التوافقية: التشخيص الخطأ والعلاج الزور

هذا النص هو الترجمة العربية لمقال ريما ماجد، أستاذة علم الاجتماع المساعدة في الجامعة الأميركية في بيروت، والذي سبق أن نشرت الجمهورية صيغته الأصلية باللغة الإنكليزية. وتتحدث فيه الكاتبة عن مخاطر الحلول التوافقية، التي تنتهي إلى تقاسم السلطة بين قادة المجتمعات المحلية، بدل معالجة أسباب النزاعات.

شبح الديموقراطية التوافقية يحوم حول سوريا هذه الأيام. بعد التجربة اللبنانية مع التوافقية الميثاقية1، والتجربة العراقية مع التوافقية الليبرالية2، يبدو أن سوريا هي الدولة التالية التي تسير نحو ترتيب توافقي في المنطقة.

لقد تم اقتراح واعتماد الديموقراطية التوافقية في العديد من البلدان التي شهدت نزاعات في مختلف أنحاء العالم، من كينيا إلى البوسنة والهرسك وصولاً إلى إيرلندا الشمالية. تأخذ هذه الديموقراطية شكل ترتيبات لتقاسم السلطة، بهدف الحد من التوترات في مجتمعات تُشخَّصُ على أنها «شديدة الانقسام». تنطلق هذه الصيغة السياسية الخاصة من قراءة سوسيولوجية للنزاع والعنف، تصوّرهما بين جماعات تُعرّفها «الشروخ المقطعية» أو الانقسامات الهوياتية، كالتمايزات الطائفية أو اللغوية أو الإثنية. تصبح هذه الشروخ العمودية أساساً لـ «انقسامات عميقة» تتطلب أشكالاً خاصة من التدخل، وذلك للحد من الطبيعة الانفعالية والمفخخة المفترضة للعلاقات القائمة ضمن مجتمعات متعددة وغير متجانسة وذات ثقافات سياسية متباينة. تدعو الديموقراطية التوافقية إلى تشكيل حكومة تقودها تكتلات نخبوية، حيث يمثل كلاً من الجماعات المتنازعة زعيمُها، فتصبح الحوكمة السياسية مسألة بناء ائتلافات وتفاوض بين ممثلي المجتمعات المحلية. تدعو النظرية الأصلية إلى الحد من التواصل الاجتماعي بين الجماعات، وتزعمُ أنه كلما تعالت مستويات اتخاذ القرار تراجعت احتمالات النزاع، والذي إن نشأ فسيقتصر على نخب تستطيع تفاديه بالمساومات والتسویات.

لكن هل النزاع في «المجتمعات شديدة الانقسام» المزعومة هو حقاً بين جماعات إثنية أو طائفية؟ هل من الدقيق اعتبار عدم تجانس الهويات على المستوى الاجتماعي هو أساس النزاع؟ هل تشخيص النزاع في الشرق الأوسط على أنه ديني أو إثني أو طائفي في المقام الأول يفيد في فهم ديناميات النزاع والعنف؟ وهل تصلح هذه التحليلات للتأسيس لصيغ سياسية مثل التوافقية والتقاسم الطائفي للسلطة؟

في حين تحظى الديموقراطية التوافقية باهتمام كبير لدى باحثي ومستشاري السياسات، إلا أن الافتراضات السوسيولوجية التي تقوم عليها النظرية ما تزال موضع شكّ. لكن على الرغم من مرور عقود على أولى الدراسات الاجتماعية التي أوضحت الطبيعة المرنة والظرفية والتركيبية لتكوين الهويات والجماعات، وما لا يحصى من الدراسات3 التي سلطت الضوء على الأساس البنيوي والمادي للنزاعات والحروب، بما يتجاوز التحليلات الثقافوية لسياسات الهوية، ما يزال التوافقيون ينطلقون من افتراض (بدلاً من برهنة) أن الانقسامات الهوياتية هي «معطيات» الترتيبات السياسية في مجتمعات معينة. لكن استحداث أنظمة حكم بناءً على افتراضات من قبيل ماهية أو مآل مجتمع ما، لا يقل خطراً عن وصف دواء دون تشخيص الداء. إن فهم الديناميات والنزاعات على المستوى المجتمعي يتطلب بحثاً يتجاوز مجرد ملاحظة الانقسامات «الإثنية» أو «الطائفية»، ويخوض في فهم العوامل والآليات التي تظهّر الحدود الإثنية أو الطائفية وتقود (أو لا تقود) إلى تشكيل الجماعة. بعبارة أخرى، بدلاً من افتراض طبيعة طائفية للنزاع، على المرء أن يحلل عملية التطييف لكي يفهم الأسباب الأعمق للنزاع، ويتمكن من اقتراح حلول دائمة. ما يحدث غالباً هو إغفال مهمة التشخيص السوسيولوجي السليم في غمرة الاندفاع نحو تقديم وصفات سياساتية لمجتمعات مأزومة (أو خارجة من نزاع).

يمكن تسليط الضوء على ثلاثة مزالق رئيسية تقع فيها التحليلات السائدة للنزاع في الشرق الأوسط، والوصفات التوافقية المقترحة على أساسها. أولاً، كما ذُكِرَ أعلاه، يغلب على قراءة النزاع بشكل إثني أو طائفي إغفال عملية التطييف التي يأخذ من خلالها النزاع المادي حول السلطة والموارد شكل النزاع الهوياتي. ترى هذه المقاربة في الانقسامات الطائفية أمراً واقعاً وثابتاً وغير قابل للتغيير، بما يجعل الوصفات التوافقية وسيلة للتعامل مع أحد أعراض النزاع وليس مع الجذور العميقة المؤدية له. بعيداً عن إنكار الجانب الطائفي للنزاع السوري الحالي، من المؤكد أن اختزال تعقيدات النزاع في هذا الجانب، وعقد اتفاقية سلام قائمة على قراءة من هذا النوع، لن يؤدي إلى حل دائم، فالأسباب المادية للنزاع (اللامساواة والفقر والبطالة ودكتاتورية البعث... إلخ) ستبقى دون علاج. لذا فإن التوافقية في هذه الحالة تحاول معالجة أعراض الأزمة (التطييف والتشظي الناتج عنه) دوناً عن الأسباب الجذرية.

المشكلة الثانية في هذه المقاربة هي أنها تنقلب غالباً إلى نبوءة ذاتية التحقق. فعبر محاولة ضبط النزاع والحد من التوتر الطائفي، تؤدي الصيغة التوافقية، في سياق نيوليبرالي تَضمر فيه مؤسسات الدولة، إلى ترسيخ الحواجز بين الجماعات عبر مأسسة الانقسامات بينها. وبمجرد المأسسة يصبح من الصعب جداً مواجهة السياسات الطائفية، خاصة وأن أحكامها تتغذى في معظم الأحيان على شبكات الزبائنية الطائفية التي تحل محل الدولة في توفير الأمن والاحتياجات الأساسية، كما يبدو جلياً في الحالتين اللبنانية والعراقية.

أما ثالث مآزق عملية التطييف هذه، فهو الخلط بين الجماعات الاجتماعية والجهات السياسية، بما يساوي بين «العلويين» ونظام البعث السوري، على سبيل المثال؛ بين «الشيعة» وحزب الله أو إيران؛ بين «السنة» والجماعات الإسلامية أو السعودية أو قطر أو تركيا. هنا تبدأ تسمية الجماعات والجهات على نحو تبادلي، ما يؤدي إلى اللغط الذي يشكل أساس التفكير التوافقي. هذه «الجماعاتية» التي تفترض تجانساً سياسياً داخل كلٍّ من جماعات الهوية مزلقٌ كبير للغاية، فهي تخلط بين الجماعات السياسية والمجتمعات الدينية أو الإثنية أو غيرها، وتتجاهل التنوعات الهائلة السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية داخل كل من هذه المجتمعات. بعبارة أخرى، هي تخلط التجليات الاجتماعية للنزاع بالتحليل السوسيولوجي.

والحال أن الخطاب الشائع حول الحاجة إلى حماية «الأقليات» عبر شكل من أشكال التوافقية هو أبرز أمثلة هذا اللغط. فبدلاً من التمييز بين الأفراد المنتمين إلى جماعة أقلية معينة والمنظمات السياسية التي تدعي التكلم باسمهم، تقوم المقاربة الجماعاتية بتأليب بعض السكان على بعضهم الآخر على أساس الهوية. وهكذا تصبح الأقليات «العلوية» أو «المسيحية» أو «الدرزية» مهددة من قبل الأغلبية «السنية»، في عملية تطييف تجبر الأفراد على عُلَب الهوية الجاهزة التي يشكلها الفاعلون السياسيون بما يتناسب مع احتياجاتهم ومصالحهم. في ظروف كهذه، تتلاشى فوارق وتعقيدات الآليات غير الطائفية للنزاع، ويصبح الأفراد غير المُمتثلين لطوائفهم هم الاستثناء. التحالفات الطبقية بين أغنياء السنة والعلويين المقربين من النظام، والظلم الطبقي الذي لا يميز بين هويات فقراء السوريين، تصبح كلها غير مرئية؛ تتبدد الانقسامات الأفقية وتتألق الانقسامات العمودية في مثل هذه الأزمنة المظلمة. في مثل هذه الحالات ترتفع شعبية حلول تقاسم السلطة التي تبشّر بالحماية والتمثيل تحت شعار «لا غالب ولا مغلوب»، لكن رغم غلافها البراق، غالباً ما تفشل هذه الحلول في تقديم العلاج الناجع.

بدلاً من التركيز على كيفية تقاسم الكعكة بين «قادة المجتمعات المحلية»، على حلول ما بعد النزاع أن تركز إلى معالجة الأسباب المؤدية له وليس الأعراض. فلكي تكون هذه الحلول دائمة، عليها السعي نحو مجتمعات أكثر عدالة ومساواة، لا يكون فيها القادة السياسيون مجرد «ممثلين للمجتمعات المحلية» بل أيضاً قادة يعملون على وضع خطط سياسية واقتصادية واجتماعية لفائدة أكثرية السكان، وليس لحفنة قليلة من جماهيرهم الانتخابية. ففي نهاية المطاف تمثل السياسة الطائفية غالباً أداةً بيد الزعماء لترسيخ سلطاتهم وثرواتهم. إنها سياسة «القلّة» التي لا تفيد إلا النُخب وأتباعهم المخلصين. المطلوب بالأحرى هو سياسات «كثرة» ومن أجل «الكثرة».

  • 1. شكل من أشكال تقاسم السلطة، يتم فيه تحديد تمثيل الطوائف دستورياً.
  • 2. تعرف أيضاً بـ «التوافقية المقررة ذاتياً»، وهي شكل من أشكال تقاسم السلطة لا تحدد فيه حصص الجماعات في السلطة، لكن يسمح بتحديد تمثيل كل منها بحسب نتائج الانتخابات.
  • 3. Brubaker, R. (2004). Ethnicity without groups: Harvard University Press.; Brubaker, R., & Laitin, D. D. (1998). Ethnic and nationalist violence, Annual Review of Sociology, 423-452; Chandra, K. (2012). Constructivist theories of ethnic politics. New York; Oxford: Oxford University Press; Dixon, P. (2012). The politics of conflict: a constructivist critique of consociational and civil society theories. Nations and Nationalism, 18(1), 98-121; Fearon, J. D., & Laitin, D. D. (1996). Explaining interethnic cooperation. American political science review, 715-735; Wimmer, A. (2013). Ethnic Boundary Making: Institutions, Power, Networks: Oxford University Press