الخالصين

 

خلصَ يخلص خلوصاً وخلاصاً فهو خالص، والجمع للمذكر «خالصون وخُلَّص»، وللمؤنث: «خالصات»، مع اختلاف المعنيين بالعامية للمذكر والمؤنث  في بعض الأحيان، واتفاقهما في أحيان أخرى، وذلك معروف تماماً لمن يعرف العاميّة السورية. و«خالص» هو الصرفُ من المعادن، والناصع من الألوان، والحلال من الشيء، والنقي من النَسَب، والسليم من النية، والبراءة من الدَّين، والنقي من الذهب، والموجز من الكلام، والراحة من التعب، والنجاة من الهلاك، لكن كلمة خالص تجمع أيضاً إلى ما سبق معانٍ متنوعة استُخدمت كثيراً في السنوات الأخيرة من قبل كثير من السوريين على تعدد فئاتهم، وغالباً ما يستخدمها السوري وهو يضرب كفّا بكف، أو يمطّ حروفها مع نغمة حزينة؛ يتابع أحدهم الأخبار على وسائل التواصل والتلفزيون ثم يصفن قليلاً ويقول متنهداً: خالصْ؛ يقوم المسعف بسحب جسد أم لثلاثة أطفال من أسفل مبنى منهار بفعل طائرة روسية، ثم ينظر بوجه حزين لمن هم حوله ويقول لهم: خالصْ؛ يمشي شخص فقد أطفاله وبيته وعمله وترك مدينته وهو يتحدث مع نفسه بصوت عالٍ  في الشارع، فيحوقل أصحاب الحارة الذين يرونه كل يوم ويقولون: خالصْ؛ ترفع امرأة سماعة التلفون لتسمع جواباً عن وضع ابنها المفقود منذ سنوات، فتسمع الرّد من الجهة المقابلة: خالصْ؛ يسأل الرجل عن بيته الذي تركه منذ سنوات في حارته القديمة، ليجيبه آخر شخصٍ رأى البيت: خالصْ؛ يسأل أحد الثوار وقد وَجَدَ نفسه مع أصدقائه وهم يخلون قريتهم بعد رباط سنين فيها: أين الذخيرة لنكمل؟ فيأتيه الجواب حازماً: خالصْ؛ يبكي مجنون الحارة الذي أصبح مجنوناً لحارة أخرى حين يلاحقه الأطفال وهم يصفقّون خلفه وينعتونه بالمجنون، فيقول الناس عنهم وعن المجنون: خالصْ. وهناك كلمات «خالصون/ خالصات» كثيرة، يأتي العديد منها مثل فأس تقطع رأس الحقيقة والحق والعدل والذي يجب أن يكون، ولكنّه لم يكن، لذا لا يمكن أن نقول إنّ أحداً منا بمنجى من هذه الكلمة المريعة التي تنسحب على حالة معظم السوريين على امتداد العصفورية السورية، وعلى امتداد دول اللجوء التي جمعت أبناء هذه العصفورية.

خالص، يخلص وتخلص و«خلصِتْ»، وهي الكلمة الأكثر شهرة بين السوريين، والتي كان الموالون للنظام يستخدمونها سابقاً بكثرة، للدلالة على انتهاء الثورة ضد رئيسهم وعلى فوزه وفوزهم، وعلى سحق خصومهم وقتلهم وتهجيرهم وتشريدهم واعتقالهم وسلبهم وإهانتهم وذلّهم، وعلى إعادة الأمور لنصابها كما يرونها باعتقادهم. و«خلصت» أيضاً كلمة يستخدمها المعارضون للتندر على كلام الموالين الذي سبق، لكن الكلمة بهتت بمعناها السابق، وأصبحت منذ سنوات مستخدمة من الجميع للدلالة على خراب كل شيء، حيث يتم الاتفاق هنا أن ضمير التاء في كلمة «خلصت» يعود تحديداً على سورية، هل من داعٍ لذكر الجملة الشهيرة: «سوريا خلصت والأزمة بخير!»، مع وضع خط تحت كلمة «أزمة» التي لها حديث طويل آخر. تقول إحدى الأمهات حين تسمع هذه الكلمة: «أي انشالله تخلص روحه»، وضمير الهاء اللاحق بالروح يعود على رأس الفتنة، أو كما يقال على الثور الكبير، أو بوضوح أكثر على من يسمى ظلماً وعدواناً «رئيس الدولة السورية».

خالص وخلصت، والخلاص، وهو الانعتاق والتحرر والانتقال من وضع متعب إلى وضع مريح، وهي تعني بالعامية المصرية كفى، أو النهاية من أمر ما. والخلاص أيضاً هو أمرٌ يبحث عنه السوريون منذ سنوات ولا يجدونه، لذا أصبح كثيرون منهم يبحثون عن «الخلاص» الذي يناسب كلّاً منهم؛ خلاصُ المؤيدين في انتهاء الحرب، وعودة أبنائهم من الجبهات، والحفاظ على مكتسباتهم، وهزيمة خصومهم وسحقهم، ولو بالكيماوي؛ بينما خلاصُ المعارضين يختلف بحسب ما يريده كلٌّ منهم، ويأتي بدايةً في سقوط النظام الذي قتلهم وشردهم واعتقلهم ودمر بيوتهم، ثم بعد ذلك تختلف أقوال الخلاص بحسب أدلجات من يريدون الخلاص التالي لسقوط نظامهم. خلاصُ الانتهازي من جميع الأطراف هو تحقيق مكاسبه الشخصية؛ خلاصُ الأم هو عودة أبنائها من الجبهة، أو معرفة أين هو ابنها وفيما إذا كان حيّاً، ومعرفة مكان جثمانه إذا كان ميتاً؛ خلاص المهجّرين بالعودة إلى بيوتهم؛ خلاص اللاجئين هو الحصول على جنسية البلد الذي يقيمون به؛ وخلاص المعتقلين في السجون في إطلاق سراحهم أو موتهم السريع بأقل ما يمكن من ألم ولقاء وجه ربهم، وهو من أشدّ أنواع الخلاص.

وأخيراً هناك الخُلاصة، وهي زبدة الكلام وموجزه، ونادراً ما نجدها عند الحديث عن الثورة السورية وأحداثها وآلامها، حيث لا يمكن إيجاز سرديات الدم والقهر والموت والنزوح والتهجير والغارات ومعارك الكرّ والفرّ، وتدخُّلِ كل من يعنيه ومن لا يعنيه الأمر في حدوث ذلك كله. وكخلاص أخير وخُلاصة حياة أخيرة، قرَّرَ رجل حمصي خمسيني في الثاني والعشرين من شهر شباط الماضي أن ينهي حياته، من خلال رمي نفسه من شرفة منزله، بعد أن نطق بضع كلماتٍ أبدعت مخيلة الحمصيين في تخمينها، وكذلك فعل شاب آخر قبله، حين فجَّرَ نفسه بقنبلة منهياً بذلك حياته. قيلَ إن الشاب كان يعاني من اضطرابات نفسية، ولن يُعرَف أبداً السبب الحقيقي وراء انتحارهما، لأنه لا يمكن توثيق أي حادثة من هذا النوع على حقيقتها في أي مدينة سورية، كما لا توجد دراسات جادة عمّن يرتكبون فعل «خُلاصة» الحياة والخلاص منها؛ الانتحار الذي تنبذه الأديان السماوية، وتطلبه النفوس البشرية أحياناً عند صعوبة الأحوال الدنيوية. يقول البعض إن معدلات الانتحار بين السوريين قد زادت بدليل ما يتم تناقله من أخبار، بينما يجادل البعض في ذلك مؤكدين أنه لا زيادة في هذا المجال؛ ولكن إذا كانت معدلات الانتحار بين السوريين لم ترتفع، فإننا لا نستطيع أن نقول إن هذا ناتجٌ عن حبّهم للحياة التي يعيشونها، أو تعلّقهم بها، بل لعلّه التسليم بما يحدث، أو لعلّه الاستسلام، أو لعلّها الشجاعة، من يدري؟

قبل أن يتوفى الفنان المصري محمود المليجي، كانت آخر جملة قالها وبَدَت كما لو أنها رسالته الأخيرة: «الحياة دي غريبة جداً»، ثم شرب فنجان قهوة وأطلق الروح؛ حينها قال له عمر الشريف الذي كان حاضراً: «إيه يا محمود؟ خلاص؟» وبالفعل كان الخلاص. وحين قررت إحدى السوريات «الخلاص»، مزجت مساحيق عدة أدوية منتهية الصلاحية ووضعتها في زجاجة، وانتظرت أن يأتي الوقت الملائم لكي تشربها، وعندما لم يأتِ هذا الوقت، أو بالأصح عندما شعرت أن كُلَّ وقت يصلح لأن تشربها، تراجعت عن الأمر، وانتظرت أن يأتي الخلاص بنفسه إليها بدل أن تذهب هي إليه. ربما يكون هذا دأب كل السوريين الخالصين والخالصات، الباحثين عن الخلاص والباحثات عن الخلاص، وخُلاصة القول إن هذا المقال الخالص، يخلصُ هنا.