرواتب، واستولى على نِظارة الأوقاف النصارى القبط والشوام، وجعلوا ذلك مغنماً لهم،9 ومن بينها أوقاف للجامع الأزهر.10

لم يكتفِ الفرنسيون بتحجيم تلك الصيغة التنظيمية الصورية التي كثّفت الحضور السياسي المنظم للعلماء، فسارعوا إلى السيطرة على أوقاف الأزهر التي يُدفع منها رواتب العلماء والمؤذّنين والمجاورين، فما لبث العلماء أن تنادوا بالثورة في تشرين الأول/أكتوبر من عام 1798.11 قام بعض العلماء بتشكيل لجنة ثورية أطلَقَ عليها بونابرت «مجلس الثوار» أو «ديوان المتمردين» برئاسة الشيخ محمد السادات، وأخذت تلك اللجنة تدرس الوسائل والتوقيت المناسب لتحريك الثورة بالتشاور مع شيوخ التجار والطوائف الحرفية في القاهرة، على أن يكون الجامع الأزهر هو مكان التجمع.12

كانت عوامل الثورة ضد الفرنسيين تختمر على الصعيد الشعبي يوماً بعد يوم بسبب ممارساتهم العسكرية والإدارية والمالية، ولجأ العلماء إلى تعبئة الشعور الديني ضد الفرنسيين،13 واستغلوا صدور التشريعات المالية في 20 تشرين الأول/أكتوبر 1798، وغياب بونابرت عن القاهرة، فانطلق الآلاف من الجامع الأزهر في يوم 21 تشرين الأول/أكتوبر في انتفاضة عارمة أدت إلى مقتل الجنرال ديبوي الحاكم العسكري للقاهرة، وقصف الجامع الأزهر في اليوم التالي، ودخول الفرنسيين الأزهر. وفي أعقاب ثورة القاهرة الثانية بقيادة عمر مكرم، التي أسفرت عن مقتل كليبر، تم إغلاق الجامع الأزهر في 22 حزيران/يونيو 1800 لمدة عام، وأعاد منيو الذي خَلَفَ كليبر تشكيل الديوان مرة أخرى في شهر تشرين الأول/أكتوبر مكوَّناً من 9 أعضاء معظمهم من علماء الأزهر.

بعد رحيل الحملة الفرنسية 1801، برزت طبقة العلماء كعنصر أقوى من ذي قبل في المشهد السياسي المصري بعد أن راكمت خبرات تنظيمية وسياسية كبيرة من واقع الممارسة الفعلية لدور الوساطة بين قيادات الحملة والجماهير أثناء تجربة الدواوين، والتنسيق مع شيوخ الحرف والتجار في مجتمع القاهرة، فضلاً عن العلاقة النظامية المباشرة مع مُجاوري الأزهر، مما كرّس الممارسة الاستقلالية للعلماء استناداً إلى قاعدة جماهيرية في مواجهة الولاة العثمانيين، فضلاً عن استقلالهم الماليّ المتمثل في الأوقاف التي دافع عنها العلماء إبان انتفاضة القاهرة الأولى. وكما أوضح دانيال كرسيليوس، يبدو أن إخفاق العلماء في تصور نظام اجتماعي مختلف هو الذي أدى بهم إلى عرض الإمارة على محمد علي،14 وإلا فالتفسير الآخر أنهم لا يشعرون بغضاضة تجاه الحكم العثماني على الأقل، وهو مستبعد بالنظر إلى المناوشات العثمانية-العلمائية منذ مَقدِم السلطان سليم.

(3)

أدرك محمد علي عند توليته حكم مصر عام 1805، بحسّه الاقتصادي وهو التاجر المتمرّس سابقاً، أمرَين مرتبطَين تماماً كان عليه إدارتهما بحسم. الأمر الأول تلك القوة السياسية والاستقلالية التي تتمتع بها طبقة العلماء في مقابل الولاة العثمانيين، والتي صعدت به إلى قلعة الجبل، ول اشك أن تحوُّل موقع هؤلاء العلماء بثقلهم الاجتماعي نحو الممارسة السياسية، وشُغْل بعضهم لكثير من وظائف أمراء المماليك الهاربين، قد استوجب نظر الوالي الجديد، وربما قفز إلى ذهنه المتّقد المنصب الحيوي لـ«شيخ الإسلام» الذي خصّ به السلطان محمد الثاني (1451-1481) المفتي الأكبر صاحب أعلى مرتبة دينية في الدولة العثمانية، في مقابل «الصدر الأعظم» صاحب أعلى مرتبة سياسية بعد السلطان، ومع هذا المنصب تلك الصلاحيات الموسعة التي حازتها المؤسسة الإدارية الضخمة إلى درجة أدت إلى المشاركة بالفتوى في الإطاحة بالسلطان ذاته. الأمر الثاني الذي انتبه إليه محمد علي هو اعتماد موارد مصر الاقتصادية وقتئذ بشكل شبه كليّ على الزراعة، سواء فيما يتعلق بالمحاصيل الزراعية أو جباية الخراج وفرض الضرائب. 

ثمة فارق كبير بين مؤسسة شيخ الإسلام العثمانية وطبقة العلماء الأزهرية، التي لم تكن تتطلع إلى سدة الحكم ولم تكن لتتماهى معها بشكل تام. فبينما كانت المؤسسة العثمانية جهازاً إدارياً بيروقراطياً، يضطلع بمهام عديدة تهدف إلى تبرير السياسات السلطانية وتأمين الموارد المالية للدولة، وصولاً إلى الاشتراك في خوض المعارك العسكرية، كانت طبقة العلماء الأزهرية طبقة اجتماعية تقليدية متعلّمة، نشأت بوازع ديني فردي في الأساس، تتكئ على العلم بالأحكام الشرعية العملية، وإصدار الفتاوى لصيقةِ الصلة بالممارسات اليومية وبتلك المكانة المركزية للفقه في التقليد الإسلامي، بما أدى في نهاية المطاف إلى جمع الفقهاء بين المكانة الدينية والمنزلة الاجتماعية المكتسبة من كونهم في قراهم ذوي نفوذ مالي كبير موروث أو مكتسب، ومما ساعد في إبراز تلك المنزلة حالة الشغور السياسي والفوضى الحقيقية التي عانت منها الساحة السياسية في مصر بعد الحملة الفرنسية والاضطرابات المستمرة، وهو ما أفرز عنصراً جديداً يتحكم في المشهد المصري: الشعب الثائر الذي يلجأ إلى هؤلاء العلماء – بسبب مكانتهم الاجتماعية ودورهم التاريخي في الوساطة منذ عصر المماليك ومجالس دواوين القاهرة – والذي حاصر القلعة لخلع الوالي العثماني.

كان دخول طبقة العلماء في ميدان الالتزام سبباً رئيساً في الثراء المالي، وأحد أهم حيثيات المكانة الاجتماعية التي حازها العلماء في قلب المجتمع المصري الريفي. إذ شارك العلماء في نظام الالتزام منذ تطبيقه في مصر إلى أن شكلوا 6.9% من النسبة الكلية للملتزمين، بل إن بعض العلماء مثل الشيخ الشرقاوي أصبح يلتزم عدة قرى.15 ويذكر الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عاملين حاسمين في ازدياد عدد الملتزمين بين العلماء: أولاً، انحدار بعض العلماء من آباء كانوا في الأصل ملتزمين، فورثوا هذا الالتزام بحسب ما كان شائعاً بل ونمَّوها عندما آلت إليهم، وثانياً دخول بعض العلماء لنظام الالتزام من باب الإشراف على أراضي الأوقاف التي أتاحت لهم الثراء، وشجعتهم أصولهم الريفية على ذلك مما أتاح لهم قدراً كبيرا من النفوذ والاحترام في مناطقهم.16

كان لا بد للوالي الجديد، وهو بصدد تأسيس نظامه المركزي الحديث، أن يجفف منابع قوة واستقلالية هؤلاء العلماء، الذين شكّلوا له من بين جبهات أخرى هاجساً ملحاً منذ توليه البلاد، ليمنعهم في نهاية المطاف من تكرار ممارسة الدور الذي قاموا به سابقاً.

(4)

ما إن صعد محمد علي إلى قلعة الجبل حتى اعتمد سياسات خاصة تجاه العلماء، ما بين الاستمالة والاستجابة والتهديد والسعي بينهم وحرمانهم من امتيازاتهم المالية. كما فرض إجراءات استهدفت تقويض الاستقلالية المالية للعلماء. فبدأ في العام 1807 م بإلغاء عدد من المزايا المالية للعلماء، ومنها إحباسيات الرزق، وهي الأموال التي كانت تُوقَف على العلماء، كما لجأ إلى فرض ضرائب جديدة على إيراداتهم من العقارات والأطيان (الأراضي المزروعة).17 فكان من نتائج تلك الاجراءات أن قلّ عدد المنتسبين إلى الأزهر بشكل ملحوظ، وتم التضييق على مشايخه وأساتذته. يقول الدكتور فولرز: «لم يتردد محمد علي في أن يصادر الأراضي الموقوفة على الأزهر، وهي واسعة الرقعة، بالرغم من أنها موقوفة عليه، وبذلك أوقع أضراراً بليغة بالأساتذة والطلاب». كما يلاحظ العلامة المستشرق إدوارد لاين، وقد وفد على القاهرة بعد ذلك الحادث بقليل، أنه «منذ نُزعت ملكية الأراضي التي كانت مملوكة للأزهر قلّ عدد الطلبة الذين ينتمون إلى الأروقة بشكل ظاهر».18

حاول العلماء عبثاً إثناء الباشا عن قراراته ولكنهم لم يفلحوا، فعمدوا إلى التحالف في وجهه. يذكر الجبرتي تعاهد العلماء (عمر مكرم والشرقاوي والمهدي والدواخلي والأمير) فيما بينهم على الاتحاد في وجه محمد علي، إلى أن سعى الباشا في التفريق بينهم بعد أن رفض عمر مكرم الذهاب إليه مع العلماء. كان إشراف عمر مكرم على الأوقاف أحد أسباب مواقفه المشهودة بين الجماهير والعلماء، وقد أدرك الباشا موطن تلك القوة وعاينها إبان حملة فريزر، فحنق على عمر مكرم كثيراً كما ينقل الجبرتي في الحوار الذي دار بينه وبين العلماء الذين نكصوا عهدهم مع عمر مكرم:

«ثم أخذ يلوم على السيد عمر في تخلفه وتعنته، ويُثني على البواقي: وفي كل وقت يعاندني ويبطل في أحكامي ويخوفني بقيام الجماهير، فقال الشيخ المهدي: هو ليس إلا بنا وإذا خلا عنا فلا يسوى بشي، إن هو إلا صاحب حرفة أو جابي وقف، يجمع الإيراد ويصرفه على المستحقين».19

أدرك الباشا تلك البنية الإدارية التقليدية التي يتألف منها الأزهر في بداية القرن التاسع عشر، والتي لم تكن تتمتع بدرجة المركزية اللازمة لمواجهته، فعمد إلى التفرقة بين شيوخ الأزهر واستمالة بعضهم وحرمان البعض الآخر. يورد الدكتور محمد عبد الله عنان مقالة فولرز في مسألة الإشراف على الأزهر منذ العصر العثماني كما يلي:

«في العصور الوسطى، كان المشرف على الأزهر هو ’الناظر‘، ويعتبر من أكابر موظفي الدولة، وكان لكل رِواق رئيسه أو شيخه أو النقيب. ومنذ العصر العثماني فقط كان للأزهر رئيس علمي، هو ’شيخ العموم‘ وهو يقابل مدير الجامعة في الجامعات الألمانية. ويكون تحت إشرافه شيوخ الأقسام المختلفة، وهو يتعامل مع الحكومة مباشرة».20

كان منصب «شيخ الأزهر» إذن منصباً علمياً في المقام الأول، لحقت به أعباء إدارية تتعلق بتنظيم العمل داخل المسجد والإشراف على الأوقاف التي نصّ أصحابها في شروطها أن يتولاها بصفته «شيخ الجامع الأزهر» للتصرف في أشغال الجامع من فرش وإنارة وصيانة ورواتب وغير ذلك. ولم تكن ثمة آلية متبعة لاختياره من بين علماء الجامع الأزهر، إذ يذكر الجبرتي الاقتتال الذي جرى في ساحة الأزهر بعد موت شيخ الجامع محمد النشرتي المالكي، بين أنصار الشيخ أحمد النفراوي وأنصار الشيخ عبد الباقي القليني، على شغل منصب المشيخة، وهو ما أدى إلى مقتل نحو عشرة أنفار وجرح الكثيرين، إلى أن حسم الوالي الأمر لصالح القليني.21 تشير تلك الواقعة إلى أمرين: أولاً، كانت كثرة الأتباع من المجاورين والشيوخ تشكل دائماً القاعدة الأساسية التي يرتكز إليها من يتولى المشيخة، كما هي الحال لدى طوائف القاهرة وقتئذ، ثانياً، لم تكن عملية اختيار شيخ الأزهر بمعزل دائماً عن الطبقة الحاكمة، فإنها إن لم تتدخل مباشرة في تعيين شيخ الأزهر، كان يجب أن يحظى من يقع عليه الاختيار بموافقتها.

وبصفة عامة، يمكن تقسيم أوقاف الجامع الأزهر إلى قسمين، ما تم وقفه لينفق ريعه على الجامع من حيث هو مكان للعبادة والدرس ويتولاه القائم بمنصب المشيخة، وما تم وقفه على رواق بعينه من بين أروقة الجامع ويتولاه شيخ كل رواق بصفته. وربما اقتضت هذه المفاصلة في اختصاصات الإشراف على الأوقاف عقد تحالفات بين علماء الأزهر للاتحاد في وجه سلطة الوالي الجديد، الذي نفذ من داخل تلك المفاصلة نفسها واستطاع فض التحالف باستمالة وتهديد الشيخين المهدي والدواخلي22 وإقصاء عمر مكرم.

خلال العقد الأول من توليه الحكم، شرع محمد علي في مراجعة نظام الوقف، فقام بإجراء تعديلات جذرية في نظام حيازة الأرض أدت إلى إلغاء نظام الالتزام وتأسيس نظام الاحتكار، الذي أدى بدوره إلى تعليق ممارسات الوقف على أعيان الأراضي لانتفاء شرط الملكية23 بعدما صار للفلاحين حق الانتفاع بها فقط وصارت تؤول ملكيتها إلى الدولة. في كتابه الأوقاف والسياسية في مصر، يذكر الدكتور إبراهيم البيومي غانم الإجراءات التي اتخذها محمد علي حيال الأوقاف في تلك الفترة ومنها (1) مصادرة الأوقاف التي ثبت من فحصص حججها أنها «غير صحيحة» (2) وفرض ضريبة الخراج على ما ثبت صحته منها وأخيراً (3) تسوية الأعيان الموقوفة بغيرها من الممتلكات في دفع «أموال الميري»، على أن يُبدأ بها من ريع الوقف وهو ما تم النص عليه في حجج جميع الأوقاف التي نشأت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين بلا استثناء، وبذلك بدأ محمد علي تدخله التدريجي في نظام الوقف بفرض الصلة الأولى بين الأوقاف وبين الجهات البيروقراطية المسؤولة عن جباية أموال الضرائب.24

وبالنظر إلى أركان الوقف التقليدية التي قررها فقهاء الشريعة، لم يكن من الواضح تماماً كيف يمكن لوقف تم إنشاؤه بالفعل أن يكون غير صحيح، كما لا يقتضي فقه الوقف أن يُبدأ بدفع ضرائب الحكومة قبل أوجه نشاط البر الموقوفة عليها الأعيان. 

لا يمكن بالطبع قراءة الإجراءات التي اتخذها الباشا تجاه العلماء بمعزل عن السياسة الاقتصادية الكلية التي سلكها لإحداث إصلاحات اقتصادية رأى أنها حتمية من أجل المضيّ قُدُماً في مشروعه السياسي التوسعي، والتي أدت في النهاية إلى تنصيبه مالكاً وصانعاً وتاجراً وحيداً في القطر المصري، مغرقاً في الشمولية إلى درجة مباشرةِ المكاتبات اليومية والرد على ما يَرِدُه منها يومياً من أنحاء الدولة المصرية لمتابعة تنفيذ سياساته المركزية. ولكنّ طبقة العلماء التي تبلورت طاقاتها باجتماع عدة عوامل (النفوذ السياسي، شغل الوظائف السابقة للمماليك، الاستقلال المالي، المكانة الدينية والاجتماعية والزعامة الشعبية) جعلتهم في نهاية الأمر على رأس المستهدفين من تلك السياسات. من غير المتصور أن يكون محمد علي استهدف اجتثاث طبقة العلماء المتجذرة في المجتمع المصري، والتي احتاج إليها بحكم الأمر الواقع لاستمرارية العمل في المرفق التعليمي الأهم في مصر (الأزهر، والمدارس…)، ولا سيما أنه في المحاكم كان معظم القضاة يتلقون تعليمهم في الأزهر، غير أنه أدرك تحديداً البعد السياسي الذي تنطوي عليه ممارسات الوقف، بل مارسه بنفسه كما في حالة أوقافه على تكيّتي مكة والمدينة.25

كانت العلاقة بين طبقة العلماء ومحمد علي علاقة مركبة في تلك اللحظة الاستثنائية التي شهدت ذروة النفوذ السياسي للعلماء ورغبة الباشا في التخلص من النظام السياسي القديم26 وتدشين سياساته المركزية الجديدة. بالغ الباشا في التدخل في شؤون الجامع الأزهر إلى حد تنصيب شيخ الأزهر لأول مرة بمخالفة العلماء بعد اتفاقهم على الشيخ المهدي. يذكر الجبرتي بعد موت الشيخ عبد الله الشرقاوي صعود المشايخ إلى القلعة لمشاورة الباشا في من يكون شيخاً للأزهر، فترك لهم الخيار شريطة أن يكون شخصاً خالياً من الأغراض، وبعد أن اتفقوا على تولية الشيخ المهدي المشيخة، أعرض عنه وقلّد الشيخ محمد الشنواني مشيخة الأزهر.27

في هذا الصدد، نجحت جهود محمد علي بالفعل في تحجيم الحضور السياسي للعلماء، وفي ضبط ملف الأوقاف، وهو ما تمّ تكليله في العام 1835 بإنشاء ديوان عمومي للأوقاف مهمته بحسب «لائحة ترتيب عملية الأوقاف بالثغور والبنادر» الصادرة في العام التالي: حصر الأوقاف الخيرية، وضبط حساباتها من حيث الإيرادات والمصروفات، وتنظيم صرف مرتّبات نظّار الأوقاف، ومحاسبتهم، والمحافظة على حقوق الجهات الموقوف عليها وفي مقدمتها المساجد، وتنظيم صرف مرتّبات موظفي تلك الجهات، مع إعطاء الأولوية لإقامة الشعائر إذا ما ضاق الرَّيع عن الشعائر ومرتّبات العاملين كليهما، 28 قبل أن يصدر الباشا في أواخر عهده 1845 إرادة سنيّة بمنع الأوقاف الأهلية بعد استفتاء محمد بن محمود الجزايرلي مفتي الحنفية بالإسكندرية.29

تمّ لمحمد علي إذن ما أراد بعزل علماء الأزهر، وحنَقَ الناس عليهم بعد أن كانوا يلجؤون إليهم. فعندما انتفضت القاهرة مرة أخرى في العام 1822 واحتشد الناس على أبواب شيخ الجامع الأزهر محمد العروسي، بادر محمد علي باشا إلى إرسال قواته نحو الأزهر، فما كان من الشيخين محمد العروسي ومحمد الأمير إلا أن خرجا من الجامع متخفّين عن العيون إلى القلعة، حيث يتربع الوالي، مما أثار السخط لدى عامة الناس من موقف الأزهر وشيخه.

هكذا كانت أموال الوقف المتغلغلة في البنية الاقتصادية لمجتمع القاهرة القديم بمثابة حجر الزاوية لطبقة العلماء الأزهرية في إعادة إنتاج تلك الطبقة اجتماعياً من خلال الإشراف على أعيان الأوقاف، وما يستتبعه ذلك من ثراء مالي وحيثية اجتماعية في ظل مجتمع زراعي في المقام الأول، وهو ما تُرجم بدوره إلى ظهير مادي قويّ كلما سنحت اللحظة السياسية، في واقع تبعية سياسية وغياب نُخب بديلة معبّرة عن إرادة مجتمعية. وقد تبدّى ذلك بوضوح في موقف العلماء الدفاعي عبر التاريخ ضد أية إرداة سياسية تصدر ضد الأوقاف المحصنة بـ«شرط الواقف كحكم الشارع» إلى أن اخترقت السلطة الحاكمة – عبر المركزية والفتوى – تلك الدفاعات التاريخية.

  • 1. لا شك أن الأزهر كان يتمتّع بموارد مالية أخرى، كالصدقات والهبات ومال النجوى، وأموال الميري التي كانت تغدق عليه من الطبقات الحاكمة، غير أن هذه الأموال لا تحظى بذات أهمية الأوقاف – كمّاً وموضوعاً – المحكومة بشروط الواقفين لا بقرار السلاطين والأمراء، مما يجعلها سبباً مباشراً من أسباب استقلال الأزهر المالي.
  • 2. انظر نصّ وقفية الحاكم بأمر الله على الجامع الأزهر ودار الحكمة، محمد عبد الله عنان، تاريخ الجامع الأزهر، ص268.
  • 3. وزارة الأوقاف وشؤون الأزهر، الأزهر: تاريخه وتطوره، 1964، ص42
  • 4. المرجع السابق، ص44
  • 5. المرجع السابق، ص71-73.
  • 6. في الواقع، أظهرت السلطة العثمانية اهتماما كبيرا بالأوقاف منذ أن صدرت مواد منظمة لها في قانون نامه مصر 1524 في عهد سليمان القانوني.
  • 7. الجبرتي، مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس، ص37-39.
  • 8. راجع: عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، الريف المصري في القرن الثامن عشر، ص113.
  • 9. الجبرتي، مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس، ص67.
  • 10. مثل أوقاف الأمير عبد الرحمن كتخدا، الذي قرر أموالاً خاصة للإنفاق على الأزهر وقام بتجديده، يمكن مراجعة: لينبول، سيرة القاهرة، ص244
  • 11. لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يدافع فيها العلماء عن مواردهم المالية ومستحقاتهم من الأوقاف، من ذلك ما حدث من قبل في عهد السلطان سليمان القانوني، ومحمد الرابع، ومحمود خان. انظر: ناصر عبد الله عثمان، قبل أن يأتي الغرب: الحركة العلمية في مصر في القرن السابع عشر، ص86-87. ومعارضة العلماء والفقهاء والقضاة بصفة عامة لمحاولات سلاطين المماليك وأمرائهم حل الأوقاف. انظر: محمد محمد أمين، الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر، ص367، ومحمد علي علوبة باشا، مبادئ في السياسة المصرية، ص294.
  • 12. عبد العزيز محمد الشناوي، صور من دور الأزهر في مقاومة الاحتلال الفرنسي لمصر في أواخر القرن الثامن عشر، مطبعة دار الكتب، 1971، ص100-102.
  • 13. يصرّ البعض على أن ثورة القاهرة كانت ذات طابع ديني وليس ذات طابع وطني، انظر: المرجع السابق، ص156.
  • 14. جاكوب سكوب فجارد-بيترسون، إسلام الدولة المصرية، دار نهوض للدراسات والنشر، ص71.
  • 15.  عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، الريف المصري في القرن الثامن عشر، ص112.
  • 16. المرجع السابق، ص112-113.
  • 17. ماجدة علي صالح، الأزهر في قرن، ص281.
  • 18. محمد عبد الله عنان، تاريخ الجامع الأزهر، ص229-230.
  • 19. الجبرتي، عجائب الآثار، ج 5، ص344.
  • 20. محمد عبد الله عنان، تاريخ الجامع الأزهر، ص208.
  • 21. الجبرتي، عجائب الآثار، ج 2، ص40.
  • 22.  في اجتماعه بهما في القلعة، يذكر الجبرتي ما قاله محمد علي: «وأما ما تفعلونه من التشنيع والاجتماع بالأزهر، فهذا لا يناسب منكم [كذا]، وكأنكم تخوفوني بهذا الاجتماع وتهييج الشرور وقيام الرعية كما كنتم تفعلون في زمان المماليك، فأنا لا أفزع من ذلك، وإن حصل من الرعية أمر ما، فليس عندي إلا السيف والانتقام». الجبرتي، عجائب الآثار، ج 5، ص344-345.
  • 23.  إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، ص98.
  • 24. المرجع السابق، ص387.
  • 25.  انظر بعض ما جاء في حجة الوقفية، إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، ص308.
  • 26. لم يكن العلماء طوال عصر المماليك بعيدين عن دوائر السلطة، فقد شغلوا مناصب رفيعة في الدولة كانت حكراً عليهم، مثل القضاة الأربعة، وقاضي القضاة، والمحتسب، ودواوين الإنشاء والأحباس.
  • 27.  الجبرتي، عجائب الآثار، ج 5، ص442-443.
  • 28. إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، ص387.
  • 29. محمد علي علوبة باشا، مبادئ في السياسة المصرية، ص295-296. وقد أورد نص سؤال الباشا مترجماً عن التركية ونص الفتوى ونص الإرداة السنية الصادرة لسعادة كتخدا باشا تركي.