الدائرة المفرغة للعنف

تم إنتاج هذا الملف ضمن برنامج جندر رادار، حُرر ونُشر بالتعاون بين الجمهورية.نت ومؤسسة شبكة الصحفيات السوريات.
الصحفيات المساهمات في الملف:
رولا عثمان، نعمة علواني، آڤين شيخموس، هادية منصور، لمى راجح، ضحى عاشور، علا الجاري، وبإشراف رؤى الطويل، مديرة برنامج جندر رادار1.

  • 1. يهدف جندر رادار إلى توضيح طرق تمثيل ومشاركة الجنسين في المؤسسات الإعلامية السورية والكشف عن الأنماط الإعلامية التي ترسخ علاقات القوى وتعزز الأدوار النمطية بین الجنسین.

مقدمة

يُعرَّف العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي بأنه «أي عمل من أعمال العنف البدني أو النفسي أو الاجتماعي بما في ذلك العنف الجنسي، الذي يتم ممارسته أو التهديد بممارسته مثل العنف، أو التهديد، أو القسر، أو الاستغلال، أو الخداع، أو التلاعب بالمفاهيم الثقافية، أو استخدام الأسلحة، أو استغلال الظروف الاقتصادية»1. من الأمثلة على ذلك نذكر التلطيش والتنمّر والاستقواء، والابتزاز الجنسي، والتلاعب العاطفي (بما في ذلك عبر العالم الافتراضي)، وتزويج الطفلات، والاغتصاب (داخل وخارج مؤسسة الزواج)، ووجود قوانين تمييزية تساهم في تعزيز أو تجاهل الممارسات المؤذية والمجحفة بحقوق الفئات الأكثر عرضة للاستضعاف كالنساء والأطفال ومجتمع الميم (مثليو ومثليات الجنس، وعابري/ـات الجنس)، بما في ذلك غياب منظومة ردع وحماية مناسبة وفعّالة.  

كثيراً ما تتداخل أنواع العنف وأشكالها، فالتحرش اللفظي قد يُمارس بشكل الكتروني ويسبب الأذى النفسي للمتحرَّش بها/به، وأحياناً يلعب دوراً في التحريض على العنف الجسدي والجنسي. ولتزويج الطفلات، على سبيل المثال، آثار سلبية على الصحة الجسدية والجنسية والعقلية للطفلات والأطفال، بالإضافة إلى الانتهاكات المتعلقة بالحرمان من حق التعلّم واللعب. ويكاد يكون صعباً حتى فصل العنف المنزلي في المجال الخاص عن العنف في المجال العام، الممارس من قبل المجتمع والسلطات السياسية والعسكرية.

التجربة الخاصة العامة، الصمت المتواطئ والمجاهرة الفخرية

على مدى سنوات، كثيرةٌ هي المواقف التي تعرضتُ فيها للتحرش سواء اللفظي وأحياناً الجسدي، في الطرقات والأماكن العامة والمواصلات والجامعة، ولطالما كنتُ أفضّلُ السكوت خوفاً من ملامة المجتمع لي، ظناً مني أنني المسؤولة عن تعرضي للتحرش، حيث نشأتُ في بيئة اجتماعية تميل إلى غض النظر عن المعتدي ولوم المُعتدى عليه طالما كان الأخير امرأة. عندما انطلقت حملة «وأنا أيضاً» (Me too)عام 2017، وبدأت آلاف النساء حول العالم بمشاركة تجاربهنَّ عن التحرش الذي تعرضنَ له، وما تلى ذلك من شهادات ذكور عن تحرّش عاشوه أو قاموا به، أدركتُ الانتشار الواسع لتلك الممارسات المقيتة، والأهم أدركت أهمية البوح ومشاركة تجاربنا، بالإضافة إلى تسمية المتحرّش والحديث علناً عنه.

تعتبر أغلب المجتمعات جسديَ الأنثوي ملكيةً عامةً وخاصةً معاً، فيستبيح المجتمع جسدي ويمارس رجال عائلتي السلطة عليه في الوقت نفسه، ويبدو في كلا الحالتين أنني الوحيدة التي لا ملكية لي به أو عليه، بالإضافة لاعتباره رمزاً لشرف العائلة أو القبيلة التي يتزعمها الرجال، فتُفرَضُ عليه شروط ومعايير عن طريق العادات الاجتماعية والقوانين التي غالباً ما يسنّها رجال، وهذه العصبية والإحساس بالملكية والأحقية بجسدي الأنثوي تؤدي إلى جعلي هدفاً للرجال بشكل عام، ويكون ذلك يومياً عن طريق العنف المنزلي وعنف الشريك والاغتصاب والتحرّش، وخلال النزاعات عبر العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي على مستوى ممنهج وأوسع.

في معظم الحالات، ينشأ الذكر في المجتمعات الأبوية، ومن ضمنها مجتمعاتنا، مؤمناً أن في ممارستي لحقوقيَ الإنسانية الأساسية وحريّتي إهانة لذكوريته وتلطيخاً لـ «شرفه»، وأنشأ أنا مسلوبة الإرادة والرأي وحريّة الاختيار، أخضع لعملية من الترويض، غالباً من خلال ممارسة أشكال العنف المختلفة عليَّ للقبول بتبعيتي أو على أقل تقدير التعايش مع هذا القهر، الأمر الذي قد يبدو الطريقة الوحيدة لضمان سلامتي في المجتمع حتى وإن عنى ذلك طمس إمكانياتي، واختزال كياني كملكية عصبية وأداة إنجاب فقط، وربط قيمتي بما أقدمه من خدمات وطاعة لـ (ذكور) العائلة (من خلال ملكية الأب والأخ للبنت، ومن بعدهما الزوج)، فلا هويّة لي خارج هذا الإطار. بالطبع، حيث يوجد القمع تنشأ المقاومة، فأرفض، كما كثيرات غيري، تلك المعادلة غير العادلة، ونناضل معاً لفتح مساحات أخرى خارج إطار ثنائية الحقوق أو الأمن.

كثيراً ما يتم التعاطي مع العنف الجنسي على أنه قضية تخصنا، النساء، وحدنا. هذا الطرح إشكالي لسببين، الأول تعرُّضُ كثير من الرجال، رغم ضآلة نسبتهم مقارنة بالنساء، للعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي سواء من قبل ذكور أو إناث، وفق ما أشار تقرير بعنوان «التدمير من الداخل.. العنف الجنسي ضد الرجال والفتيان في سوريا وتركيا»2 جاء فيه أن الأمم المتحدة قد وثقت التعذيب الجنسي المنهجي للرجال والفتيان في مراكز الاحتجاز من قبل القوات النظام السوري، بين سبتمبر 2017 ويوليو 2018، من خلال إجراء مقابلات مع 66 شخصاً من أدلوا بشهادتهم.  ثقافة الصمت والصور النمطية التي تعزو القوة والبأس للذكور من شأنها دفع الذكور المُعنَّفين، أطفالاً وبالغين، إلى الكتمان وعدم الحديث عن مثل هذه التجارب، وبالتالي عدم الوصول إلى المساعدة المناسبة.

السبب الثاني لإشكالية هذا الطرح هو حقيقة أن النسبة العظمى من المُعنِّفين هم رجال. ومن المستحيل حلّ مشكلة العنف دون النظر في المسبّب والعمل على مراجعة فهمنا للذكورة وتجلياتها، وإعادة تأهيل المعتدين الذكور (الفتيان والرجال) لبناء مجتمع خال من العنف. 

الحجة الشائعة لثقافة الصمت العام حول العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك العنف المنزلي وعنف الشريك، تكمن في كونه أمراً عائلياً داخلياً. الحقيقة أن الشخصي هو عام أيضاً. فمثلاً تعرُّضُ 30% 3من المرتبطات بعلاقة مع شريك منّا لشكل معين من أشكال العنف الجسدي أو الجنسي، يعكس في طياته حقيقةً أخرى هي أنّ نسبة مماثلة أخرى من مجتمعنا على الأقل عنيفٌ ومعنِّف، عدا عن الأطفال الشاهدين أو المعرضين لذاك العنف أيضاً، وهي نسبة خطيرة كفيلة بشعورنا جميعاً بعدم الارتياح والأمان، ولربما حان الوقت للتساؤل عن دور القيم المرتبطة بالذكورة المتداولة في مجتمعنا في دفع الذكور لممارسة العنف، وكيف يرتبط العنف المنزلي بالعنف المجتمعي الثقافي والعنف السياسي والعسكري لتشكيل حلقة مفرغة لا تعود إلا بدمار وتفكيك المجتمع.

علاوة على ذلك، يشغلني أيضاً دور الصمت والجهر ومَواطن تواطئهما في استمرار وتشجيع العنف. لنتذكر حادثة مقتل رشا بسيس في تاريخ 21 أكتوبر 2018، حيث قتلها أخوها بدم بادر، متباهياً بجريمته، من خلال تصوير الجريمة، وبثها عبر منصات التواصل الاجتماعي، وكأن رشا وجسدها وكيانها ملكٌ للأخ. وبالطبع فإن حادثة مقتل رشا ليست الأولى من نوعها، إذ صادف مقتلها مع اقتراب اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا «جرائم قتل النساء» في سوريا بتاريخ 29 تشرين الأول/ أكتوبر، وقد انطلقت تسمية هذا اليوم عام 2009 بعدما أصدر القاضي في محكمة الجنايات في ريف دمشق حكماً أشبه بالبراءة بحق شقيق الفتاة «زهرة العزو»، التي كانت تبلغ من العمر ستة عشر عاماً حين قام بقتلها بداعي «غسل العار». طبعاً لا داع لذكر أن الجرائم ضد النساء انتهاكٌ لحق الحياة ولا شرف فيها، وأنّ الدافع لمثل تلك الجرائم يكمن في معظم الأحيان في مكاسب اقتصادية (كخلاف على إرث) أو عقوبة لممارسة المرأة لفعل عادةً ما يعتبره الرجل حقاً بديهياً له، لا يستحق عليه القتل.

العنف - دائرة مفرغة ومستمرة

أياً كانت النزاعات والخلافات بين الرجال التي غالباً ما تعود لأسباب التنشئة على القيم المعززة للذكورية والسلطوية وترسيخها، نجد النساء والفتيات هدفاً استراتيجياً لتحقيق الهزيمة للطرف الآخر وإهانته، باعتبار أن أجسادهنّ ومشاعرهنّ وعقولهنّ تعود في ملكيتها للرجال أساساً، إن كان خلال الخلافات اليومية عن طريق الشتم (الذي غالباً ما يكون جندرياً: عن الأم أو الأخت أو الزوجة .. إلخ) أو عبر الخطف والاغتصاب الممنهج في أوقات الحرب من قبل الأطراف المختلفة.

استخدمت الأطراف المتنازعة المسلحة النساء والفتيات في مختلف أنحاء العالم وعلى مرّ العصور كأداة لإذلال الخصم أو الضغط عليه أو ترويع العائلات وغيرها، ولا يقتصر ارتكاب هذه الانتهاكات على الجيوش النظامية وإنما تمارسها المجموعات المسلحة غير النظامية وحتى قوات حفظ السلام التي يتمحور دورها على ضمان الحماية واستعادة النظام4. ومن النزاعات المعروفة بانتهاكات حقوق الإنسان للنساء والفتيات عمليات الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، وخلال الحرب الأهلية في سيراليون بين عامي 1991 و2003، وفي ليبيريا والبوسنة، وفي الصراعات المسلحة المستمرة التي تشهدها المنطقة العربية حالياً.

العنف ضد النساء والفتيات خلال الحرب كما أيام السلم ذو طبيعة وجذر واحد، وهو الذكورية التي تتمحور في أساسها حول فكرة تفوق الذكور على الإناث. تقول الناشطة في حقوق الإنسان والنساء؛ أنداي سيجور:

«الحرب هي نشاط ذكوري بطبيعته، والاغتصاب هو أحد أكثر التعبيرات تطرفاً ضمن الحملة الذكورية نحو السيطرة الذكورية على النساء. ويتم تطبيق هذه الإيدولوجيا بشكل أكبر من خلال الطابع العدواني للحرب نفسها، أي السيطرة والهيمنة على أمة أو شعب آخر»5.

وبالرغم من تنوّع خلفيات مرتكبي العنف ضد النساء والفتيات، إلا أن الفعل ينبع من المنشأ ذاته، ويبدو من غير المنطقي تبرير أو إدانة العنف بناءً على من يقوم به، وليس لكونه نهجاً لا إنسانياً أو بناء على الأذى الذي يلحقه بالآخرين ويخلّفه في المجتمع. وفي الوقت نفسه لا يمكن الفصل بين مستويات العنف المختلفة عندما يكون منشأها واحداً، ما يعني أنه من غير الممكن الفصل بين أنواع العنف ضد النساء والفتيات على المستويات المختلفة، فالعنف الدولي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي ينعكس على العنف المنزلي وعنف الشريك وغيره. وتقول الناشطة في حقوق الإنسان فرانسواز ندويمانا: «العنف هو نوع من السيطرة، ولا يمكن السيطرة على الغير دون امتلاك قوة وحقوق ومكانة أكبر، العنف المنزلي هو البداية المرتبطة بالعنف السياسي ولكن بدرجات متفاوتة».

من جهته، أشار مصطفى حجازي في كتابه سيكولوجية الإنسان المقهور إلى أن القهر جزءٌ من الهدر الإنساني، وكلاهما يؤديان إلى بعضهما بعضاً. وانطلاقاً من هذه النظرية يبدو بلا شك أننا جميعاً نعيش ضمن دوامة الهدر الإنساني لطاقاتنا، وأفكارنا، وحتى لكرامتنا الإنسانية، من خلال وجود منظومات سياسية وعسكرية سلطوية، وأجهزة ديكتاتورية تمارس القمع على الجميع وتشجع ممارستهم له فيما بينهم. في ظل هذا القمع اللامتناهي، يمارس صاحب السلطة القهر على الأضعف منه. في العلاقات بين الجنسين، وبتوفر مجموعة عوامل كالنظام الأبوي السائد في الأنظمة السياسية، والقوانين، والثقافة المجتمعية، التي تعمل على حصر كلا الجنسين ضمن صفاتٍ وأدوارٍ معينة محددة مسبقاً، يكتسب الذكور شيئاً من التوازن والقيمة التعويضية الزائفة من خلال هذا الإسقاط.

إذن، لا يمكن تعريف العنف بأنه مجموعة منفصلة من التصرفات أو الأفعال، بل هو سلسلة من العناصر التي تتفاعل مع بعضها، هو عملية مستمرة ومتصلة بين الدوائر المتعددة، فتعزز المؤسسات المختلفة كالحكومات والجهات الدينية المتشددة ثقافة العنف والتمييز على شتى المستويات عن طريق خطاب الكراهية والممارسات التمييزية العنيفة في جوهرها، وبدورها تعيد المجتمعات والأفراد إنتاج العنف والاضطهاد على نفسها والآخرين، مما يغذي السلسلة الدورانية اللانهائية  للعنف، وينطبق هذا على جميع أنواعه بما فيها العنف الجنسي والمبني على النوع الاجتماعي.

ويُعبَّرُ عن هذه الممارسات بمفهوم «استمرارية العنف»، الذي يشير إلى الترابط بين الأشكال المختلفة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، كالعنف النفسي والجسدي والاقتصادي المُمارَس على كل من المستوى الأسري والمجتمعي والدولي، ويوضح الروابط بين العنف القائم على النوع الاجتماعي في كل من سياقَيّ الحرب والسلم. يلغي مفهومُ «استمرارية العنف» الحدود المتخيلة بين ما هو خاص وما هو عام في حالات الحروب، ويلغي التفرقة بين ما هو ظاهر وما هو مخفي، فالعام والخاص ليسا عالمين منفصلين بل قناتان متصلتان بينهما تأثير متبادل، وبناء على هذا الفهم فإن كلاً من العلاقات الشخصية والسياسات العامة هما نشاط تفاعلي بمستويات مختلفة، وكل واحدة منهما جزء من الأخرى، فالحرب ظاهرة سياسية ويومية في الوقت نفسه. جميع جرائم الاغتصاب في النطاقات المختلفة تحمل الطبيعة الجنسية والدلالات والأضرار نفسها. كما يفيد المصطلح في طمس الحدود بين الحرب والسلم بشكل أوسع، ودحض فكرة أن الحرب حدث واضح ومحدد ذو نقطتي بداية ونهاية بدلاً من كونها عملية مستمرة، وهذا يدلّ على أن الحرب تبدأ أبكر وتستمر لفترة أطول مما تحدده التعريفات التقليدية، عن طريق محرّضاتها المتأصلة أساساً وتأثيراتها الممتدة.

ولكن هذا لا يعني افتراض أن ممارسات العنف على المستوى الدولي متشابهة بشكل ملموس تماماً مع تلك التي تحدث على المستوى الخاص، فهناك اختلافات فعلية تكمن في الأشخاص المرتكبين والضحايا والناجين/ات، فالعنف خلال الحروب والنزاعات يرتكبه في الأغلب رجالٌ مسلحون، وغالباً ما يكون أشد من غيره وقد يؤدي للموت، كما يمكن أن يرتكبه أكثر من شخص في الوقت نفسه، وأن يشهد عليه عدة أشخاص أيضاً وبشكل قسري، وغالباً ما تُستخدم فيه أدوات إضافية وليس الأعضاء الجسدية فقط، ويتم تفسيره واستقباله بشكل مختلف من قبل الناجين/ات والجناة والمجتمع ككل.

كما أن اغتصاب الرجال المسلحين للنساء والفتيات من مجتمعات العدو يحمل في كثير من الأحيان أسباباً استراتيجية لا تكون موجودة عادةً على مستوى الاغتصاب الزوجي، الذي بدوره ينطوي على تجارب مختلفة أيضاً. هذه الاختلافات مهمة ولا يمكن تهميشها، إلا أنه من الضروري الاعتراف بالمنشأ الأساسي المشترك بين العنف على كافة المستويات، والتأثيرات المتبادلة بينها. بمعنى أن فعل الاغتصاب هو واحد سواء تمت ممارسته على المستوى المنزلي أو أثناء الحروب، كما أنه يحمل النتيجة والأثر نفسه من انتهاك وخوف وقهر ومشاعر إذلال قد يعيشه الناجي/ة.

يزداد العنف المنزلي الذي يؤثر على حوالي 30٪ من النساء والفتيات في جميع أنحاء العالم بشكل أكبر في أوضاع النزاع، كما أشارت العديد من الدراسات الحديثة إلى أن العنف المنزلي من المرجح أن يكون أكثر أنواع العنف الجنسي شيوعاً في مناطق الحرب، وحددت ثلاث نقاط رئيسية لتزايد العنف المنزلي في مناطق الحرب؛ وهي أن الحرب تحطم القواعد الأخلاقية والمجتمعية التي تثبط العنف الأسري في وقت السلم، وتسرب انتهاكات الحرب إلى فضاء المنزل، وأن ثقافة الحرب الأبوية نفسها تعيد تشكيل العلاقات بين الجنسين وتشجع العنف، إلا أن العنف المنزلي في مناطق الحرب ليس معزولاً عن الحرب، ولا يتم في نطاق اجتماعي منفصل يختلف عن الفضاء المتحارب، بل هو جزء منه.

وعلى الرغم من ذلك، فإن معظم المبادرات الهادفة إلى إنهاء العنف القائم على النوع الاجتماعي في النزاعات تركز على العنف الذي يرتكبه المسلحون ضد النساء والفتيات كتكتيك حرب، ما يخلق تسلسلاً هرمياً للأضرار ويعطي أولوية لمعالجة الأخير عن أشكال العنف في السياقات الأخرى، فيحجب استمرارية العنف الذي يربط أشكال متعددة من العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي في كل من الحرب والسلم، مما يجعل من الصعب رؤية الانتهاكات اليومية السائدة في جميع البيئات وبشكل متزايد خلال الحرب.

العنف في اللغة واللغة العنيفة

تُعَدُّ اللغة حاملاً ومعزّزاً لثقافة العنف ضد النساء والفتيات، فتُمارس وتُمرّر أنماط العنف عبر الأمثال الشعبية والأغاني التي تشكّل الوعي الثقافي للمجتمع، حيث تعتبر اللغة أحد أدوات العنف الذي يُمارَس ضد الفتيات والنساء، وذاكرتنا اللغوية والمجتمعية مليئة بالامثلة على ذلك. 

نذكر منها أغنية شائعة اسمها «جمهورية قلبي»، ترددت على مسامع كثيرين عبر بثها في الإذاعات، وكثيراً ما تم الرقص عليها من قبل الصغار والكبار في مناسبات مختلفة. تدور الأغنية حول فكرة «غيرة» الرجل، واعتبارها سبباً كافياً لمنع النساء والفتيات من حقهنّ في التعلّم والعمل، ليقتصر دورهنّ كما تُردِّدُ الأغنية على الجلوس في المنزل وأخذ مصروفهنّ من الرجل، سواء كان أباً أو زوجاً، وهي رمزية «للدلال»، دون الاعتراف بعمل المرأة المنزلي على أنه عمل بالأساس، ودون تقدير لدور ربّات المنازل. وتعزز أغنية أخرى بعنوان «سي السيد» التمييز ضد المرأة وتفضيل الرجل عليها من خلال التحكم بها وبطريقة لباسها، واعتبار أن الرجل هو هدف المرأة الأسمى ويتوجب عليها إرضاؤه.

ظاهرة انتشار العنف اللفظي في الأغاني هو انعكاسٌ ومُشكِّلٌ لواقع المجتمعات، تكريس مفهوم العنف والتمييز ضد المرأة لا يتواجد فقط في الأغاني والأمثال، بل إن الكلمات المستخدمة بشكل يومي تعزز هذه الممارسات، كالشتائم المتداولة التي يُعتبَر المتعلق بالنساء منها هو الأسوأ فيكفي، لتصغير وإهانة الشخص المقابل ذكر الأعضاء الجنسية لإحدى نساء عائلته، أو استخدام شتائم مضمونها الاعتداء الجنسي على أم أو أخت الشخص الآخر، وذلك ما يعزز فكرة أن المرأة هي آلة جنسية فقط.

يمتلك العُرف  في أحيان كثيرة قوة تضاهي قوة الدساتير والقوانين، لأسباب كثيرة أبرزها ما توحي به من اختزانها لصفوة التجربة البشرية والحكمة الإنسانية المتراكمة في ما يسمى موروث الأجداد الذي استحق مكانة المَثَل، أي أن له قيمة عليا نهائية مكتملة بذاتها. ومن هنا تُعتبر الأمثال الشعبية انعكاساً للعُرف الاجتماعي العام الذي ينظم علاقات البشر وحاجاتهم ومصالحهم، كما تضفي صفة الشعبية رهبةً خاصةً على الأمثال، مستمدة من صلابة الإرادة الشعبية المُتوافَق عليها (حيث الشعب مصدر التشريع).

وبالنظر إلى الأمثال بمجملها، ينبغي ملاحظة تلك التمييزية والتحقيرية للآخر بكل تنوعاته الشكلية والجسدية والإثنية والطائفية والمناطقية، والتي تشير إلى مسؤولية فاعلين أخصائيين في اختراع الأعداء وشيطنة الآخرين، بحيث تسهل السيطرة على الجماعات، ويسهل رصّ صفوفها في مواجهة أعداء متربصين داخليين وخارجيين.

ولطالما فرضت الأمثال الشعبية نفسها بنفسها من خلال حُسن صياغتها وتمتعها غالباً بالدعابة، ما يُزيّنُ استخدامها حتى بين الفئات التي يجب أن ترفضها، لِما تنطوي عليه غالباً من أحكام مسبقة وصور نمطية، أو إهانة وتهميش. ويظهر هذا التنميط والحكم المسبق القاسي والمستفز بوضوح في الأمثال العربية حين تتناول النساء، فهنَّ غالباً ثرثارات غبيات كاذبات وخائنات، وفي بعضها هنَّ مصدر المصائب، وفي أحيان قليلة قد يَكُنَّ ذكيات كريمات مُتقنات لعملهنّ، لكنهنّ عندها يكنّ «أخوات الرجال»، في تأكيد لفظي أن المرأة لا يمكن أن تتحلى بصفات إيجابية ما لم تُشابه الرجال.

وتكمن خطورة هذه الأمثال في ترسيخ الصور النمطية للمرأة والأدوار المنوطة بها في الثقافة العربية. ففي ظل بعض التطور المنجز على صعيد الحياة الاجتماعية للنساء في الوطن العربي، ما تزال الأمثال الشعبية تعمل على تقزيم إنجازاتهنّ من خلال ترسيخ النظرة التي ترى أن «البنت لو وصلت للمريخ آخرتا للطبيخ». حيث يكون تأثير الأمثال الشعبية كبيراً على مختلف شرائح المجتمع كونها تعتبر موروثاً من الأجداد يجب عدم المس به وتغيير شيء من مضمونه، وتعتبر كقانون يعزز أية فكرة يطرحها، وأكثر المتضررين من هذه الأمثال هي المرأة، التي يتم تناولها بطريقة فكاهية لا تثير الانتباه إلى مدى تأثيرها السلبي.

في ردّها على سؤال: من الذي أنتج الأمثال المعنفة والمحتقرة للمرأة؟ تقول الدكتورة نبيلة ابراهيم المتخصصة بالأدب الشعبي في جامعة القاهرة: «هذا أدب شعبي موروث اشترك في صنعه وقوله المرأة والرجل والطفل وكل المجتمع...». يستطيع القارئ غير المختصّ أن يلاحظ أولاً أن مفهوم الشعب هنا هو مفهوم فضفاض (يقترب من مفهوم السكان) حيث يختلط فيه الغني والفقير والكبير والطفل والمتعلم والأميّ ورجل الدين مع السياسي والمرأة بتنوع مواقعها وانتماءاتها… إلخ، وبالتالي هل يعقل أن كل هؤلاء ساهموا/نَ في إنتاج الأمثال وعلى قدر المساواة وبالإجماع ذاته؟

هذا ما يقود إلى الملاحظة الثانية: وهي ضرورة التمييز بين المُنتج والمالك أو الممول وبين العاملين في حقل الإنتاج، وبينهما وبين المستهلكين في أي عملية إنتاج مادية أو فكرية، رغم تداخل هذه المستويات أحياناً، كما هو الحال في مُنتَج مثل الأمثال الشعبية التي هي بطبيعتها شفهية ومتناقلة ما يجعلها عرضة للقِدم والاهتراء والترقيع والحذف والإضافة. هذا التمييز اللازم تالياً لإدارك المصالح والغايات الكامنة وراء الأمثال الشعبية واستمرار تأثيرها على حاضرنا، فما هي مصلحة المرأة في إنتاج مقولة «البنت تجيب العار والمعيار وتدخل العدو للدار»، أو «عقربتين على الحيط ولا بنتين في البيت».

تبدأ عملية الإقصاء الشفهي ثم الفعلي للنساء منذ الولادة في الأمثال العربية التي لا تزال حية ومتداولة؛ فعدة أمثال تؤكد كراهية واستنكار ولادة مولودة أنثى، كالمثل الشعبي اليمني القائل «ابن عاصٍ ولا عشر مطيعات»، حيث تعكس الأمثال الشعبية تفضيل المولود الذكر على الأنثى ومنها نموذج المثل القائل: «فأم البنت مسنودة بخيط وأم الولد مسنودة بحيط»، و«ليجي الصبي بنصلّي عالنبي، أجانا الصبي وصلينا عالنبي- همّ البنات للممات»، إلى المثل القائل «صوت حية ولا صوت بنية»، أي أن وجود أفعى في المنزل يُعتبر مصيبة أصغر من وجود بنت فيه.

ويستمر هذا الإقصاء بالتأكيد على أن النساء ثرثارات وكثيرات الكلام، إلا أن كلامهنَّ لا قيمة له وآراءهنَّ لا جدوى منها، لذا لا بد من إسكاتهنّ أو تعليمهن السكوتّ «لسان البنت متل شعرها كل فترة بدو قص».

بعض الأمثال لم تسخر من آراء النساء فحسب، بل سخرت من قيمة المرأة عموماً واعتبرتها عديمة الفائدة دون رجل، واعتبرتها كائن ضعيف عبر المثل القائل: «الرجال لو فحمة رحمة» و«يلي جوزها معها بتحرك القمر بإصبعها»، وويل للمرأة التي لم تنجب لزوجها لأن «الشجرة اللي ما تثمر حلال قطعها».

من ناحية أخرى يصل مضمون بعض الأمثال الشعبية إلى التشجيع على الضرب مثل «ضرب الحبيب زبيب» الذي يبرر فكرة العنف ضد المرأة ويفسّره بـ«الحب»، كما أن كثيراً من الأمثال تعتبر المرأة ليست أهلاً للتحدث معها بموضوع أو البوح لها بسر من خلال المثل: «أعطي الخرسة سر بتحكي» أو «حطوا المرة وإبليس بكيس طلع إبليس عم يستغيث».

كثيراً ما يتم تداول كلمة «أم البنات» التي تشير إلى المرأة التي تنجب الإناث فقط، وغالباً ما يكون الثمن الذي تدفعه بسبب هذا الأمر هو زواج زوجها من أخرى لتنجب له ذكوراً، وغالبية المجتمعات الشرقية الأبوية تشجع هذا الأمر غافلين أو متغافلين عن حقيقة أن الرجل هو المسؤول عن تحديد جنس المولود فالحيوان المنوي للرجل هو المسؤول عن تحديد الجنين، وليس لبويضة الأنثى من تأثير على ذلك، وهنا  تكون المرأة قد تعرضت لعنف ليس لفظياً فقط، بل وعنف نفسي قد تكون تأثيراته خطيرة على المجتمع ككل، دون أن ننسى أن فكرة تفضيل المولود الذكر على المولودة الأنثى بحد ذاتها هي عنف ممارس ضد المرأة حتى قبل أن تأتي إلى الحياة. ربما يكون الأمر غريباً إن كنت تعلم/ين أن العنف يمارس عليك قبل ولادتك حتى، فالأطفال يتعرضون للعنف الذي هو جزءٌ من ثقافتنا في مختلف النواحي، ومن أهم الأمثلة التي تٌلخّص ذلك الأمثالُ الشعبية. وما يجعل لهذه الأمثال الشعبية تأثيراً سلبياً على الأطفال هو ارتباطها كجزء من الذاكرة التحقيرية لذات اللأنثى، فينظر الصبيان للفتيات على أنهنَّ أقلّ شأناً وأقل ذكاء ومعرفة مما يصعّب مهمة التخلص من تلك المعتقدات مستقبلاً.

لنأخذ مثالاً آخر للعنف المبرر اجتماعياً والمسكوت عنه في كثيرٍ من الأحيان، كالممارسات الذكورية العنيفة ضد النساء، اللواتي يمارسنَ حقهنّ في حرية التعبير عن آرائهنّ وأفكارهنّ عبر منصات التواصل الاجتماعي. هنا تتوارد أحياناً تعليقات تحتوي إما على شتائم أو تنمر أو تحرش جنسي إلكتروني ضدهنّ، وأحياناً ضد رجال عائلتهنّ، من قبيل أن رجال العائلة فشلوا في الحفاظ على العقد الاجتماعي بخضوع النساء والسيطرة على أفكارهنّ وآرائهنّ وأجسادهنّ.

تَعرّضُ النساء للشتائم، والألفاظ الجنسية، والتحرش الجنسي، يعود هنا  إلى كونهنّ إناثاً أولاً، وإلى كونهنّ تمتّعنَ بالشجاعة للتعبيرعن آرائهنّ ومعتقداتهنّ ثانياً! شجاعة تخيف الذكورة الهشّة التي حامل امتيازاتها غير المستحقة الأساسي هو الجنس، وتخشى عليها من أي اختبار حقيقي في القدرات المنطقية والعلمية والمعرفية وحتى السلوكية، فيميلُ بعض الرجال للتباهي بالشتم أو التحرّش بامرأة لاسترجاع بعض الكبرياء الهش.

بناء عليه من الضروري أن يتم مراجعة الأمثال الشعبية وإعادة النظر في استخدامها حتى لا تتوارثها الأجيال ويتكرس هذا المفهوم الخاطئ عن المرأة، ويصبح من الصعب إصلاح نظرة المجتمع، ويبقى الأمر الأهم هو توعية المجتمعات على أهمية التفكير بكل كلمة، جملة، أغنية، مَثَل.. إلخ قبل النطق بها، حتى لا يساهم دون أن يعلم في تعزيز العنف والتمييز ضد المرأة.

الأطفال كشاهد وهدف للعنف القائم على النوع الاجتماعي

كثيراً ما يكون الأطفال شاهداً وهدفاً للعنف في آن معاً، داخل وخارج إطار الأسرة. وللأسف يوجد حتى الآن في سوريا العديد من أشكال العنف التي يتم تبريرها ضمن العقد الاجتماعي الحالي بالرغم من الأدلة العلمية الدامغة بتسببه بالأذى الظاهر وغير الظاهر. لنأخذ على سبيل المثال العنف الجسدي و رمزه الغني عن التعريف «شحاطة» الأم، أو العادة الاجتماعية في تقبيل ولمس الأطفال من دون أخذ موافقة الطفلـ/ـة أولاً، أو الشتائم والإساءات اللفظية والتهديد والترهيب أو العزل أو التجاهل أو الانتقاص من قيمة رأي الطفلـ/ـة، أو الإهمال (صحي، فكري تربوي أو عاطفي)؛ هل يبدو أي من تلك الأنواع مألوفاً لك كجزء من ذكرياتك و/أو طريقة تعاملك مع الأطفال من حولك اليوم؟ 

تنتشر في مجتمعنا العديد من الأمثلة عن تعنيف الأطفال، الذي يختلف من بيئة لأخرى، وتختلف معه مدى قبول المجتمع لهذا العنف، ويختلف أيضاً باختلاف جنس الطفل، ذكر أو انثى. حيث يتم ضرب الرضيع عند الصراخ أو البكاء، وفي حالة مجتمعنا السوري، قد يشكل قدوم ابنة رضيعة لبعض الأهالي مشكلة، حيث أن ميل بعض العائلات للأطفال الذكور دونما الإناث قد يخلق حالة عنف مباشر مع الفتيات الرضع وحديثات الولادة. يقوم بعض الآباء بوضع الأطفال تحت الخطر بحجة تلقينهم درساً، كحرق اليد بالمدفأة للتنبيه بعدم لمسها مجدداً، وقد يعتبر هذا النوع من العنف مقبولاً وقد يمتد ليكون وسيلة تربوية لعدم تكرار الخطأ، وقد يشمل تنقيط الشمع السائل والحار على الجسد لمنع تكرار أمر معيّن خاصة في المراحل العمرية الأولى، أو الضرب بالحذاء أو الحزام أو أدوات المطبخ.

وقد يقدم أحد الأبوين على التهديد بالطرف الاخر، وغالباً ما يتم التهديد بالأب عند القيام بأفعال غير مرغوبة (إذا إجا أبوك بدو يدبحك، بدي خلي أبوك يكسر راسك..) فيصبح الأب رمز السلطة القمعية والعنف في المنزل. كما يشمل هذا التهديد عبارات تعنيفية أخرى، كالتهديد بالشرطة، التهديد بالأقارب وبالطبيب، التهديد بالتخلي والترك وحيداً، وينتج عن هذا التهديد شعور بعدم الارتياح وعدم الأمان عند وجود الغرباء أو القلق الدائم من غياب الأهل.

حتى في مكان يفترض به أن يكون بيئة للتطور والنماء كالمدرسة، يعاني معظم الطلاب من العنف من قبل الأساتذة، يتحول إلى مصدر للتعنيف اللفظي أو الجسدي، والذي يمتد بالتهديد بالمدرسة أو المدرّس (إلك اللحم وألنا العضم..)، ناهيك عن سياسة الإذلال التي تتبعها المدارس عند سن العقوبات ضد الأطفال كالتركيع والزحف على الركب والضرب بالعصا. كل هذا يعد أسلوباً مقبولاً به بشكل واسع في المجتمع السوري، وأداة «فعّالة» لضبط أفعال الطفل غير المرغوب بها. في الحقيقة، الفاعلية الوحيدة لأسلوب التربية هذا هو الأذى المسبب للطفلـ/ـة في علاقتهم مع أنفسهم ومع الآخرين.

ضربُ الأطفال من قبل بعض رجال الدين والمشايخ بحجة أنهم ملبوسون أو أن هنالك شيطاناً أو جنياً يتلبسهم، وهي مرتبطة بسلطة رجال الدين المبنية على الجهل، وقد تختلف بين منطقة وأخرى تبعاً لمدى تبيعة الناس لرجال الدين. ويُعّدُّ هذا النوع من التعنيف مقبولاً به مجتمعياً بشكل واسع، لكنه يسبب آثاراً نفسية خطيرة على الطفل، قد تصل إلى أضرار جسدية جراء الضرب بشكل مستمر على منطقة معينة من الجسم، وقد يمتد ليصل إلى عنف جنسي إذا ما تمت عملية التحرش الجنسي من قبل رجال الدين بالأطفال.

وهنالك حالة أخرى للعنف الذي يعد عنفاً شاملاً لمختلف الأنواع العنفية، وهو العزل أو النفي إلى مكان غير مهيأ للعيش، وغالباً ما يتم ذلك للأطفال بعد حالات انفصال الأهل، أو بسبب جندري كأن يتم عزل الفتيات بسبب عدم قبولهنّ داخل الأسرة، أو باعتبارهنّ عورة أو أن خروجهنَّ من المنزل عار على الرجال داخل هذه الأسرة، ما يترتب أضرار كثيرة على الطفل قد تؤدي إلى الإعاقة. ومن الأمثلة الحية التي شهدها المجتمع السوري إخفاء الفتاة سمر في إدلب لمدة سبع سنوات في غرفة تحت الأرض، بعد طلب زوجة الأب من الزوج إخراج الفتاة من المنزل.

وتعد مرحلة البلوغ مرحلة يتعرض فيها الطفل لشتى أنواع العنف، منها لمس الأعضاء التناسلية بدافع المزاح، العضو الذكري كصورة للاعتزاز بأن المولود ذكر، أو حتى التلفظ بألفاظ تدل على ذلك، والأثداء بالنسبة للإناث والتأكد من حجمهنّ، طبعا بدون أي موافقة للطفل. وفي هذه المرحلة تمر الفتيات داخل المجتمع السوري بأصعب المراحل من حياتهنّ على الإطلاق، وربما يتم تهديدهنّ بالزواج من شخص كبير بالسن أو باللباس الشرعي (الحجاب أو العباءة أو حتى خلع الحجاب) كعقوبة لهنّ، خاصة إذا ما تم اكتشاف أنهنَّ علاقة مع أحد الشبان. وقد تكون الفتيات المراهقات والشابات معرضات للاستضعاف بشكل خاص خلال الكوارث والحروب، حيث يتنقلنَ في رعاية الأخوة والأخوات ويصبحن أنفسهنّ أمهات في ظلّ عدم توفر إمكانية الوصول إلى الصحة الجنسية والإنجابية وتنظيم الأسرة وموارد النظافة الشهرية. وقد يكون تزويج الطفلات أو حرمانهنّ من الذهاب إلى المدرسة في سن معين، خاصة عند البلوغ خوفاً من التحرّش بهن، أسلوباً من أساليب العنف الذي يمارس ضد الإناث دوناً عن الذكور، تبعاً لأعراف المجتمع أو البيئة المحيطة والعادات والتقاليد.

ويعتبر التنمّر أو الاستقواء حالة عنفية سائدة في المجتمع، خاصة ضد الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وقد يجمع كلَّ أشكال العنف اللفظية والجسدية والجنسية، وأحياناً يجد الطفل نفسه داخل مقارنة مع أخوته أو أقاربه، فيعتبر الأهل أن التمييز بين الأخوة لفظياً هو أسلوب تربوي ناجح ودافع للتحفيز، وقد تتحول هذه المقارنة وتشمل الفوارق بين الذكر والأنثى وتفضيل الذكر على الأنثى في العائلة نفسها، وإعطائه صلاحيات أكبر من الأنثى وكأنه الوصي عليها برغم صغر سنه، وفي بعض الحالات يكون الذكر أصغر حتى من الأنثى عمراً، ولكن لديه صلاحيات أوسع وحتى لديه صلاحية ضربها وتأديبها لكونه ذكراً فقط.

هذه الاختلافات ليست طبيعية. إنها ناتجة عن المعايير الجنسانية غير العادلة. تعكس هذه المعايير الطرق التي تحدد بها المجتمعات المختلفة السمات المرتبطة بالذكورة وتلك الخاصة بالأنوثة، بما في ذلك تقسيم العمل والأدوار والمسؤوليات والعادات. يضطلع العديد من الأطفال بأدوار ومسؤوليات الكبار التي تعكس هذه المعايير الجنسانية التمييزية. ومع ذلك، نادراً ما تفحص دراسات الكوارث الجنسانية بشكل كلي عندما يتعلق الأمر بالأطفال، وغالبًا ما تساوي «النوع الاجتماعي» بالجنس البيولوجي، بدلاً من النظر في القواعد والأدوار الجنسانية. يتطلب كسر حلقة عدم المساواة بين الجنسين دراسة أقوى للنوع الاجتماعي في سياق تعرض الأطفال للكوارث ومرونتها، والذي يجعل الأمر أكثر صعوبة هو عدم قدرة الأطفال على التعبير عن العنف الجنسي لأسباب عديدة منها الخوف أو عدم الوعي به وامتلاك مفردات مناسبة.

أصبح الاعتراف بأن تأثير الكوارث على الرجال والنساء غير متساو أكثر بروزاً في أواخر التسعينيات (Enarson and Morrow، 1998)6. علاوة على ذلك، أظهرت الأبحاث أن عوامل مثل العمر والعرق والطبقة والقدرة يمكن أن تتحد للتأثير على عوامل الضعف، كما وجدت مراجعةٌ لنقاط الاستضعاف الناتجة عن الصور النمطية والممارسات التمييزية الاجتماعية ضد النساء والفتيات أدلة على ما يلي: العنف ضد النساء والفتيات؛ انخفاض الصحة الجنسية والإنجابية للفتيات الصغيرات، غير المتزوجات و/أو المراهقات، وكذلك صحة الفتيات ذوات الهويات غير الثنائية؛ الزواج المبكر أو القسري؛ انقطاع التعليم أو فقدانه؛ التغييرات في الشبكات الاجتماعية ودعم الأسرة؛ زيادة العبء الزمني أو العبء المضاعف الناتج عن قضاء النساء لوقت أطول بكثير من الرجال في أعمال رعاية الأطفال أو المرضى من العائلة بسبب القواعد الجنسانية والأدوار التي تروج لها وكالات المعونة والآثار النفسية والاجتماعية على مستوى العالم؛ تتمتع النساء والفتيات بسيطرة أقل على الموارد المادية مقارنة بالرجال.

قد يكون الفتيان أكثر عرضة للخطر في بعض السياقات بسبب معايير الذكورة التي تُشجّعُ على سلوكيات مخاطرة، أو تدفعهم للمشاركة في نشاطات البحث والحماية التي تعرضهم للأخطار الجسدية، مما يعرضهم لخطر الإصابة. قد يكون الأطفال الذين يعانون من هويات جندرية أخرى كالمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية معرضين بشكل خاص للتمييز والاعتداء الاجتماعي، ونقص موارد الرعاية الصحية المناسبة.

من جهة أخرى، الأطفال الذين يشهدون عنفاً منزلياً ينشأون في بيئة عادة ما يصعب التنبؤ بها، مليئة بالتوتر والقلق ويسيطر عليها الخوف. يمكن أن يؤدي ذلك إلى صدمة نفسية كبيرة. بدلاً من النمو في بيئة آمنة وعاطفية ورعاية صحية ونفسية جيدة تضمن لهم الحماية والسلامة، يشعر أولئك الأطفال بقلق مستمر بشأن المستقبل؛ وفي حالة من التأهب لأي احتمال تعنيف لمحاولة حماية أنفسهم وإخوتهم. غالباً ما تكون تلك الحالة اليومية للوصول إلى مكان آمن هو الهدف الرئيسي، لذا لا يتبقى سوى وقت قليل للتسلية أو الاسترخاء أو التخطيط للمستقبل.

وخلال الحرب في سوريا، تعرّض العديد من الرضع للوفاة والقتل المباشر أو التعنيف والإعاقة، بسبب نزعات طائفية أو تصفيات عقائدية من قِبل طرف آخر أو لأسباب سياسية متعلقة بالأهل، أو حتى للضغط على الأطراف المسلحة المشاركة للاستسلام، وقد عانى العديد من الرضع وحديثي الولادة من عدم وصول الرعاية الصحية داخل المناطق المحاصرة. ويُفرض أيضاً، خاصة على الفتيات، عدم الذهاب الى المدرسة بحجة الحماية من الخطف.7

وقد اضطر العديد من الأطفال للعمل بأعمار صغيرة جداً مع غياب المعيل، وهذا ما يشمل إجبار الذكور أو الإناث على ترك المدرسة والالتحاق بالعمل حتى ولو بأجور عمل متدنية وساعات عمل طويلة، وقد يتعرض الطفل أثناء عمله للتحرش من قبل صاحب العمل أو العنف الجنسي والاغتصاب كونه يعتبر نفسه الوصي على هذا الطفل.

كما انتشرت ظاهرة زواج القاصرات من رجال مقاتلين في مناطق الحرب، وهي ممارسة يقبلها المجتمع باعتبارها وسيلة لحماية الطفلة ورعايتها، إن كان لدى العائلة أكثر من طفلة، وكون الآباء لا يستطيعون تأمين احتياجاتها المعيشية نظراً لسوء الأوضاع الاقتصادية، وهذا ما ينتج عنه عدم الاستقرار العاطفي للأطفال، وغياب الداعم الأساسي والثقة بالآخرين، وقد ينتج عن هذا الزواج القسري عنفٌ جسديٌ واغتصابٌ زوجي، الأمر الذي يعدّ نوعاً من أنواع العنف الجنسي.

وداخل السجون والمعتقلات، تلد النساء الحوامل دون أي رعاية وفي ظروف معيشية شبه معدمة، ولا يستطيع الطفل داخل المعتقل الحصول على أدنى معايير العناية والرعاية الصحية والجسدية، خاصة إذا تعرضت الأم للعنف الجسدي أثناء الحمل وسبب ذلك آثاراً جانبية على صحة المولود. وأحياناً قد يتم اعتقال الأم مع طفلها الذي لا يتجاوز عمره السنتين، ويضطر الطفل إلى البقاء مع والدته في الظلام لمدة طويلة، وقد يتعرض لعنف مباشر أو لمشاهدة العنف على المعتقلات وسماع أصوات التعذيب والشتم وأصوات الأسلحة النارية.

وقد تختلف ردود فعل الأطفال والطفلات على العنف، فقد يشعر الطفل بـ:

  • لوم النفس الدائم جرّاء ما يحدث من عنف (الحق كله عليّ ما كان لازم عصبه) والشعور بالعار من الجسد أو من الشكل أو من العائلة.
  • العجز وعدم القدرة على حل المشاكل والتعامل معها بشكل عملي. حزن واكتئاب طويل الأمد، وقد يصل إلى تعذيب الذات وإيذاء الجسد بأدوات حادة أو تناول الأدوية المضرة.
  • الازدواجية ومحاولة التنكر للذات والانفصال عن الواقع.
  • خوف وعدم استقرار، وقد يمتد إلى الشعور بالفزع والرعب الدائمَين والذعر من الاخرين او من الكبار.
  • والقلق من المجتمع ومن فكرة التقدم بالسن.
  • غضب دائم قد يصل إلى تعنيف الآخرين بأسلوب مشابه للتعنيف الذي مورس عليه أو شاهده.
  • وقد يصل لمراحل متعددة من الخدر وعدم الإحساس بالخطر وعدم إعطاء الأمور اللازمة المنحى الجدّي، وقد يصل هذا الشعور إلى الرغبة بالانتحار وعدم الرغبة في مواصلة الحياة.

يشكل العنف الجنسي والعنف الجندري مصدر قلق متزايد لآلاف السوريات النساء والفتيات ممن تأثرن بالحرب السورية، وبدأنَ يواجهنَ مخاطر متزايدة وأنواعاً متعددة من العنف نتيجة النزاع والنزوح، لذلك لا بد من خلق بيئة آمنة من خلال دعم احترافي يشمل تقديم الخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية بشكلها الأعم والمتاح لكل النساء والأطفال في الداخل السوري وفي المخيمات، وذلك لإفساح المجال للناجين/ات لتلقي العلاج وتشجيعهم/ن على الحديث عن تجاربهم/ن مع العنف الجنسي مما يساعد على تجاوز ثقافة الصمت التي تعوق بشدة الجهود المبذولة للتصدي لتلك الظاهرة الخطيرة.

نحو استجابة حسّاسة للنوع الاجتماعي

تحتاج الوقاية والحد من العنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف الجنسي إلى استجابة شاملة لكافة الفئات المحتمل تعرضهم/نّ أو الذين تعرضوا/ن له، بما فيهم النساء والفتيات والرجال والفتيان وأصحاب الهويات الجندرية والجنسية المختلفة والأشخاص ذوي الإعاقة، وضمان إشراك ممارسي العنف والشاهدين/ات عليه أيضاً. وانتهاج سياسة متقاطعة ومترابطة تجمع ما بين خدمات الاستجابة والحماية والوقاية على حد سواء. وعدم إغفال أي من العوامل والعناصر المسببة أو المؤثرة في وقوع واستمرار العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي كالجوانب السياسية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية والبُنى التمييزية والهرمية.

وتتشارك في ذلك الدور كلاً من الحكومات والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات المحلية والإعلام وغيرها.

في حين أن ممارسة العنف تتم في جميع الأوقات والحالات، إلا أنها تتزايد أثناء الحروب والنزاعات المسلحة كالأزمة السورية حالياً، كما يتأثر الجميع في هذه الحالة بالعنف، إلا أن النساء والفتيات على وجه الخصوص يكنّ أكثر عرضة لخطر العنف، وخاصة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وذلك بسبب غياب الحماية الاجتماعية، والافتقار إلى الوصول الآمن إلى الخدمات. وهناك اعتراف واسع النطاق بأن العنف القائم على النوع الاجتماعي ضد النساء والفتيات يزيد أثناء النزاع، بما في ذلك العنف المنزلي والعنف الجنسي والاستغلال الجنسي، وزواج الأطفال. كما يتعرض الرجال والفتيان أيضا للعنف الجنسي، وبخاصة في سياق الاعتقال والتعذيب.

تشمل بعض القضايا الرئيسية التي حددتها التقييمات والدراسات انعدام الأمن، والاكتظاظ، وعدم كفاية فرص الحصول على الخدمات الأساسية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية والايجارات، والتنافس على فرص العمل المحدودة. هذه العوامل كلها تساهم في زيادة معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي والحاجة الملحة للوكالات الإنسانية لرفع مستوى استجابة مصممة خصيصاً للحد من للعنف القائم على النوع الاجتماعي.

بدوره، يؤكد صندوق الأمم المتحدة للسكان على أن تمكين المرأة والمساواة بين الجنسين يجب أن تكون في صميم أي تدخل يتناول العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك الوقاية والحماية والاستجابة، وتقول باباتوندي أسوتيمهين المديرة التنفيذية في الصندوق: «نحن نعرف ما يجب القيام به للقضاء على العنف القائم على النوع الاجتماعي ويشمل ذلك: الاستجابة السريعة اللازمة. توفير مقدمي خدمات متخصصين. التكامل مع الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية؛ التعليم الجنسي الشامل. البيئة القانونية القائمة على الحقوق، حشد الرجال والفتيان. جمع البيانات الفعال، والسياسات القائمة على الأدلة، وتوفير نهج متعدد القطاعات، والعمل مع الجهات المعنية المتعددة».

وتسعى إجراءات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الخاصة بمواجهة العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس، إلى تعزيز ستة مجالات غالباً ما يتم التغاضي عنها، وإلى إدراجها على النحو المناسب ضمن استراتيجية حماية شاملة:

1- حماية الأطفال المشمولين باختصاص المفوضية من العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس.

إن الأطفال النازحين معرضون بشكل خاص لخطر العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس. وبالإضافة إلى ذلك، فهم يواجهون أشكالاً معينة من هذا النوع من العنف، بما في ذلك الممارسات التقليدية الضارة والاستغلال والاعتداء الجنسيان.

2- التصدي لممارسة الجنس في سبيل البقاء كآلية صمود في حالات النزوح.

يمكن لممارسة الجنس في سبيل البقاء أن تكون نتيجة مباشرة للثغرات في عملية المساعدة أو لفشل نُظُم التسجيل.

3- إشراك الرجال والفتيان.

لم تشرك برامج التصدي للعنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس الرجال بما فيه الكفاية في أنشطة الوقاية، ممّا يضعف بيئة الحماية للنساء والفتيات، كما للرجال والفتيان.

يعد الرجال والفتيان من الجهات المعنية الأساسية في الوقاية من العنف الجنسي والعنف الجندري والاستجابة لهما، كذلك في تعزيز المشاركة الفعالة للمرأة وتمكينها، فهم من ناحية المسؤولون الفعليون عن العنف الواقع على النساء والفتيات ويمكنهم أن يلعبوا دوراً حيوياً كعملاء تغيير في مجتمعاتهم المحلية إن تمت توعيتهم ومشاركتهم في حملات المناصرة للمرأة، ومن ناحية أخرى يمكنهم أن يدعموا تنفيذ التدخلات للعمل مع الرجال والفتيان الذين يعانون من العنف الجنسي والعنف الجندري. في سوريا جرى تطوير مواد توعية منفصلة حول العنف الجنسي والعنف الجندري لاستهداف الرجال، وتم تدريب المتطوعين الذكور لترؤس المناقشات المجتمعية حول العنف الجنسي والعنف الجندري والوقاية منهما، غير أن تردد الناجين الذكور تحديداً في الإفصاح عن تجارب العنف الجنسي والعنف الجندري لمقدمي الخدمات عادة ما يعيق تقديم الخدمات اللازمة لهم، فالمفاهيم المجتمعية الذكورية، ومنها حقيقة أنه لا يُنظر عموماً إلى الرجال على أنهم من الناجين، تجعل من الأصعب بالنسبة إلى الرجال أن يبحثوا عن الخدمات المطلوبة التي تعتبر قليلة جداً.

لا بدّ من التنبّه إلى الأثر العكسي السلبي، غير المقصود، للبرامج التي تستهدف النساء فقط، خاصة في سياق التهجير القسري، على سلامتهنّ. في بعض الحالات، تدل المؤشرات على ارتفاع نسبة العنف المنزلي حيث هناك برامج تمكين للمرأة، وذلك بسبب إهمال الرجال، دون دراسة أو عمل، وما ينتج عن ذلك من كسر معنوياتهم وإحداث شرخ في هويتهم الذكورية وما يترتب عليها من تمثيلات لرجولتهم كأرباب للأسرة ومعيلين لها، وأصحاب للمرجعية في اتخاذ القرار.

بالطبع عند حديثنا عن مشكلة العنف القائم على النوع الاجتماعي لا نقصد التعميم أو القول إن جميع الرجال عنيفون ومعنّفون. لا نزال نشهد ضمن بيئاتنا المحلية العديد من الرجال الذين قد لا يتقبلون تعرض المرأة للتحرش، فيتم الرد على المتحرش بالاعتداء الجسدي المباشر أحياناً أو بالتشهير ورفض المتحرش أحياناً أخرى ، لالتزامهم بالقيم الإيجابية للرجولة كالشهامة والنخوة لدى الرجال والشبان. وبالمقابل يدرك بعض الرجال إلى أن فعل التحرش لا تقتصر آثاره كعنف جنسي على النساء والفتيات، بل أيضاً يهدد الرجل نفسه، لأن المرأة المُتحرَّشَ بها قد تكون ضمن دوائر عائلته وأصدقائه أو من ضمن الدوائر المقربة له، بما يهدد مكانته كمسؤول عن نساء عائلته. بالرغم من نُبل هذا السلوك وأهميته، لا يزال منطلقه مشابهاً للسلوك السلبي، فالتركيز هنا على الرجل ومكانته ومسؤوليته عن المرأة وعلاقتها به، في الوقت الذي يجب أن ينطلق من مبادئ إنسانية ترفض تعرّض أي إنسان، تجمعنا قرابة به أم لا، للعنف.

يبقى من المهم التأكيد على أن آثار العنف القائم على النوع الاجتماعي لا تنسحب على النساء وحدهنّ، بل هي خطر يهدد المجتمع بأكمله، وربما من الأهمية أيضاً أن ندرك نحن النساء وجود العديد من الرجال الذين يهتمون بعمق لقضايانا، ويسعون لكسر صمت المجتمع المتواطئ عن العنف القائم على النوع الاجتماعي.

4- توفير بيئة آمنة، وقدرة وصول آمنة أيضاً، إلى مصادر الطاقة والمصادر الطبيعية المحلية.

تتعرض العديد من النساء والفتيات النازحات لخطر الاغتصاب أو الضرب أو القتل كلما ذهبنَ لجمع الحطب أو الماء أو غيرها من الموارد الضرورية.

5- حماية المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية وثنائيي الجنس المشمولين باختصاص المفوضية من العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس.

قد يتعرض هؤلاء إلى درجات عالية من التمييز والعنف، بما في ذلك العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس.

6. حماية الأشخاص ذوي الإعاقة المشمولين باختصاص المفوضية من العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس.

غالباً ما يكون الأشخاص من ذوي الإعاقة عرضة لخطر العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس، كما أنهم غالباً ما يعجزون عن الوصول إلى الخدمات.

وكذلك تشمل أعمال منظمات المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية الدولية تقديم خدمات الرعاية الصحية والإنجابية، التي من شأنها المساعدة مثلاً في منع حالات الحمل غير المرغوبة والعدوى المنقولة عن طريق الجنس وتوفير علاج للإصابات الناجمة عن العنف بالإضافة للتثقيف الصحي والجنسي وتقديم المعلومات الوقائية. وخدمات الدعم النفسي والاجتماعي التي تتضمن جلسات استشارية جماعية أو فردية وزيارات منزلية، فالرعاية النفسية والاجتماعية للناجين/ات من العنف الجنسي والعنف القائم على الجنس من شأنها تزويدهم بالأدوات اللازمة للتعامل مع الصدمة الشخصية والوصم والإقصاء المحتمل عن أسرهم والمجتمع. ذلك بالإضافة إلى الحماية، كتأمين مأوى للناجيات ودعم سبل العيش بما يشمل تقديم مساعدات نقدية وتدريبات مهنية ومهارات إدارة المشاريع الصغيرة. وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية تركيز تلك البرامج والتدريبات على إحداث تمكين فعلي للنساء الناجيات وعدم معاملتهنّ كضحايا أو ترسيخ الصور النمطية والأدوار الاجتماعية التقليدية لكل من الجنسين.

كذلك المساعدة القانونية المتاحة من خلال إعلام الناجيات/ين عن حقوقهنّ/م المنصوص عليها في القانون، ودعمهم في اللجوء إلى القضاء في حال اتخاذهم هذا القرار، إذ ينبغي لأنشطة الدعم القانوني الإسهام في معالجة ثقافة الإفلات من العقاب، وهي تشمل التدريب وبناء القدرات من أجل تعزيز إنفاذ القانون والنظام القضائي وفي الوقت نفسه الأخذ بعين الاعتبار المخاطر المحيطة بهذه العملية، كمحاولات الانتقام وضرورة المحافظة على السلامة الشخصية حيث أن أمن الناجيات يجب أن يكون أولوية قصوى، أيضاً توفير التدريب للنظراء الحكوميين ومنهم الشرطة والقضاء. وبالتأكيد حملات التوعية والتثقيف ومناهضة التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي والمطالبة بالمساواة، وهو الدور الذي يشترك الإعلام في القيام به أيضاً.

وبالتأكيد فإن الحكومات هي الأكثر قدرة على التأثير والاستجابة للوقاية والحدّ من العنف القائم على النوع الاجتماعي، إذ يجب أن تفرض قوانينَ تحد وتحمي وتقي منه بكافة أشكاله، وقوانينَ تضمن المساواة بين الهويات الجندرية في الدولة، وتوفير البيانات الموجودة حول المخاطر التي تواجه المجموعات السكانية ومدى تعرضها للعنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف الجنسي ليتم إدخالها في استراتيجيات الاستجابة، وأن تدعم عمل خبراء العنف القائم على النوع الاجتماعي وتوفير الموارد اللازمة للتدخلات، وتسليط الضوء على إمكانية انتشار العنف القائم على النوع الاجتماعي في كل مكان وأهمية جعل الوقاية والحد منه والاستجابة له أولوية في أعمال الإغاثة الإنسانية، وضمان أن يكون العنف القائم على النوع الاجتماعي موجوداً دائماً في دورات التخطيط للاستجابة لحالات الطوارئ، والتأكيد على أهمية دمج الوقاية والحد منه وخدمات الاستجابة للناجيات/ين في برامج بعض القطاعات/المجموعات التنسيقية داخل جميع الوزارات والوكالات الحكومية والمنظمات الأهلية الوطنية دون الانتظار حتى العثور على«أدلة» على وقوع العنف، وأن تحرص على تحقيق المساواة على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.

ثغرات وتساؤلات تطرح ذاتها

تتعلق عملية توفير بيئة آمنة للقاطنين في مخيمات بشكل أو بآخر بالاهتمام بالبنية التحتية لهذه المخيمات، فمشاكل المرافق الصحية الأساسية المتعلقة بقرب حمامات النساء من حمامات الرجال أو عدم إنارتها أو عدم تزويدها بأقفال، يُضاف إليها عدم ملاءمة موقع العيادات والمدارس والخدمات الأخرى، قد يزيد بدوره من خطر التعرض للعنف الجنسي والعنف القائم على نوع الاجتماعي، وهو ما غفلت عنه الخدمات المقدمة.

كذلك فإن غياب التعاون والتنسيق بين الوكالات الدولية ومنظمات المجتمع المدني وبين المنظمات الحكومية من شأنه أن يضعف من تأثير الخدمات المقدمة للناجيات، لعدم وجود قوة تنفيذية فاعلة على الأرض.

لا تزال الخدمات المقدمة محدودة ولا ترقى لتغطية الحد الأدنى من أعداد الناجين/ات المتواجدين/ات في مناطق الصراع الساخن والمخيمات العشوائية. ماذا قدمت الخدمات المتاحة لعدد لايستهان به من النساء السوريات اللواتي تعرضنَ لانتهاكات عديدة من قبل النظام السوري وداعش من خلال الاعتقال والاغتصاب والتحرّش، فأجساد النساء السوريات باتت وسيلة هذا النظام لإذلال معارضيه، وهو ما يعكس حقيقة اعتبار المجتمعات بأن جسد المرأة هو ملكية للرجال وهم وحدهم الأوصياء عليه. وحتى من نجونَ من الاعتقال لم ينجين من ظلم المجتمع وفق ما أشارت إليه مريم حايد في مقالها ناجية من الاعتقال.. لم تنجو من المجتمع، حيث اقترحت حايد تركيز اهتمام مجال عمل المنظمات النسوية/ النسائية/ منظمات توثيق انتهاكات النظام، بشكل خاص على قضية الاغتصاب في المعتقلات، من أجل تسليط الضوء وتوعية المجتمع على فكرة أن النساء الناجيات، ما هنَّ إلا ضحايا وحشية هذا النظام، ولسن مشاركات أو مسؤولات عن كل ما تعرّضن له قسراً، في المعتقلات.

وفيما يتعلق بالخدمات القانونية، ما الذي يمكن أن تقدمه تلك الخدمات للناجيات في ظل عدم وجود تشريع خاص للحماية من العنف الأسري في سوريا مثلاً، فالإجراءات والعقوبات في القوانين الحالية غير ملائمة، ولا تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاجتماعية والنفسية والمعيشية التي تجعل التعامل مع قضايا العنف الأسري أمراً مختلفاً، وعليه لا بدّ من المطالبة بوضع أحكام خاصة بتوصيف الجرم وطريقة التبليغ عنه وملاحقته جزائياً مما يتطلب إجراءات قضائية خاصة وعقوبات مختلفة، ولا بدّ من اعتبار جريمة العنف الأسري جريمة ضد الفرد والمجتمع، ومعاقبة الجاني عليها.

الإطار القانوني المحلي والدولي

من الصعب الحديث عن منظومة قانونية مجدية تنظم سلوك وعلاقات الناس والسلطة في ظل حكم سلطوي، كذاك الذي شهدناه، ولا نزال نشهده، في سوريا. يعود ذلك إلى: أولاً، عدم امتلاك القانون لأي ثقل لدى المؤسسات التي من شأنها ضمان نفاذه، فلا تتردد هي نفسها في تجاوزه عند تعارضه مع مصالحها وإرادتها. وثانياً، يصبح من السهل على أفراد أو فئات معينة من المجتمع، في ظلّ جو الفساد السائد، شراء خلاصها من العقبات القانونية لأفعالها. بالرغم من هذا كلّه، من المهم جداً النظر في مكامن الإطار القانوني الموجود حالياً لمحاولة فهم وتحديد الثغرات لتجنّب إعادة تدوير التحيّز الجنسي في أي جهود مستقبلية لتطوير أو إعادة كتابة القانون.

من المفيد إذن التفكير بالعنف القائم على النوع الاجتماعي ضمن سياق تكاتف العقلية الذكورية الاجتماعية والقانونية، إذ يتقاطع فعل التحرّش مع قصور القوانين السورية، بالنسبة لقانون العقوبات السوري، فإنه لا يوجد مسمى لفعل التحرّش، وإنما يعتبره القانون «أفعال منافية للحشمة وخدش الحياء العام» ضمن نص المادة 506، وهنا تظهر أولى بذور التمييز، طالما لا يُسمّي القانون الأمور بمسمياتها الصحيحة، ويجعل الأمر فضفاضاً. فما معنى توصيف التحرّش على أنه فعل منافٍ للحشمة! بدلاً من تسميته على أنه تحرّشٌ، وانتهاكٌ، وجرمٌ، وفعلٌ غير مقبول. كما يتقاطع فعل التحرش مع الثقافة المجتمعية عندما يتم السكوت عنه أحياناً، ووضع اللوم على النساء وتبرير فعل المتحرش.

لمواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي بكافة أشكاله نحن اليوم بحاجة للعودة إلى القوانين الدولية، التي لم تطبق بشكل صحيح في سوريا، منها اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد النساء «سيداو» ومعالجة التحفظات التي أبدتها الحكومة السورية عليها، واتخاذ التدابير لإيجاد بنية تشريعية تحمي الضحايا من العنف القائم على النوع الاجتماعي. ولربما يُعزى استمرار دائرة العنف إلى ممالأة النظام و منظومته التشريعية الواضح والصريح لتوجهات رجعية وذكورية، بعضها قادمٌ من التزمّت الديني، فيما بعضها الآخر مما اصطلح على أنه «عُرف»، بما يعزز من التمييز الجندري ضمن منظومة متكاملة من القهر السياسي والاجتماعي والديني، فترسيخ الهيمنة الذكورية يساعد على ترسيخ الهيمنة الأبوية السياسية القمعية، أو ربما تعزيز سلسلة القمع الاجتماعي في ظل حكم سلطوي، بما يكرس الأدوار النمطية والقيمية لكلا الجنسين، ويصنف النساء على أنهن ضعيفات والرجال فحول.

بالمقابل فإن أثر القوانين السورية لا ينعكس ضمن المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، ففي تلك المناطق نشهد حالة من الفوضى القانونية إن صحت التسمية، في ظل انتشار المحاكم الشرعية التي تطبق قوانين خاصة بها، وفي أغلب الأحيان يكون الأمر متروكاً لتقدير القاضي الشرعي أو الهيئة الشرعية المسيطر عليها من قبل الفصائل العسكرية، بما يعزز من هيمنة السيطرة الذكورية وتبرير العنف ضمن منظومة عسكرية دينية واجتماعية. أما في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية فعلى الرغم من البدء بتنفيذ قانون المرأة، وإحداث قوات حماية المراة، ولكن ذلك لم يكن كفيلاً بمنع انتهاكات قائمة على النوع الاجتماعي منها تجنيد الطفلات، وسوقهنّ للقتال في صفوف قوات سوريا الديمقراطية «قسد».

سبل الوقاية من العنف القائم على النوع الاجتماعي عبر تمكين النساء والفتيات

لتعزيز حماية النساء والأطفال من مخاطر العنف الجنسي والعنف الجندري، يتوجب العمل على تصميم وتنفيذ البرامج والمداخلات الهادفة إلى تعزيز المساواة الجندرية في جميع المجالات، بحيث يتاح للنساء والرجال والفتيات والفتيان إمكانية متساوية في الوصول إلى الفرص والخدمات والتمتع بحقوقهم/ن، وبالمساواة الحقيقية بين الجنسين، التي تستتبع تفسير الحقوق وإنفاذها على نحو يضمن ممارسة المرأة لحقوقها وتمتعها بها على نحو متساوٍ.

ثمة ارتباطٌ بين العنف ضد المرأة وحقوقها الاقتصادية والثقافية والقانونية، الفقر والبطالة غالباً ما يرغمان كثيراً من النساء ومنهن فتيات صغيرات على البغاء أو أنه يمكن أن تحدث إساءة بالغة تمس المساواة في العمل عندما تتعرض المرأة للعنف كونها امرأة مثل المضايقة الجنسية في مكان العمل. حان الوقت لسد الفجوات بين الجنسين في الفرص الاقتصادية المتاحة، فالنساء يتقاضين أجوراً أقل، ويتركز عملهن في الأنشطة ضعيفة ومتوسطة الأجر، وتقل فرص وصولهن إلى المصادر الاقتصادية بالإضافة لتحملهن أعباء شؤون المنزل والرعاية الأسرية.

والمساواة بين الرجل والمرأة أمام القانون، ومنح الحق للمرأة بحيازة الممتلكات وإدارتها والتمتع بها وحرية التصرف بها، هو المحور الذي يدور حوله حق المرأة في التمتع المالي، وفي كثير من البلدان سيكون لهذا الحق أهمية حاسمة فيما يتعلق بقدرة المرأة على كسب عيشها وتوفير سكن ملائم وتغذية كافية لنفسها ولأسرتها، أما تبعية المرأة الاقتصادية للرجل فغالباً ما تمنعها من اتخاذ القرارات الهامة ومن المشاركة على نحو فعال في الحياة العامة، لا بل وتعرضها للعنف الأسري.

الوقاية من العنف الجنسي والعنف الجندري يتركز ضمن شقين، الأول يرتبط بالتربية والتنشئة التي تقع على عاتق الأسرة بالدرجة الأولى في تعليم الطفل المبادئ والقيم التي يحترم فيها المرأة ويقدرها، وإبعاده عن العنف والضرب ومنع ممارسته عليهم كي لا يؤثر عليهم في المستقبل. أما الشق الثاني فيتمثل باتخاذ إجراءات حازمة بعد حدوث المشكلة وتفاقمها، ومن تلك الإجراءات التشدد في تطبيق القوانين المتعلقة بجزاء الممارسين للعنف الجنسي والعنف الجندري، وحفظ المرأة من أن يمارس عليها عنف الأقارب والمجتمع، والسعي لتوعية المجتمع إعلامياً حول قيمة المرأة في المجتمع وأهميتها، وأنه من غير المسموح أن تُمارس عليها أفعال جائرة من العنف بصفتها إنساناً لها ما للرجل من حقوق وعليها ما عليه من واجبات. وأخيرا لا بدّ من نشر الوعي بين النساء أنفسهن لفهم حقوقهن، والسعي لنشر ثقافة التعليم لتكون مثقفة وصاحبة استقلال مادي وفكري، وفرض القوانين الحاثة على تعليم المرأة وعقاب كل من يحرمها منه. 

كيف يمكن أن نعالج المشاكل المتعلقة بالعنف ضد الأطفال بجميع أشكاله ومستوياته؟

يمكن منع سوء معاملة الأطفال من قبل الوالدين ومقدمي الرعاية عن طريق:

  • تقليل حالات الحمل غير المقصود، وذلك يساعد على تقليل عدد الأطفال غير المرغوب بهم من قبل الأهالي، حتى لا يكون قدوم الطفل عبئاً لا يمكن تحمله، ويصبح هذا العبء مصدراً لتعنيف الطفل.
  • الحد من المستويات الضارة للكحول وتعاطي المخدرات من قبل الآباء الجدد.
  • تحسين الوصول إلى خدمات عالية الجودة قبل الولادة وبعدها.
  • توفير خدمات الزيارة المنزلية من قبل الممرضات المحترفات والأخصائيين الاجتماعيين للأسر التي يتعرض فيها الأطفال لخطر كبير من سوء المعاملة.
  • توفير التدريب للآباء والأمهات على تنمية الطفل، والانضباط اللاعنفي ومهارات حل المشكلات.

ويمكن منع العنف الذي ينطوي على الأطفال في بيئات المجتمع من خلال:

  • برامج إثراء ما قبل المدرسة لإعطاء الأطفال الصغار بداية تعليمية وتثقيفية.
  • التدريب على المهارات الحياتية والمساعدة للوصول للعلاج النفسي ما بعد الحرب، ومساعدة المراهقين المعرضين للخطر الشديد على إكمال الدراسة، وتقييد الوصول إلى الأسلحة النارية.
  • إن تحسين كفاءة الرعاية الطبية قبل المستشفى والرعاية الطبية الطارئة سيقلل من خطر الوفاة، ومن وقت الشفاء ومستوى الضعف طويل الأجل بسبب العنف.

الجهود الحكومية في مجال مواجهة العنف ضد الأطفال

تتمثل ملامح الجهود الحكومية في وضع الضوابط الكفيلة بتوفير الحماية الجنائية للأطفال من سوء الاستغلال الاقتصادي، ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطيراً أو يمثل إعاقة لتعليم الطفل أو يكون ضاراً بصحته أو بنموه البدني أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي، وفرض عقوبات أو جزاء مناسب على سائر أشكال الاستغلال القسري للأطفال، ومتابعة تنفيذ كافة التدابير التشريعية والإدارية اللازمة لحماية الطفل من كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو العقلية أو الإهمال أو إساءة المُعاملة أو الاستغلال، والتعاون والتنسيق مع كافة الأجهزة المعنية بشؤون الطفل، فيما يتعلق بأي بلاغات أو شكاوى تتصل بالأطفال أو أي حالات لإساءة استغلالهم أو تشغيلهم بالمُخالفة للقوانين ذات الصلة، واتخاذ الإجراءات القانونية حيال مرتكبيها. 

من الممكن أن تضطلع مؤسسات المجتمع المدني بدور هام لكشف حالات العنف ضد الأطفال، وأن تصبح أحد المحاور الرئيسة في تأهيل الأطفال ضحايا العنف، وعلى الرغم من ذلك تظل هذه الجهود قليلة إذ تفتقر الجمعيات الأهلية لآليات حديثة لجمع البيانات والتوثيق والحصر. ويتركز نشاط منظمات المجتمع المدني في التدريب والتوعية وعمل البحوث والدراسات، أو ما يشمل نشاط الجمعيات الأهلية التوعية وتوفير الدعم لضحايا العنف الأسري، وعقد المؤتمرات حول موضوع العنف ضد الأطفال وسبل حمايتهم.

ويبدو جلياً أن الدور الذي تلعبه الجمعيات غير الحكومية في مجال التصدي للعنف ضد الطفل ما زال ضئيلاً بالرغم من تبني قاعدة عريضة من الجمعيات لقضايا تنموية ترتبط بتنمية الطفل والأسرة، مثل التوعية السكانية والصحة الإنجابية والتعليم ومُكافحة الفقر، وتفتقد معظم الجمعيات الأهلية الغطاء الشرعي اللازم لتفعيل دورها في هذا المجال.

الوسائل المرئية تلعب دوراً هاماً في تعزيز العنف عند الطفل أو تقليله، حيث أن الرسوم المتحركة  والدعاية هما أكثر الوسائل التي يتأثر بها الطفل، نظراً لما تستخدمه من صور متنوعة، بالإضافة إلى الموسيقى المصاحبة التي تشد الأطفال بدءاً من سن السنتين أو الثلاث. من هنا يأتي التأكيد على الاهتمام بنوعية ما تقدمه هذه الدعايات والرسوم للأطفال من مواد قد يقضي وقتاً طويلاً وهو يشاهدها باختلاف المنصة إن كانت التلفزيون أو عن طريق الانترنت8

والأمر هنا كذلك نسبي؛ ويجب توعية القيِّمين على وسائل الإعلام لتوجيه هذا المحتوى لمصلحة الطفل. فمثلاً، لا يحصل الطفل على المصاصة إلا بعد غسل يديه. هذه الصورة توجِّه الأطفال للعناية بأنفسهم وبالحفاظ على نظافتهم. وهناك العديد من الأفكار الواجب طرحها على الأطفال في السنين المبكرة ومناقشتها معهم حول ما يشاهدونه والتأكد منه، وتصحيح المعلومات الواردة من خلال وسائل الإعلام.

ختاماً، تبقى ظاهرة العنف الجسدي والنفسي واللفظي ضد الفتيان والفتيات ظاهرة لا يتم التحدث بها بصوت عالٍ، حيث أنها تعتبر شأناً خاصاً في مجتمعنا، ولا يمكن الحديث عنها علناً، والأمر الذي يجب القيام به هو نقل تلك الحالات من الشأن الخاص للشأن العام، حتى تتم معالجتها وتوقع أخطارها وكيفية التعامل معها ومحاولة إصلاح الضرر الناتج عن العنف بأساليب سلمية وتوعوية. وطبعاً، لا يمكن اعتبار أن مهمة إنهاء العنف هي مهمة سهلة وقصيرة الأمد، بل على العكس تماماً، ذلك أن أساليب العنف تتطور وتختلف باختلاف الزمن والمكان، ولكن الأمر يستحق بذل الجهد في سبيله، حيث أن خلق بيئة صحية للأطفال ومراعاة الفروق الجندرية هو ـساس عمل كل فرد، وقاعدة يرتكز عليها الإنسان ليبني مفهوم احترام الآخر وتقبّل الاختلاف في المجتمع.

جهود النساء لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي

يعود تاريخ المناقشات واسعة الانتشار للعنف القائم على النوع الاجتماعي اليوم إلى النشاط النسائي، منذ أواخر الستينات وأوائل السبعينات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والهند، والعديد من البلدان الأخرى، إذ نمت حركة تحرير المرأة بسرعة، وأصبح العنف القائم على النوع الاجتماعي بما في ذلك العنف الجنسي، مفهوماً مركزياً في مواجهة النظام البطريركي، والأسرة، والإيديولوجية الأبوية المهيمنة بشكل عام9، كما حققت جهود النساء مكاسب مهمةً في كيفية استجابة الدول والمنظمات الحكومية للعنف القائم على النوع الاجتماعي، متحديةً أوجه عدم المساواة التي تزيد من قابلية التعرض للعنف القائم على النوع الاجتماعي، ما دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة للإعلان عن عام 1975 بوصفه العام الدولي للمرأة، ونظمت المؤتمر العالمي الأول المعني بها، الذي عقد في المكسيك10. كما تبنت الجمعية العامة قراراً بشأن العنف الأسري، وهو الأول في سلسلة من المكاسب لجهود النساء بهدف وضع العنف ضد المرأة في مقدمة أجندة حقوق الإنسان الدولية، وتوجيه الانتباه إلى العنف الهيكلي وعدم المساواة11.

وانطلقت النساء في جهدهن ليس فقط من التركيز على العنف القائم على النوع الاجتماعي كفعل لوحده، بل أدركنَ أهمية تحليل البنى والهياكل الاجتماعية والسياسية القانونية، ورصد عوامل القوة غير المتكافئة بين الجنسين كقاعدة ووسيلة مباشرة للإكراه يستخدمها الرجال للسيطرة على النساء وقمعهنّ. ومن الملاحظ أن هذا المنحى من التفكير هو نتيجة حتمية للتحولات الاقتصادية السياسية والتحول نحو المجتمع الرأسمالي، حيث بات الرجل يمتلك عوامل القوة ضمن المؤسسات الاقتصادية والسياسية والمجمعات العسكرية والصناعية والتكنولوجية، بما يعزز من سيطرته على النساء، ويضمن الاستمرار في علاقات القوة غير المتكافئة بين الرجل والمرأة.

وبالمقابل، فإن بعض الباحثات النِسويات تنبّهنَ للعوامل البدنية في تعزيز الهيمنة الأبوية، وكتفسير لوضع المرأة الأدنى بما له من آثارٍ وأبعادٍ نفسية وجسدية معينة توحي غالباً ما يشوبه الحتمية البيولوجية إلى أن القوة البدنية هي أيضاً عنصرٌ هيكليٌ في العلاقات غير المتكافئة بين الرجل والمرأة.

ومن هنا بدأت الدراسات الجندرية والنسوية تشير إلى أنه لا يجب أن يُفهم الاغتصاب على أنه عمل جنسي، ولكنه عملٌ يبسط الهيمنة على النساء، ويثير خوفهنَّ وقلقهنّ منه، بما قد يؤدي إلى زيادة الضعف البدني والنفسي لديهنّ، وهو ليس مجرد عملٍ فرديٍ يرتكبه رجل واحد ضد امرأة واحدة؛ إنه آليةٌ قوية لسيطرة الذكور على الإناث، وأداةٌ لتوجيه جميع النساء إلى الخوف من عنف الذكور، وتعبيرٌ عن أنهنَّ حقوق وملكية لهم.

من جهة أخرى، ونتيجة الحروب التي اندلعت خلال حقبة التسعينات من القرن الماضي في يوغسلافيا وروندا وأفغانستان، وغيرها من الدول، انطلقت الجهود النسائية للتعامل مع أثر الحرب على زيادة معدلات العنف الجنسي ضد النساء، وأدت هذه الجهود إلى الاعتراف بالاغتصاب باعتباره جريمة حرب، من قبل المحكمة الجنائية الدولية التي عقدت في يوغسلافيا، وروندا. علاوةً على ذلك تم تضمين الاغتصاب كجزءٍ من الإبادة الجماعية. هذا النشاط  المتضمن في العمل الأكاديمي والسياسي النسوي يمثل بدايةً لتركيزٍ غير مسبوق على أمن وحقوق المرأة في الحرب، ما أدى لصدور قرار الأمم المتحدة رقم 1325 بشأن المرأة والأمن والسلام.

لم تقتصر الجهود النِسوية على التركيز على العنف الجنسي الموجه والممارس ضد النساء، بل سعينَ إلى تسليط الضوء على الإيذاء الجنسي للرجال في الحروب وإدراجها ضمن أسباب سياسية واجتماعية، وقد ساعدت التحليلات النظرية للرجولة على التوصل إلى أن الذكورة المهيمنة ضمن النظام الأبوي لا يمكن فصلها عن السلطة بأشكالها العديدة: كالقوة الجسدية، بما في ذلك القدرة على الهجوم والحماية، والقوة الجنسية، والقوة الاقتصادية، والقوة السياسية، والقوة الفكرية، والقوة المعنوية، حيث تصبح بعض جوانب القوة هذه أكثر بروزاً في تشكيل فكرة الهيمنة والاستجابة لصور وأنماط ذكورية والحفاظ عليها، من قبيل أنهم حماة ومنتصرون ومتفوقون، ما يعد أحد ديناميات القوة التي تسعى الدول لترسيخها، والاعتراف بتنوع تجارب الرجال في الحرب12.

أما ضمن سياق مجتمعاتنا المحلية وظروف القمع السياسي العسكري الذي نعيشه في سوريا، فقد عمدت الأطراف المتصارعة إلى استغلال الاعتداءات الجنسية من قبيل اغتصاب النساء من أجل الإسكات السياسي والوصم الاجتماعي للطرف الآخر، على اعتبار أن أجسام النساء والفتيات من وجهة نظر نمطية تمثل ملكاً لرجال العائلة، وهنا نعود للتقاطعية مرة أخرى، فمن خلال التقاطع نستطيع تمييز أن طبيعة العنف الجنسي قد تضاعفت بالضرورة بسبب التمييز السياسي بين الجنسين، بما يعكس أن التفاوتات الهيكلية «الجنسانية والسياسية» في سياق العنف زادت من تعرض بعض الفئات مثل النساء، لهذا النوع من الإيذاء.

ولمواجهة العنف القائم النوع الاجتماعي، فقد ناشدت النساء السوريات عبر المجتمع المدني ومنظماته ومنصات الإعلام بضرورة وجود قوانين تحمي النساء والفتيات، في ظل وتيرة الحرب، بالإضافة للجهود النسائية المستمرة التي أدت لتعديل بعض بنود قوانين الأحوال الشخصية السورية مطلع عام 2019، كقضايا الزواج، والطلاق، والحضانة، والولاية على الأولاد، وتحديد النسب، مع الاستمرار بالمناداة لجعل قانون الأحوال الشخصية أكثر إنصافاً، والاستمرار بالمناداة لرفع التحفظات عن اتفاقية «سيداو» وتعديل القوانين التمييزية ضمن القانون السوري، إن كان عبر تخصيص نصوص ضد التحرّش والجرائم ضد النساء بشكل واضح ومحدد، أو تعديل قانون الجنسية الذي مازال يحرم المرأة السورية من الحصول على حقها في منح الجنسية لأطفالها.

خاتمة

آثار العنف النفسية والاجتماعية والاقتصادية عديدة ومهولة، لذا فهو مسألة مجتمعية الكلّ معنيون بمعالجتها. في الحقيقة، وقف العنف يبدأ بكل فرد منّا وذلك بنبذه كوسيلة لتفريغ غضبنا وتغذية كبريائنا، أو تحقيق أهدافنا. وقف العنف عملية بسيطة تستدعي عدم ممارسته، وذلك ليس عطية ولا عفّة إنّما هو واجب إنساني ومسؤولية أخلاقية تجاه أنفسنا والآخرين. وبالرغم من أهميته، إلا أنه ليس كافياً وحده. نحتاج أيضاً أن نتخلى عن النأي بأنفسنا عن مواجهته عند المرور به، بل العمل على الوقوف معاً والتدخل لوقف العنف بكافة أشكاله المنزلية والمجتمعية، فالمجتمعات المتقدمة تُقاس بعلاقات أفرادها ببعضهم بعضاً، ولا عيب في علاقات مبنية على المحبة والاحترام، تكون جزءاً أساسياً من أسلوب تربيتنا للذكور والإناث. ونظراً للعنف الممنهج والتاريخي على الإناث، فاختبار صدق المساعي في إنهاء العنف في المجتمع يترافق أيضاً بتشجيع الفتيات والنساء على اتخاذ قراراتهنّ بأنفسهن، واحترام خياراتهنّ ومواقفهنّ المستقلة وحريتهنّ بالتعبير دون قيد أو شرط محكوم بالجنس.