التقدمي السوري في يُتمه

 

ليس لمصطلح «تقدمي» سمعة جيدة في الوسط السوري، وذلك بسبب الاستخدام البعثي المديد له، لكن -مقارنةً بغيره من التسميات الدارجة- قد يكون توصيف «تقدميين» هو الأكثر تعبيرية في وصف أولئك السوريين المعارضين للنظام الأسدي، والمنحازين للثورة ضدّه، والحاملين لتوجهات ديمقراطية علمانية، تتراوح بين اليسار الديمقراطي والليبرالية الاجتماعية في التصنيفات الكلاسيكية للتوجهات السياسية، والداعين، ولو بشكل عام، لنوع من العدالة الاجتماعية، ولهم مواقف مدافعة عن الحريات العامة، وعزيمة في الدفاع عن الحريات الشخصية، تضعهم في خصومة أو عداء مع الإسلاميين والمحافظين، دون أن تكوّنَ الخصومة أو العداء، مهما اشتدا، قضية مشتركة لا مع النظام الأسدي، ولا مع أي نظام استبدادي. 

يُشاع أن يُقال عن هذا الطيف إنه «علماني» -خصوصاً من قِبل الإسلاميين-، وهو نعت صحيح ولكنه غير كافٍ، لأنهم لا شك «علمانيون»، لكن «العلمانية» لوحدها لا تقول شيئاً عن الموقف الديمقراطي من عدمه (بل غالباً ما يكون الاكتفاء بها كتعبير عن موقف سياسي صنوَ الفاشية)، ولا عن المنظور الخاص بالحريات العامة والشخصية، ولا عن التوجهات السياسية والاقتصادية-الاجتماعية. كذلك، قد يُستخدم تعبير «يساريين» للإشارة إلى هذا الطيف، لكن هذا التعبير غير دقيق، لأنه ليس كل المنتمين لهذا الطيف السياسي يساريون بالمعنى الاجتماعي- الاقتصادي، كما أن «يساريين»، حاف، تضعهم في الخانة نفسها مع تيارات اليسار غير الديمقراطي، ذات المواقف المؤيدة صراحةً للنظام الأسدي، أو على الأقل الاعتذارية له. ورغم أن «تقدميين» لا تُجلي الالتباس الذي يشكّله مصطلح «يساريين» في هذا الشأن -وهنا مشكلة ثانية في المصطلح، عدا سمعته السورية السيئة تاريخياً- إلا أنه قد يكون من المنطقي استخدام «تقدميين» لوصف هذا الطيف السياسي، إلى أن يتم اجتراح مصطلح آخر أكثر ملاءمة، وأقل حملاً لإرث ثقيل في بؤسه. 

مع بعض التعميم، الضروري دوماً لرسم ملامح عامة، تمكن الإشارة إلى أن التقدميين السوريين، بشكل عام، هم طبقات وسطى متعلّمة، مدينية (بالمعنى الواسع والحديث للكلمة، وليس بالمعنى المنغلق الدارج في مدن المشرق المتوسّطي)، يتوازعون بين الاستقرار «حتى إشعار آخر» في الدول الغربية، أوروبا خصوصاً؛ والإقامة غير المستقرة بالكامل في تركيا أو لبنان؛ والحياة في الدواخل السورية المتعددة، خصوصاً مناطق سيطرة النظام. هؤلاء الأخيرون أقل قدرةً على الفعالية والظهور والتعبير، حتى بشكل افتراضي، وغرقهم في ديناميكيات الداخل السوري، المتباعدة أكثر فأكثر عن ديناميكيات دول الشتات حتى على صعيد اللغة والترميز، بات يُشعرهم بعزلة متزايدة.

لا يشكّل هذا الطيف من المعارضين السوريين التقدميين تياراً، فليس لديهم أدنى أشكال التنظيم أو التأطير، لا على المستوى الحركي ولا على مستوى التمايز اللغوي والرمزي. ورغم أن وسائل التواصل الاجتماعي وفّرت فرصة لأن يكون أغلبُهم «في رادار» أغلبِهم على مستوى المعرفة، السطحية أو الشخصية، إلا أنه لا توجد مبادرات للتجمع تحت إطار الموقف السياسي-الأخلاقي نفسه حتى ضمن وسائل التواصل الاجتماعي، بل فقط علاقات شخصية بُنيت أصلاً على تشابه المواقف والتوجهات السياسية خلال سنوات الثورة. ولذلك العزوف عن الاجتماع (ما قبل التنظيم حتى) أسباب محتملة عديدة، منها اللحظة السياسية، أي المزيج من القنوط واليأس وانسداد الأفق، التي نعيش فيها منذ أواسط 2016 على الأقل، ومنها أيضاً بقايا المنطق الائتلافي السائد لدى المعارضين السوريين، خصوصاً لدى قسم كبير من هذا الطيف تحديداً، والذي يجعلهم يأنفون من الاجتماع صراحةً بناءً على تقدميتهم باعتباره فعلاً «إقصائياً»، حسب اتهام إسلامي دارج لـ«العلمانيين» إن مارسوا «علمانيتهم»، فيما للإسلامي حقٌ ممارسة إسلاميته متى وكيف شاء، باعتباها ديناً وليست إيديولوجيا. وهذا ما يمنح الخطاب الإسلامي أفضلية في امتلاك مساحات الجذرية الثورية رمزياً، فالخطاب الإسلامي هو «دين الناس»، لكنَّ أيَّ كلام إيديولوجي لأي قوى أخرى هو «تفريق وإقصاء» يوضع فوراً، في أحسن الأحوال، في مواجهة «أولويات» مع الدم الذي ما زال يُسفك على يد الأسد وحُماته، مواجهة يخسرها فوراً، حسب هذا المنطق، أي نقاش، وخصوصاً نقاشات حقوق النساء، والنسوية، وحقوق المثليين، وكل نقاشات الحريات الشخصية عموماً. 

ولهذا الاتهام تأثير وفعالية لأنه، في الواقع، يضرب على وترين من الشعور بالذنب، أولهما حمل التقدميين المعارضين وزر خطاب النظام «العلماني» وتاريخه المشين في قمع الإسلاميين والتنكيل بهم وبأوساطهم الاجتماعية تحت الجلد بشكل غير منصف ولا مفهوم، ما يجعلهم مضطرين دوماً لإثبات معارضتهم الجذرية للأسدية، في مقابل أن الإسلامي، على ما يبدو، معارض عضوياً سلفاً، وله أفضلية الحكم على مدى معارضة الآخرين، حكمٌ بمثابة «شهادة حسن سلوك» لا يندر أن يبحث عنها تقدميون كثر مقابل ممارستهم لتقيّة إيديولوجية ثقيلة. الوتر الآخر من الذنب هو طبقي، فكما أسلفنا، يُعاب على التقدميين السوريين أن أسلوب حياتهم «متحرر» ثقافياً وأوسط طبقياً، وأنهم لا يُشبهون «السوريين الحقيقيين»، وهنا، أيضاً، لا يندر أن تظهر لمحات الذنب على شكل تعبيرات لفظية أو سلوكية فيلو-مُحافِظة اجتماعية (وأحياناً نيل من تقدميين آخرين أكثر صراحةً في التعبير عن إيديولوجيتهم) لنيل استحسان إسلاميين، تُقدَّم على أنها «انحياز» لـ «السوريين الحقيقيين الذين يموتون»، المحافظون حكماً، والذين يمثّلهم الإسلاميون بشكل عضوي وطبيعي، ويمنحون باسمهم «شهادات حسن سلوك» ثوري.

ولا تقتصر عزلة وتشرذم التقدميين السوريين على الساحة السورية فحسب، ففي حين وفّرت تحولات السنوات الأخيرة للطيف الإسلامي ضرباً من «أممية» ما، أردوغانيّة المركز، منحت عمقاً داعماً على جميع الأصعدة للإسلاميين السوريين، تزداد عزلة التقدمي السوري المُعارض حال محاولته فتح قنوات تواصل وتشبيك مع الأجواء التقدمية في المنطقة والغرب، إذ أن سعادته بالتواصل مع أقرانٍ في المواقف الفكرية والسياسية والاجتماعية العامة تتحوّل سريعاً إلى ما يُشبه، حرفياً، الأعراض السريرية للتوحّد، حالما يُناقَش الوضع السوري. فمقابل حديث كثير عن الجيوسياسة، ولو بمفردات مختلفة عن المعاداة للإمبريالية في اليسار غير الديمقراطي؛ وداعش؛ وكليشيهات كثيرة عن المنطقة و«صعوبة فهمها»، والنفط، والاستقرار؛ وتنميطات ثقافوية متعددة الأشكال؛ وربط سوريا بقضايا أخرى (كأن تُجاب بالرأي عن أردوغان حين السؤال عن الموقف مما يجري في سوريا)؛ أو الاهتمام بسوريا فقط حين تصبح قضية داخلية، أي اللاجئين؛ أو الانسحار ببروباغندا «روجافا» اليوتوبيّة.. نجد أن النواة القاتلة للمأساة السورية، الأسدية؛ والنواة المقاوِمة في القضية السورية، السوريون، غائبون في الخطاب العام عن سوريا في الأوساط التقدمية في المنطقة وفي المركز الغربي. ولا يودّ هذا الحكم التعميمي أن يبخس حلفاء تقدميين كُثُراً للثورة السورية في العالم أجمع حقّهم، ولا فاعليتهم ولا جهودهم، لكن الواقع أنهم لم يشكّلوا تياراً ذا قدرة على التغيير في المشهد العام، بل إن كثيراً منهم، نتيجة «قبضه على جمر» تعقيدات الثورة السورية، تحوّلَ إلى هدف عنف لفظي ومعنوي هائل الأبعاد من قِبل أسديين غربيين، صريحين ومستترين، وانتهى إلى تحوّله إلى «تقدمي سوري» معزول هو الآخر، أو منكفئ، في وسطه الإيديولوجي الأصلي. والأسبوعان الماضيان، الذين تليا قتل قاسم سليماني، شكّلا مناسبة عظيمة لاختبار كل البؤس الأخلاقي والمعرفي المذكور في السطور السابقة عبر متابعة وسائل الإعلام «التقدمية» الغربية، ورصد مواقف سياسيين ومفكرين وصنّاع رأي تقدميين حول الموضوع. 

وكيف يتعامل التقدميون السوريون مع هكذا وقائع؟ من الممكن القول إن طرق التعاطي تنوس بين طرفين نقيضين، أولهما الانكفاء الغاضب ورفض التعاطي مع أجواء لا تحمل موقفاً ناجزاً وواضحاً من النظام الأسدي، وهو موقف مفهوم على الصعيد النفسي والعاطفي بشكل كامل، لكنه لا يُقدّم إجابة على معضلة ماذا نفعل لمناصرة قضيتنا السورية من موقعنا كتقدميين. عدا عن أنه، عند تعمّقه وامتداده زمنياً، يحمل خطر الوقوع في غرام الإحساس بالوحدة، مع كل ما يعنيه ذلك من تبعات نفسية وفكرية وسياسية؛ أو يجعل التقدمي، مدفوعاً بحنقه من مواقف أقرانه الإيديولوجيين العامة، يحمل تقدميته كذنبٍ مُخجل وليس كقناعة فكرية وإيديولوجية مشروعة، عائداً إلى دوامة التقيّة والذنب التي سبق ذكرها. في الطرف الآخر، النقيض، نجد قناعة بضرورة «تفهّم» صعوبات وتعقيدات المسألة السورية، وأنها، على عكس قضايا أخرى واضحة وصريحة ومتمفصلة مسبقاً وفق كتالوغ الحساسيات والكلمات المفتاحية والمفاهيم المسبقة لهذه الأوساط التقدمية في المنطقة والغرب، تحتاج كثيراً من الشرح والتفصيل والتمييز. قد يكون جزء كبير من هذا الكلام بديهياً من وجهة النظر السياسية، لكن هذا الموقف المتفهم قد يخاطر في التحوّل إلى مجرد تحمّل لا نهائي لنقاشات دوّامية، ولجهل وكسل مهينين أمام أكبر جرائم القرن الواحد والعشرين، لدرجة سحب أهلية (بل وضرورة) الغضب في وجه البلادة المعرفية والأخلاقية، وفي وجه التمركز الشديد حول الذات، والإعجاب الشديد بالنفس والاكتفاء الذاتي بها.

أمام هذا اليُتم المزدوج، تفرّق داخلي ووحدانية خارجية، ليس أمام التقدميين السوريين، بمختلف توجهاتهم وتنوّع أطيافهم، من خيار إلا أن يتخلصوا من عدم ارتياحهم مع ذواتهم، وأن يكونّوا إحساساً ما بالجماعة، حتى لو لم يتطوّر هذا الإحساس بالجماعة إلى مصاف التنظيم السياسي (وهو تطوّرٌ يحتاج لظروف ذاتية وموضوعية متراكبة). لدوامة الذنب والتقيّة المذكورة سلفاً دور كبير في عدم الراحة مع الذات، بل والإحساس بـ«تناقض» ما، لكن لأزمة الخيال العميقة التي نعيشها عموماً كسوريين، ويعانيها بشكل خاص التقدميون السوريون، دور هائل في انسداد التفكير بممكنات سياسية جديدة، وبرموز ومصطلحات وشعارات وتسميات جديدة حتى. التقدميون السوريون المعارضون القطعيون للأسدية يتمسّكون بالجذرية الثورية، برموزها ومصطلحاتها (وهتافاتها!) القادمة من 2012، لأنهم يخافون إحساس أنهم يبتعدون عن أعظم حدث في التاريخ السوري، ويخشون أن يبدو وكأنهم «يكوّعون» بعد الهزيمة، ويخافون أيضاً أن يتركوا الجذرية الثورية للإسلاميين، وهذه جميعها، مع غيرها من المخاوف المشابهة، مشروعة ومحترمة أخلاقياً وسياسياً، لكنها بحاجة لمحاججة عميقة: الجذرية الثورية بصيغة 2012 لا يجب أن تكون اللغة الوحيدة القطعية ضد بشار الأسد، ورموزها ومصطلحاتها وهتافاتها تعاني منذ مدة طويلة خطر تحوّلها إلى رموز ماضوية لا تعبّر كفاية عن القضية السورية اليوم. نكابر على إنكار ذلك حفاظاً على ذاكرة ما، وهذا نبيل ومحترم، لكننا فعلياً نحوّل الثورة ورموزها إلى شأن فلكلوري بحت. ثم أن خطاب الجذرية السورية، في صيغته الراهنة، لا يكفي لجمع متشابهين ولا للتفريق بين أعداء، أي أنه لا يلبي أدنى متطلبات السياسة وفق مقولة كارل شميت الشهيرة: نستخدم، فقط، نفس العبارات والهتافات والرايات التي يحملها جيش الإسلام، والعمشات، والهيئة العليا للمفاوضات، ولقاء أستانة، دون إنتاج دالاّت تجمع بيننا وتميزنا عنهم (ما عدا صور مخطوفينا وشهدائنا على يد أمثال جيش الإسلام والنصرة وداعش، وهي رموز لم ننتجها نحن، بل اقترفوها هم بنا)، وبعضنا يقدّم مقاومة حادّة لجهد الخيال السياسي هذا، مقاومة نابعة أساساً عن خليط الذنب والتقية (وقد تُضاف ما يُصطلح على تسميتها «عقدة الناجي» هنا).

ثمة واجب ثوري على التقدميين السوريين القادمين من الانخراط في الثورة السورية ضد الأسدية، واجب تشغيل الخيال والأفق لإنتاج خطاب ورموز ومخيال القضية السورية اليوم، بما يصون كرامة وذاكرة ونضالات الثورة السورية، أي كرامتنا وذاكرتنا ونضالاتنا، ويعلن نفسه انبثاقاً/ استمرارية للثورة دون أن يتهيّب من التعامل معها على أنها مرحلة يجب أن تُطوى بكرامة لإكمال إرساء مرحلة جديدة، طويلة الأمد ومتعددة الجبهات، ضد الأسدية وحلفائها و«عالمها»؛ ودون أن نحمل وزر «شركاء» في الرمزية الجذرية الثورية القائمة وقد باتوا أعداءَ لدودين، لا يقلّون عداوة لنا عن بشار الأسد، منذ زمن طويل. 

بطبيعة الحال، ليس هذا بالأمر السهل ولا السريع -ولعلَّ التخلص من البحث عن السهولة والسرعة هو الواجب الثوري الأول-. ثمة جهد على المدى البعيد يجب أن يبدأ بناؤه من أجل تكوين البنية الفكرية والرمزية والسردية للقضية السورية بمعناها التاريخي والكوني، وربما بدأت بعض ملامحه الأولية تُبنى فعلاً (أقلّه على المستوى الثقافي) لكنها لم تظهر كفايةً بعد على الصعيد السياسي، وتحتاج لذلك لأن نتخلص من إحساسنا بالوحدة وسط الزحام، وأن نتغلب، كتقدميين سوريين، على فوبيا التجمّع وعلى نزعة البحث عن نتائج مباشرة وسريعة للاجتماع في آنٍ معاً. هذه حاجة تقدمية ثورية، وحاجة سورية، لكنها حاجة كونية أيضاً. لقد منّت الثورة السورية علينا جميعاً بقدرة لا يُستهان بها على قراءة الفروقات واستيعاب التركيب والتعقيد والتناقض والصعوبة، ومنّت الثورة علينا بذلك بما يفيض عن حاجتنا حقيقةً، وباجتماعنا وحده يمكن أن نصدّر بعضاً من هذه القدرات، على شكل حوار أحياناً، وعلى شكل غضب أحياناً أخرى، للأوساط التقدمية في المنطقة والعالم، والغارقة في إعجابها الشديد بذاتها وكسلها المعرفي والأخلاقي. مسار العالم اليوم، وشكل من يحكمونه، يدل على أن التقدمية الكونية بحاجة شديدة لجهودنا وخبراتنا، وآلامنا، وغضبنا.