الثورات العربية والثقافة المُحافِظة

 

هناك معضلة رافقت الثورات العربية، تتعلق بالثقافة السياسية وبالقيم الأساسية الناظمة لهذه الثقافة، الأمر الذي انعكس على التوجهات السياسية الأساسية للغالبية العظمى من الشرائح المنحازة إلى الثورة والمستفيدة منها. تتمثل هذه المعضلة في التناقض بين شعار الحرية الخاص بالثورة السياسية التي سعت الشعوب العربية إلى إنجازها، وبين الثقافة السياسية العامة التي حملتها الغالبية في الوقت ذاته. ثقافة سياسية معادية للحريات، أو على أقل تقدير تحمل شكّاً عميقاً وتوجساً من هذه الحريات وتسعى إلى تقليصها وضبطها. ثقافة سياسية تقلل من شأن وأهمية الحريات العامة والشخصية، وتسعى لضبطها باسم التقاليد والدين والأخلاق وتضييق -أو حتى إغلاق- المجال العام المفتوح للنقاش. هذه الثقافة هي ثقافة الثورة المضادة التي سعت لمواجهة الثورة وما أفضت إليه، وليس إلى تحقيق الثورة نفسهاـ وهو ما أشار إليه وسام سعادة مرة عند حديثه عن غلبة ثقافة الثورة المضادة على جمهور الثورة العربية.

يتمثل الجانب الأول من هذه الثقافة السياسية (ثقافة الثورة المضادة) بكونها محافظة اجتماعياً، بل ومتشددة في محافظتها، فيما يتعلق بفكرة الحريات الشخصية والمجال الخاص، سواء تعلق الأمر بأنماط السلوك الخاصة أو بالاعتبارات الأخلاقية التي تنظمها، وهو ما يتجلى في الموقف من النساء والمثليين والأقليات وأي تعبيرات عن الاختلاف. حتى أنها وصلت إلى حدود تقديس وتكريس أي رمز تعتقد الجماعة بأهميته، حتى لو لم يكن مقدساً داخل التقليد الذي تدّعي الجماعة الانتساب إليه، كما حصل مثلاً لدى نقاش شخصية صلاح الدين الأيوبي. وهذه الثقافة المحافظة، التي أتاحت لها لحظةُ الحرية التعبيرَ عن نفسها في المجال العام، سعت إلى فرض قيمها واعتباراتها الخاصة متوسلة في هذا الأغلبية وكل الوسائل التي قدمتها الثورة والحرية لها، بما هدد بإقصاء كل الجماعات التي لا تتبنى مثل هذه القيم، سواء من العملية السياسية نفسها أو من المجال العام.

قدمت الحالة المصرية خلال فترة حكم محمد مرسي مجالاً ممتازاً للنظر إلى تهديدات هذه الثقافة، فقد شهدت الحالة المصرية نقاشاً حامياً حول علاقة الدولة والدين والتشريع، بما يفضي إلى تحويل الأقباط إلى مواطنين من الدرجة الثانية، مع مناقشات مترافقة حول القوانين التي يجب أن تنظم بناء كنائسهم. ولم يقتصر الأمر على الأقباط، بل تناول أقليات أخرى مثل البهائيين والشيعة. كذلك ظهرت حملات طاولت الفنانات والمثليين وغيرهم في سعي إلى إضفاء جانب أخلاقي متشدد على الحياة العامة. وكل هذا تمّ بفضل لحظة الحرية التي أتاحت لهذه التيارات أن تعبر عن نفسها، فسعت هذه بدورها إلى تقييد الحرية وإخضاعها إلى نظام أخلاقي متشدد ومناهض للحرية والمساواة عموماً، بما يمثل تناقضاً مع فكرة الثورة التي حاولت أن تنظر إلى انتفاضتها من خلالها.

لا تقتصر المُحافَظة بالطبع على محافظة أخلاقية واجتماعية، بل ارتبطت بمحافظة سياسية وهي الجانب الثاني لهذه الثقافة. فلم يكن من الممكن تكريس المحافظة الاجتماعية إلا عبر تحويلها إلى مشروع سياسي متشدد في محافظته، إذ أحال المشروع الإسلامي إلى حكم الشريعة وليس إلى سيادة الشعب، الذي لم ينتظر منه سوى الختم على حكم الشريعة. وهو ما سيترافق مع بُعد طائفي وتمييزي مضمر في هذا المشروع، وكان الشيعة في مصر من ضحاياه (مقتل الشيخ الشيعي حسن شحاته والحملة التي شُنّت على الشيعة بوصفهم خطراً قومياً) كما الأقباط الذي يعانون بدورهم من تمييز سياسي مزمن.

بالطبع لم تنجح القوة الإسلامية الأكبر، الإخوان في مصر، في مواجهة هذا النزوع المتشدد، رغم أنها لم تتبن رسمياً مجمل هذه الدعوات، لكنها بالمقابل لم تفعل شيئاً في مواجهتها، خاصة أن غالبية من تبنوا هذا التوجه كانوا من جمهورها أو من جمهور حلفائها، الذين مثَّلَ التشددُ فرصة سانحة لهم لمنافسة الإخوان على الجمهور. وفي الحالة السورية، انهار الأمر تماماً تحت وطأة قمع النظام والانتقال إلى حرب أهلية على أساس عصبيات طائفية، لتصبح الفصائل الثورية تنويعة على مشاريع جهادية وطائفية صريحة. لكن الأمر ذا الدلالة في الحالة السورية، والذي يُعبّر عن خطر هذين البعدين المحافظين للثقافة السياسية الشعبية وقدرتها على بناء تحالف واسع حول الثورة، هو الفشل في اكتساب أيّ من الأقليات الدينية والطائفية والإثنية للثورة، وفي الموقف السلبي للطبقة الوسطى المدينية، السنية في غالبيتها، من الثورة.

المقارنة مع ربيع الشعوب 1848 تُظهر تبايناً لافتاً فيما يتعلق بالموقف من الحرية والقيم الأساسية الناظمة لثقافة الجمهور العريض من المنتفضين، فقد أقر النواب الألمان المجتمعون في فرانكفورت مساواة اليهود مع بقية المواطنين وإعطائهم حقوقهم، بينما شهدنا، كما في السياق المصري، شبح الإقصاء والتمييز والتضييق تجاه كل المهمشين والضعفاء والمختلفين.

بالتأكيد، ترافقت الثورات -كأي ثورات- مع توسّع هائل في الحريات، وما رافقها من توسّع المواضيع والمجالات التي يمكن مقاربتها بحرية، مع وجود كتلة حقيقية ثورية كانت تسعى إلى التحرر الاجتماعي والسياسي معاً، فجزء فعال من الثوار حمل قيم ليبرالية ونظر إلى الثورة بوصفها الطريق إلى تحقيق الحرية، فنوقشت علناً مواضيع تتجاوز السياسة ونقد الأنظمة الحاكمة، مواضيع لم يكن المرء ليتخيل طرحها بهذا الشكل قبل الثورات، من حقوق الأقليات إلى المثليين الجنسيين ونقد الدين. لكن الشريحة التي حملت هذه القيم بقيت محصورة في نطاق ضيق من جمهور الثورات العربية، في مقابل شريحة أوسع -وهي أيضاً ثورية وشاركت بفعالية في الثورة- تمثلت قيماً مناهضة ومعادية لهذه الحريات نفسها.

ما يُضاعف المعضلة في السياق العربي مقارنةً بالسياق التاريخي للثورات الغربية، هو التوسع الهائل لمضمون فكرتنا عن الحرية من زمن الثورات الأوروبية إلى زمننا المعاصر. فحين قامت الثورات الأوروبية لم تكن مواضيع مثل حقوق النساء أو المثليين قد طُرحت بعد على طاولة النقاش، فاقتصرت حقوق المواطنين على الذكور التي كانت بدورها مرتبطة بالضريبة والتعليم. بينما اليوم، تُعدّ حقوق المرأة والمثليين والأقليات، كما التصويت العام، جزءاً لا يتجزأ من تصوراتنا عن الحرية وحقوق الإنسان. بالمقابل فإن الثقافة الغالبة تشبه في جوانب كثيرة تلك التي قامت الثورات الأوروبية في مواجهتها. البون الشاسع بين الواقع والمرتجى اليوم، أكبر بكثير من مثيله الذي توجَّبَ على الثورات الأوروبية مواجهته، واحتاجت بدورها إلى ما يقرب القرن لردمه. هذا البون يزيد من وطأة المفارقة التي تجد الثورات العربية نفسها في مواجهتها.

يمكن للمقارنة بدورها إضاءة جزء من هذا التباين بين السياقين، فالثورات الأوروبية حصلت بعد قرن من التنوير (القرن الثامن عشر) وثورة العقل التي أُنجزت وقتها، وانتقلت من البرجوازية والنبلاء إلى جمهور واسع تمثَّلَ هذه القيم؛ بالمقابل فإن الثورات العربية حصلت بعد نصف قرن من هيمنة الحركات الإسلامية وثقافة الهوية والأصالة ضد التنوير والحداثة، وهي هيمنة أتت كنتيجة -وهذه مسألة شديدة الأهمية- لفشل الدولة الوطنية في تحقيق وعودها بالتنمية والتحديث والمساواة، حيث انتهت إلى دولة فاسدة ومستبدة وفاشلة تقوم على قمع شعبها باستخدام خطاب التحديث والتنوير.

لم تكن هيمنة ثقافة محافظة ومعادية للتنوير نتيجة تراث ما، بل هي ناتجة عن سياق معاصر هو سياق فشل الدولة الوطنية وتحولها إلى دولة مستبدة وفاشلة. ولا يعني هذا تعليق الثورة السياسية بانتظار ثورة ثقافية ما، ثورة في الرأس، وهو الادعاء الذي عادة ما يُستخدم لتبرير الاستبداد السياسي. لكن من المهم إظهار الترابط بين السياقين، السياسي والثقافي، فسؤال الثورة السياسية يبقى متعثراً إذا لم ترافقه ثقافة سياسية متسقة.

يمكن صياغة المعضلة التي تواجهها الثورات العربية في أن الثقافة السياسية للجزء الأكبر من الشعب صاحب المصلحة بالثورة، والتي لا يمكن تصور نجاحها بدونه، هي ثقافة محافظة في جوهرها، بما يضعها في مواجهة مباشرة مع الجماعات الأخرى التي هي بدورها تملك مصلحة أساسية في القيام بهذه الثورة والتخلص من الاستبداد والقمع والفساد. جمهور كبير سيتحدث باسمه محمود شعبان وحسين يعقوب وخالد العبد الله وحزب النور السلفي وهلم جرّا. بتعبير آخر، من يفترض أن يواجههم المرء لكونهم في صفوف الثورة المضادة، سيراهم عوضاً عن هذا في صفوف الثورة نفسها. وعليه، فالشعب الذي عليه أن يقوم بالثورة، تهيمن عليه ثقافة سياسية محافظة معادية للحريات وقيم الثورات نفسها، يمكن أن تستخدم في لجم العملية الثورية وتعطيلها.

وهنا يمكن إضافة ملاحظة دالّة، وهي أن الأنظمة العربية في سياق تبرير ثورتها المضادة لا تتبنى ثقافة محافظة (ثقافة ثورة مضادة كلاسيكية)، بل تقدم نفسها بوصفها خط الدفاع الأخير عن قيم الحرية والحداثة والتقدم. نظام السيسي، مثلاً، يسعى لتأمين كوتا للجماعات المهمشة والأضعف تمثيلاً (الأقباط والنساء) ويقود حملة عقلنة الخطاب الديني وتحديثه، وطبعاً بمعزل عن كامل انتهازيته ونفعيته في التعامل مع هذه المواضيع.

في بلد مثل سوريا، قد يجد أحد أبناء الطبقة الوسطى نفسه، وهو صاحب مصلحة جدية في الثورة على الدولة العربية المستبدة والفاسدة، في مواجهة المعضلة التالية: ربما يستطيع أن يقضي يومه ببساطة مع «شبيح» يرغب بالثورة عليه، لكنه قد لا يستطيع أن يقوم بالشيء ذاته مع «ثوري» من المتمردين على النظام. فالنظام يترك له كامل «حريته الشخصية» لفعل وقول ما يرغب طالما لا يتدخل بالسياسة، بالمقابل فإن النسبة العظمى من الثائرين على النظام يسعون لضبط وتقييد كل ما يعتبرونه شأناً خاصاً يطاول ملبسه ومأكله وطريقة حياته وإخضاعها لما يعتبرونه حقاً، والذي هو خاضع بدوره للتقاليد والدين.1

إن الشبح الذي يخيم على الثورات العربية ليس شبح ربيع الشعوب، كما تقترح تسمية الربيع العربي، بل شبح الثورة الإيرانية. لكن من يرغب بثورة إيرانية! إن شبح الثورة الإيرانية لن يعني سوى أن يتحالف كل الذين يشعرون بتهديد هذا الخيار ضده، وهو ما حصل أيضاً في مصر. يضاف إلى هذا خصوصية السياق الإيراني التي لن نجدها لدى العرب، بما يجعل من إمكانية ثورة شبيهة بتلك الإيرانية أمراً مستبعداً تماماً.

  • 1. أدين بهذه الملاحظة للنقاشات مع الصديق سومر المير محمود