التعايش مع كورونا تفادياً لـ«حرب بقاء»

 

لاقت منظمة الصحة العالمية آذاناً صاغية في دعواتها إلى مد يد الصلح و«التعايش» مع كورونا، وذلك من جانب دول عديدة كان الفيروس قد أرغمها على إسدال الستار على كثير من مفاصل الحياة الاقتصادية طوال أكثر من شهرين متتاليين، لكن تبعات الإغلاق المستمر هددت قدرات اقتصادها الذي بدا هشّاً أمام ضبابية التصريحات حول استحالة إيجاد لقاح على المدى القريب، في حين لا يزال الفيروس قيد التشخيص في المختبرات.

يتحدث جيرمي روسمان، الأخصائي البريطاني في علم الفيروسات، عن سقف زمني أولي لإيجاد لقاح للفيروس لا يقل عن سنة واحدة في أحسن الأحوال، وهو تقدير زمني يشي بضرورة سنّ الدول إجراءات مؤقتة للتعايش مع الفيروس ريثما يتم احتواؤه، إذ «ليس من المنطقي الانتظار والعيش في إقفال ريثما يتواجد اللقاح» حسب تعبيره.

يُشير روسمان، في رده على أسئلتنا عبر البريد الإلكتروني، إلى فرضية حتمية تقضي بوجود حالات موزعة بين إصابات ووفيات، ما «يجبر المجتمعات على تعديل حيواتها بما يتماشى مع خط سير الفيروس».

يتوافق اقتراح روسمان لسقف زمني عمره سنة مع نتائج دراسات مخبرية عديدة، كما أن هناك نتائج دراسات تحدثت عن ظهور سلالة جديدة من فيروس كورونا في الهند، في حين لا تزال سلالاته السابقة تحت مناظير المختبرات تحليلاً وتشخيصاً لاستكمال التعرف إلى خصائصه المستجدة. وقد كشفت دراسة مشتركة أجريت بين أستراليا وتايوان، في 15 من نيسان (أبريل) الماضي، أن الفيروس يعرج نحو آليات جديدة لربط نفسه بالخلايا البشرية ضماناً لديمومته، في حين تحدّثت صحف بريطانية منذ مطلع الشهر نفسه عن أن الفيروس يعاود إصابة ضحاياه السابقين ممّن تماثلوا للشفاء. رغم ذلك، يرى روسمان أنه «لا ضير من وضع خطة أولية بهدف التعايش مع الفيروس».

 يشغل جيرمي روسمان أيضاً موقع رئيس شبكات مساعدة البحوث في جامعة كينت البريطانية، وهو يوصي بخطة ثلاثية في هذا الصدد، تتمثل في مواصلة التباعد الجسدي حتى مع عودة الأشخاص إلى العمل، من خلال إعادة ترتيب المكاتب أو تجزئة دوام العاملين إلى فترتين تجنباً للتجمعات الكبيرة، ومتابعة سير الفحص الطبي للأشخاص، وعزل المصابين بالفيروس وتتبّع دوائر الاتصال المحيطة بهم وعزل أفرادها، فضلاً عن إبقاء الأسطح ذات التماس المباشر مع الأفراد نظيفة «تماماً كنظافة الأيدي» بحسب تعبيره.

لا إجابات واضحة حتى الآن حول سقف زمني لإنهاء العمل بمعادلة التباعد الاجتماعي، لكن لغة العلم تتحدث عن زمن مضاعف لتلك التي يتطلبها إيجاد اللقاح، إذ تتحدث نتائج دراسة صادرة عن جامعة هارفارد عن ضرورة تمديد التباعد الاجتماعي حتى نهاية عام 2022، لاحتواء الوباء الصحي الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية، ولم تستبعد الدراسة ظهوراً جديداً للفيروس خلال السنوات الأربعة المقبلة.

دعوات التعايش الدولية باتت ضرورة، واستئناف العمل وفق إجراءات التعايش من شأنه أن يجنب العالم خسارات اقتصادية محتملة قد تصل إلى 5 تريليون دولار، وهو رقم لا يمكن تعويضه خلال وقت وجيز، وذلك بحسب ناصر زهير، الباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي في مركز جنيف للدراسات السياسية والدبلوماسية، خلال حديثه مع الجمهورية.

السياحة وقطاعات الصناعية التكميلية كالسيارات والطائرات، بحسب زهير، هي أولى القطاعات التي ستتلقى ضربات مباشرة إضافية جرّاء الانكماش الاقتصادي المنتظر حدوثه خلال العام الحالي، خلافاً لقطاعي الزراعة والتجزئة الداخلية اللذين سيتأثران بشكل أقلّ، حسب قوله.

في السياق ذاته، تستعد أوروبا، وهي الوجهة التي تستقطب نصف أعداد السياح حول العالم، لتلقي أولى ضربات الانكماش المنتظر بخسارات محتملة تقدر بنحو 400 مليار يورو، بحسب ما كشفه مفوض السوق الداخلي في الاتحاد الأوروبي، ثيري بريتون.

«اقتصاد الحرب» هو أول البدائل المتاحة التي طرحها زهير كاستراتيجية تعايش اقتصادية يمكن الاستفادة منها على مستوى الدول، الأمر الذي يتطلّب وضع اقتصاداتها في حالة الطوارئ، ومنح الأولوية للإنفاق على سلع وخدمات ملحة عبر الاقتراض من عائدات الضرائب، دون تخليها عن الاستعداد لتقبل كافة الخسائر الصحية وإن كانت مئات الوفيات يومياً؛ «لا خيار الآن سوى التعايش مع الفيروس، والحد من خطره في الوقت نفسه»، يقول زهير.

بانورامية المشهد الاقتصادي العالمي، ورغم مخاوفها، تبدو أقل قتامة ممّا هي عليه في دول تعيش على اقتصاد الحرب منذ سنوات، كدول عدّة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً سوريا، التي تثير شكوكاً عديدة حول الأرقام المعلنة رسمياً لعدد الإصابات فيها، وحول مدى قدرتها على التعامل مع انتشار واسع محتمل للمرض، ومدى فعالية الإجراءات التي اتخذت فيها حتى الآن، وذلك نتيجة غياب الشفافية وضعف القطاع الصحي فيها.

اقتصاد دول العالم الثالث، والدول التي تشهد نزاعات، أكثر هشاشة وعجزاً عن تحمل فترات حجر أطول، بحسب جون وتربوري، أخصائي الاقتصاد السياسي لدول العالم الثالث في جامعة كولومبيا، الذي قال للجمهورية إن سنّ حكومات دول العالم الثالث لإجراءات مماثلة لتلك التي فرضتها دول أوروبية من شأنه أن «يفاقم الصدمة الاقتصادية»، خاصة أن مجتمعات الدول المعنية «أضحت تغرق باللاجئين والنازحين داخلياً، وتفتقر إلى أدنى مقومات الأمن الغذائي، وتعجز عن سداد تكاليف البقاء في المنازل إذعاناً للدعوات التي تقتضي بضرورة الحجر الصحي».

«يمكن السماح للأصحّاء من الشباب بالعودة إلى العمل بما يتوافق والظروف المعيشية لكل مجتمع، شريطة دأب الحكومات، مدعومة بتمويل سخي، على نشر وإيصال المعلومات المحدثة على نطاق واسع حول الفيروس للأُسر الأكثر فقراً، عبر الاستعانة بمنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية والرؤساء التقليديين، لنشر المعلومات والتفاعل مع المجتمعات المحلية، كأولى سبل التعايش في دول الصراع، عوضاً عن فرض حظر صارم»، بحسب رؤية أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة كولومبيا.

يشرح وتربروي وجهة نظره هذه بالقول إن حظر العاملين من ذوي الدخل المحدود في دول العالم الثالث «قد يسبب مجاعات، ويجعل خرق القانون بسرعة مسألة بقاء. احتجاجات العمال من المهاجرين في الهند، عقب تمديد قرار الإغلاق، كانت مؤشراً على هشاشة هيكلية اقتصاد دول العالم الثالث».

«قد يبدو هذا الطرح قاسياً، ولكن من المنظور السياسي والاقتصادي، لا يمكن التسبب بمجاعات قد تودي بحياة كثيرين حول العالم»، وفقاً لناصر زهير، الذي يُقدّم مقاربة مماثلة لما طرحه جون وتربوري حول مآلات تمديد الإغلاق، مضيفاً أن استمرار هذه الإجراءات «يُقلّص من قدرة الدول على تأمين رواتب البطالة والمستلزمات الاقتصادية للمواطنين، خاصة مع انهيار في أسعار النفط. الوضع الاقتصادي العالمي لم يعد يحتمل استمرار الإغلاق أكثر من ذلك».