الجامعة النازحة

 

بدأت أعمال الفصل الدراسي الثاني في جامعة حلب الحرة في السادس من نيسان/إبريل الماضي، ومنذ أيامه الأولى راحت تظهر بوضوح آثار سيطرة مجلس التعليم العالي في إدلب على مقرات الجامعة بريف حلب الغربي وإدلب، إذ رفض الآلاف من طلاب الجامعة في هذه المناطق تلك السيطرة، ورفضوا الانخراط في أي عملية تعليمية تحت إشراف المجلس المرتبط بحكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام، ليبدأ بذلك ما بات يصفه الاتحاد الوطني لطلبة سوريا الأحرار بأنه عملية «تهجير» للطلبة إلى مقرات الجامعة الأخرى في ريف حلب الشمالي، وهو ما أدى إلى عرقلة التحصيل العلمي، وزيادة الأكلاف المالية والجسدية على الطلبة، خاصة أن المقرات الجديدة غير مؤهلة لاستقبال أعداد كبيرة من الطلاب، كما أنها تفتقر إلى كثير من الوسائل والمخابر التعليمية، بعد أن رفض مجلس التعليم العالي في إدلب السماح لإدارة جامعة حلب الحرة باصطحاب هذه المعدات إلى المقرات الجديدة.

لمحة عن جامعة حلب الحرة

تأسست «جامعة حلب في المناطق المحررة» بداية العام الدراسي 2015-2016، لتكون أول جامعة رسمية تعمل تحت إشراف وزارة التعليم العالي في الحكومة المؤقتة، وتوزعت كلياتها ومعاهدها في مختلف المناطق الخارضعة لسيطرة فصائل المعارضة آن ذاك: حلب، إدلب، ريف دمشق، حمص، اللاذقية، إضافة إلى معاهد في لبنان ومركز امتحاني في تركيا.

وضمت الجامعة ثمانية عشر اختصاصاً علمياً، توزعت على اثنتين وأربعين كلية ومعهداً في مختلف المناطق، إضافة إلى ستة أفرع لطلاب الدراسات العليا، بعشرة اختصاصات، ضمت اثنين وسبعين طالباً في العام 2018.

تخرج من الجامعة في العام 2018 ستمائة وأربع وعشرون طالباً في الدورتين العادية والاستثنائية، وطالبي دراسات عليا بدرجة الماجستير في الرياضيات والهندسة الكهربائية. وتدرّس الجامعة المناهج المعتمدة في جامعة حلب التابعة لحكومة النظام مع بعض التعديلات، وتضم في صفوفها عدجداً كبيراً من الكوادر التدريسية المؤهلة، بواقع سبعة وثمانين مدرساً من الحاصلين على شهادة الدكتوراه، ومئة واثنين وخمسين من الحاصلين على درجة الماجستير واثني عشر معيداً، ومئتين وتسعة وعشرين مدرساً من حملة الإجازة الجامعية. وتعتمد الجامعة في قبولها للطلبة على نظام المفاضلة العامة، وتتراوح نسبة الرسوم بين 50 إلى 200 دولاراً بحسب المعاهد أو الكليات.

بين المؤقتة والإنقاذ

اصطدمت جامعة حلب الحرة بمجلس التعليم العالي في إدلب منذ تأسيسه في منتصف العام 2017، وذلك بعد ان قام الأخير بفرض إبراهيم حمود، المفصول من جامعة حلب نهاية العام 2017، كرئيس للجامعة، في خطوة عدّها الدكتور عماد خطاب، نائب رئيس الجامعة آنذاك، محاولة للاستيلاء على الجامعة وفرض تبعيتها للمجلس بالقوة. وقد تم على إثر ذلك نقل مقر الجامعة من مدينة إدلب إلى قرية بشقاتين في ريف حلب الغربي.

ومع سيطرة هيئة تحرير الشام على المنطقة بداية العام الحالي، تعمقت هذه الخلافات من خلال فرض مجلس التعليم العالي في بيان له إتباع جامعة حلب إدارياً لجامعة حلب الشهباء الخاصة، وإغلاق جميع الجامعات غير المرخصة لديه وإحالتها إلى القضاء المختص أصولاً، وإحالة أعضاء الهيئة التعليمية إلى مجلس تأديبي حسب العائدية للجامعة المعينين فيها، وذلك لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة بحسب البيان الصادر عنه في 27/1/2019.

شهدت تلك الفترة احتجاجات ومظاهرات من قبل الطلبة الرافضين لهذه التبعية، دعت إلى كفّ يد المجلس وحكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام عن القطاع التعليمي، مطالبة بفصل التعليم عن التجاذبات والخلافات السياسية. وتوسعت هذه الاحتجاجات لتطال قائد هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ ورئيس مجلس التعليم العالي، الذي تعامل مع قضية الطلبة باستعلاء وإهانة، واضعاً يده على مقرات الجامعة ومعداتها ومؤكداً، في مقطع فيديو متداول، إجبار الطلبة على الانصياع لقرارات المجلس أو ترحيلهم بـ «الباصات الخضراء»، في إشارة منه لما ارتكبته قوات الأسد من تهجير قسري بحق المدنيين في مختلف المناطق السورية المعارضة بعد السيطرة عليها.

لم تفلح احتجاجات الطلبة، ولم تجد أذناً صاغية، ما دفع الحكومة المؤقتة ورئاسة الجامعة إلى إصدار قرار يقضي بنقل مقرات الجامعة إلى مدينتي إعزاز ومارع في ريف حلب الشمالي، كحل بديل يبعدها عن مناطق نفوذ المجلس وحكومة الإنقاذ، ويضع الطلاب أما خيارين «أحلاهما مرّ»، فإما القبول بالانتقال وتسوية أوضاعهم والانضمام إلى جامعات تابعة لمجلس التعليم العالي في إدلب، أو تكبد الأكلاف المادية والجسدية لإكمال تحصيلهم العلمي في المقرات الجديدة.

امتصاص الصدمة

توزعت مقرات كليات جامعة حلب الحرة بعد انتقالها على مدينتي إعزاز ومارع بريف حلب الشمالي، إذ ضمت مارع كلّيتيّ الطب البشري والصيدلة، فيما ضمّت إعزاز باقي الكليات، وهي كليات الهندسة بفروعها المختلفة، وكليات العلوم والاقتصاد والتربية والآداب والعلوم السياسية والحقوق والشريعة، إضافة إلى عدد من المعاهد التقنية.

img-20190424-wa0054.jpg

من مخبر كلية الطب في مارع
من مخبر كلية الطب في مارع

يقول الدكتور ضياء الدين قالش، نائب رئيس جامعة حلب الحرة لشؤون الطلاب والشؤون الإدارية، إنه سبق لعدد طلاب جامعة حلب الحرة أن وصل إلى أحد عشر ألف طالب وطالبة، لكن هذا العدد راح يتراجع مع أعمال التهجير القسري الذي مارسته قوات النظام مع سيطرتها على مناطق كانت خاضعة لفصائل المعارضة، حتى بلغ في بداية العام الدراسي 2018/2019 نحو 7500 طالباً وطالبة. ثم تراجع هذا العدد مجدداً مع  سيطرة هيئة تحرير الشام على ريف حلب الغربي وإدلب، ووضع يدها على مقرات الجامعة في معرة النعمان وكفر تخاريم وريف حلب الغربي، حتى بات عددالطلاب الحالي يقارب 5000 طالب وطالبة، منهم 3500 قدموا من مناطق سيطرة الهيئة.

ويرى الدكتور جواد أبو حطب، عميد كلية الطب في الجامعة، أن إدارة الجامعة استطاعت امتصاص الصدمة الناتجة عن انتقال طلاب كلية الطب من كفرتخاريم إلى مارع، والذين يزيد عددهم عن 400. ويتوقع أبو حطب أن يتزايد هذا العدد في الأيام القادمة، خاصة أن عدد طلاب كلية الطب سابقاً كان يقارب ألف طالب وطالبة، وقد تمّ تجهيز 17 قاعة صفية في مدرسة الصناعة بمارع لاستيعاب هذه الأعداد، إضافة للمخابر التي وصفها بـ «المكتملة». وقد بدأت الكلية بتدريس منهاجها النظري، إضافة إلى التدريب العملي في مشفى مارع، وسيتم في مرحلة لاحقة الاستفادة من المشافي الأخرى المتواجدة في المنطقة للتدريب السريري.

img-20190424-wa0046.jpg

من مخبر كلية الصيدلة في مارع
من مخبر كلية الصيدلة في مارع

أما فيما يخص كلية طب الأسنان، فلم تتمكن إدارة الجامعة من نقلها، وذلك بسبب استيلاء مجلس التعليم العالي في إدلب على المعدات المتواجدة في مقر الكلية بكفر تخاريم، والتي يزيد سعرها عن 400 ألف دولار، ومنعه كادر الجامعة من اصطحابها معهم إلى ريف حلب الشمالي، وذلك بحسب الدكتور جواد أبو حطب.

الطلّاب دون سكن وعلى الطرقات

يقول عبدو محمد عبيد، وهو طالب في كلية الاقتصاد من مدينة الأتارب، انتقل إلى إعزاز مؤخراً لإكمال دراسته، إن صعوبات عديدة رافقت الطلاب منذ انتقالهم، أهمها طول المسافة وصعوبة المواصلات؛ يشرح عبيد: «تبلغ المسافة بين ريف حلب الغربي وإعزاز نحو 200 كم، ويحتاج الطالب في أفضل الأحوال إلى خمس أو ست ساعات يومياً لقطعها، وهو ما يحول دون وصوله في الوقت المناسب لحضور المحاضرات، ناهيك عن التعب الجسدي الناتج عن السفر يومياً».

وتبلغ كلفة الوصول والعودة ما يقارب أربعة آلاف ليرة سورية يومياً، وهو مبلغ يستحيل على أغلب الطلبة تأمينه، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشها السكان، ما سيضطر عدداً ليس بقليل منهم للتخلي عن تحصيلهم العلمي، أو الموافقة على الانتقال للجامعات التابعة لحكومة الإنقاذ في المنطقة، والتي وصفها عبيد بـ «الجامعات العاملة تحت مظلة عسكرية، والتي لن تحظى باعتراف أحد».

لا تقتصر صعوبات التنقل على طول المسافة والأكلاف المادية، ولكن أيضاً في الوقوف على الحواجز العسكرية المنتشرة، بالإضافة إلى أن الطرق غير مؤهلة جيداً وتشهد ازدحاماً شديداً. يقول جميل عساف، وهو طالب تمريض من قرية كفرحلب: «الطريق عبارة عن خط نقل لشاحنات العبور، ولا يمكن لسائق الحافلة تجاوزها ما يضطرنا للسير خلفها، وغالباً ما يتم إيقافنا على الحواجز وانتظار الطابور الطويل للمرور، وهكذا تضيع المحاضرة الأولى وربما الثانية على  معظم الطلبة، ناهيك عن الإرهاق والتعب».

تتراوح إيجارات المنازل في إعزاز، إن وجدت، بين 150 و200 دولاراً، وهو ما يبعد فكرة استئجار الطلبة لمنازل في المنطقة، إلّا أن بعضهم قام باستئجار مساكن جماعية يتقاسمون أكلاف إيجارها. يقول العساف، الذي قام هو وتسعة من أصدقائه باستئجار منزل بمبلغ 150 دولاراً شهرياً: «المبلغ كبير جداً حتى بعد تقسيمه على المجموعة، ناهيك عن تكاليف الطعام والشراب وغيرها من الأساسيات اللازمة. على الجامعة أن تجد حلّاً!».

يزداد الأمر سوءاً فيما يخص الطالبات، ومن بينهنّ أمينة من معرة النعمان، التي رفض أهلها السماح لها بمتابعة دراستها بالرغم من وصولها إلى السنة الثانية من كلية التربية. تقول إنها تحتاج لأكثر من عشرة ساعات للوصول إلى جامعتها، وإن أهلها لا يملكون القدرة المادية لاستئجار منزل في إعزاز: «كل السنوات التي قضيتها في الدراسة ذهبت هباء». ولا تحمّل أمينة مسؤولية تركها الدراسة لذويها، إذ تقول «الأوضاع المعيشية قاسية، وكل ما نحصل عليه من عمل والدي لا يكفي أجرة طريق لجامعتي». تضيف أمينة أن حالها ينطبق على كثيرات غيرها، إذ أنها تعرف ما يزيد عن عشرين طالبة كنّ يدرسن معها وتركنَ الجامعة، وتظن أن الأمر نفسه يحصل في معظم الكليات الأخرى.

حلول إسعافية ووعود مؤجلة

حصل الطلاب على وعود من رئاسة الجامعة بتأمين سكن جامعي، وخط للمواصلات بين ريفي حلب الغربي والشمالي لتسهيل وصولهم، إلّا أن هذه الوعود لم تدخل حيز التنفيذ سوى في بعض الكليات، وبأعداد قليلة جداً. يقول من التقيناهم ممن حالفهم الحظ «إن السكن المتوفر لا يرقى إلى الجودة المطلوبة، فالمنزل مكون من غرفتين يسكن فيه ما يقارب 17 شخصاً، إضافة إلى عدم وجود أمكنة للدراسة أو حدائق في المنطقة، ما يضطرهم للجوء إلى المساجد للكتابة والدراسة».

وفي هذا الصدد يقول الدكتور ضياء الدين قالش «إن الجامعة تعمل على مساعدة الطلبة في حل هذه المشكلات، وإنها بدأت بتأمين السكن على مراحل، طالت المرحلة الأولى منها طلاب الكليات العلمية التي تضم تدريباً عملياً، إضافة إلى أن الدوام فيها إلزامي؛ وفي مراحل لاحقة سيتم تأمين السكن لباقي الكليات». أما عن تأمين المواصلات فيكمل «إن رئاسة الجامعة تقوم بدراسة مسألة تأمين مواصلات للطلبة خاصة في فترة الامتحانات، والتي ستكون في شهري تموز وآب القادمين، نظراً للأعداد الكبيرة من الطلاب الذين يُتوقَّعُ حضورهم لتقديم امتحاناتهم، وتجنباً لأي تأخير أو عوائق تحول دون وصولهم في الوقت المناسب».

من جهته قال عميد كلية الطب إنه تم، وبمساعدة المجلس المحلي في مارع وإعزاز وبعض المنظمات الإنسانية، تجهيز عدد من الكرفانات أو المباني لاستخدامها كسكن جامعي لكليتي الطب والصيدلة، مؤكداً على السعي لحل المشكلات التي تعيق التحصيل العلمي للطلبة.

ويطالب طلبة الجامعة المسؤولين والمنظمات الإنسانية بإيجاد حلول جذرية وجدية لمشكلاتهم، سواء فيما يتعلق بالسكن والمواصلات، أو شراء المقررات والمناهج وتخفيض الرسوم، إلّا أن الدكتور أبو حطب يقول إن الجامعة «واقعة أصلاً في عجز مالي يتجاوز ربع الأكلاف الإجمالية»، مضيفاً أن عدداً من منظمات المجتمع المدني والهيئات المحلية تقوم بتغطية نصف التكلفة، أبرزها منظمة تعليم بلا حدود «مداد»، وهي الشريك الأساسي للجامعة منذ نشأتها، إضافة إلى دعم يأتي من منظمة رحمة ومنظمة لايف ومن المجالس المحلية، فيما تتم تغطية ربع التكلفة من الرسوم التي تتقاضاها الجامعة من الطلبة.