الثمن الباهظ للتناقض في سياسات أنقرة

 

يكشف مسار العملية العسكرية التي ينفذها النظام بدعم روسي إيراني في إدلب، والأزمة الإنسانية الهائلة المرافقة لها، عن عدة وجوه للتناقضات التي تحكم مستقبل هذه المنطقة من سوريا، ومستقبل سوريا عموماً، فهذه الأوضاع التي يدفع أهالي إدلب ثمنها اليوم، جاءت نتيجة عوامل متعددة يقع في القلب منها ما يمكن تسميته بالتردد الاستراتيجي الذي سيطر على ردود الأفعال الدولية والإقليمية تجاه المسألة السورية.

وقد أظهر الموقف التركي طوال الفترة الماضية عجزاً عن الوقوف في وجه هذه الهجمة دون مساندة غربية، وهي المساندة التي كانت قد لعبت دوراً هاماً في الدفع باتجاه إيقاف العمليات العسكرية التي كانت موسكو عازمةً على البدء بها الخريف الماضي، وهو ما أدى إلى توقيع اتفاق سوتشي وقتها. إلا أن حصول أنقرة على دعم غربي حاسم لسياستها في سوريا اليوم يبدو أمراً بعيد المنال، لأن سياساتها طوال الفترة الماضية كانت صدامية مع الدول الغربية والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وذلك في عدة ملفات على رأسها ملف شرق الفرات وملف شراء منظومة الدفاع الجوي الروسي (S400)، لتكون النتيجة اليوم أن تقاربها مع موسكو في عدة ملفات يتناقض استراتيجياً مع المصالح الأميركية في المنطقة، ويؤدي إلى عدم اتخاذ واشنطن والدول الأوروبية موقفاً واضحاً، حتى بعد أن دفعت العمليات العسكرية التي تشنها موسكو أكثر من مليون نسمة إلى النزوح من بيوتهم نحو مناطق قريبة من الحدود التركية.

وكانت هذه التناقضات قد بدأت مع انخراط تركيا في مسار أستانا إلى جانب روسيا وإيران منذ 2017، في الوقت الذي لم تكن فيه تركيا جاهزة للتخلص عن حلفها الاستراتيجي مع واشنطن. وقد استخدمت تركيا نفوذها في سوريا للضغط على الجانبين، الروسي والأميركي، الأمر الذي حقق لها بالفعل عدداً من المكاسب السياسية، إلا أن الذهاب بعيداً في هذه السياسية لا يبدو أنه يمكن أن يحمل النتائج نفسها على المدى الطويل، بل يبدو اليوم أن أنقرة استنفذت رصيد هذه اللعبة الاستراتيجية، كما أن تركيز جهودها على مسألة القضاء على مشروع الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني قد أدى إلى إضعاف موقفها اليوم في إدلب، التي يبدو أنها لا تملك أي استراتيجية واضحة فيها، ما جعل استجابتها بالغة الضعف تجاه التحديات التي فرضتها العملية العسكرية الروسية الإيرانية الأسدية في المنطقة.

وعلى الرغم من الدعم العسكري الذي قدمته أنقرة لبعض فصائل المعارضة في بداية المعركة، وخاصة في شهري أيار وحزيران، إلا أن غياب الغطاء والدعم الدولي لجهودها تلك أدى إلى استمرار عمليات القصف الوحشية، التي أدت في النهاية إلى كسر خطوط الدفاع في المنطقة، ومن ثم سيطرة النظام على ريف حماة الشمالي وجزء مهم من ريف إدلب الجنوبي.

ويرجع ضعف الموقف التركي في مواجهة السياسات الروسية في سوريا إلى العام 2015، عندما ترددت واشنطن بدعم أنقرة في أزمة إسقاط الطائرة الروسية، وقبلها عندما سحب حلف شمال الأطلسي منظومة الباتريوت التي كان قد نشرها على الحدود الجنوبية لتركيا مع سوريا، وهو الأمر الذي أدى إلى تغيير أنقرة لموقفها من التدخل الروسي في سوريا، وإعادة بناء علاقاتها معها، وصولاً إلى ما يشبه التحالف في ملفات عديدة، وإلى شراء منظومة الصواريخ الروسية، وهو ما أدى بدوره إلى غضب واشنطن التي رأت في انقلاب حليفتها القديمة نحو إقامة علاقات عسكرية واستراتيجية مع موسكو إهانة غير مقبولة.

ورغم دخول أنقرة وواشنطن في عملية تفاوضية لإنشاء منطقة آمنة شمال شرق سوريا، فإن العلاقة بينهما لا تزال باردة على ما يؤكده التصاعد المستمر في التصريحات المضادة من الحكومة التركية. ويبدو أن وصول العلاقة بين واشنطن وتركيا إلى هذا المنعطف الحاسم سيؤدي في كل الأحوال إلى تراجع موسكو عن مراعاة المصالح التركية في ملف إدلب، لأن نجاح التقارب التركي الأميركي سيجعل موسكو غير مهتمة بالحفاظ على تفاهماتها مع تركيا في سوريا، والنتيجة نفسها ستحصل في حال انهيار التفاهمات التركية الأميركية أيضاً، لأن موسكو ستكون قد حققت أحد أهداف تفاهماتها مع تركيا في سوريا، الذي هو ضرب العلاقة الأميركية التركية على نحو لا رجعة عنه.

بغض النظر عن بدء مرحلة ثانية من المعارك في إدلب، أو الوصول إلى اتفاق ما بين أنقرة وموسكو، فإن ما بات واضحاً هو أن جميع التفاهمات بخصوص ملف إدلب ستكون مؤقتة، وستستخدمها موسكو فقط من أجل جرّ المعارضة السورية إلى المسار السياسي الذي تريديه، ومن أجل مزيد من تأزيم العلاقة بين تركيا والدول الغربية. وما لم تحدث معجزة تؤدي إلى عودة الدعم الأميركي والأوروبي سياسياً وعسكرياً لأنقرة وفصائل المعارضة في إدلب، فإن نتائج التطورات في هذه المنطقة أصبحت معروفةً للأسف؛ السوريون يدفعون الثمن لتناقضات الإقليم.

يبدو أن تأخر أنقرة في اختيار أحد الطرفين بشكل نهائي قد أفقدها القدرة على الاختيار أصلاً، وسيفقدها أكثر فأكثر إمكانية أن تكون حليفاً كاملاً لأي من الطرفين. وربما كانت الحكومة التركية تعتقد أنها قادرة على التصرف منفردة في الإقليم، لكن التطورات الأخيرة في إدلب، وعجزها عن الوصول إلى اتفاق مشابه لتفاهم سوتشي من دون دعم أوروبي وأميركي، يظهر بوضوح أنها ليست قادرة على هذا في الواقع، وربما ستضطر في النهاية إلى القبول بالشروط التي يمليها عليها أحد الطرفين، أو كلاهما.