الدرس الذي لا غنى عنه

 


ربما تكون الموازنة بين الرؤيتين السياسية والجمالية واحدة من أكثر المسائل إشكالية وصعوبة عند إنتاج أي عمل فني، وهي المعضلة التي ينشغل بها جورج أورويل في مقالته لماذا أكتب، عندما يتحدث عن رغبته بأن يجعل من الكتابة السياسية فناً. ولا شك أن الكتابة الأدبية تمر بمراحل مختلفة عن تلك التي يمر بها فيلم سينمائي روائي أو وثائقي، لكن الهم الذي تتشاركه الفنون عموماً يبدو واحداً، خاصة في ظروف مماثلة لما بعد الثورة السورية، عندما يفرض البعد السياسي نفسه على العمل الفني، واجباً لا خياراً.

يمكننا أن نتلمس هذه الإشكالية بوضوح في الفيلم القصير الذي انتشر مؤخراً على موقع يوتيوب، للعبث يا طلائع من إخراج يمان عنتابلي، الذي يبدأ بدرس في التربية القومية الاشتراكية، وهي المادة المفتاحية لتلقين التلاميذ تعاليم الإيديولوجيا البعثية للأطفال في المدارس السورية، وقبل انتهاء الدرس يدخل الطفل الجديد (راجي رضا) في يومه الأول في المدرسة، وذلك بعد عودته من السويد التي كان فيها مع عائلته لاجئاً. يلعب الأطفال كرة القدم في الصف خلال الاستراحة، ودون أي قصد منهم تصيب الكرةُ الصورةً/الأيقونة لبشار الأسد فتُسقطها أرضاً لينكسر زجاجها، وعلى إثر هذه الحادثة يتعرض كل التلاميذ في الصف للضرب والتعنيف، وينتهي الفيلم بإعادة إلصاق الزجاج المكسور فوق صورة بشار الأسد. 

الفيلم هو اقتباس عن فيديو انتشر على موقع فيسبوك عام 2012، لحادثة ضرب وتعنيف للأطفال وقعت فعلاً في واحدة من المدارس داخل سوريا في مناطق تحت سيطرة النظام، لكن الواقعة المتخيّلة والمفتاحية التي أضافها المخرج من أجل تطور الحدث الدرامي في الفيلم هي سقوط صورة بشار الأسد وتكسّر لوحها الزجاجي، وهي الواقعة التي تساهم في ربط الفيلم بالسياق السياسي والاجتماعي الذي فرضته، ولا تزال تفرضه، منظمة «طلائع البعث» على أطفال المدارس في سوريا منذ تأسيسها عام 1974.

لهذا الحدث المتخيل دلالة رمزية شديدة الوضوح في علاقته مع تحطم الصورة «المقدسة» لبشار الأسد بعد الثورة السورية، كما أن الفيلم يحاكي ذاكرة ملايين الشباب السوريين الذين تعلموا في المدارس السورية، كما يحكي عن واقع التعليم الراهن الذي لم يتغير كثيراً عمّا قبل في سوريا. وربما تكون هذه مناسبة للحديث عن آليات أدلجة النظام لأدمغة الأطفال السوريين منذ الطفولة، وفضح أساليب المعاملة الهمجية في تربية الأطفال في مدارس النظام، لولا أن هذه الحقائق باتت مكشوفة وقد تم فضحها منذ السنوات الأولى للثورة، من خلال الإعلام والمدونات والفيديوهات التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها الفيديو الحقيقي الذي كان المادة الخام لهذا الفيلم.

في الروابط الإلكترونية التي تتم مشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف الترويج  للفيلم، تمت إضافة الجملة التالية أكثر من مرة؛ «فيلم واقعي 100%»؛ والسؤال الأول الذي يطرح نفسه هنا، هل أن يكون العمل واقعياً 100% هي قيمة جمالية تغني العمل الفني؟ لقد جاء الفيلم اقتباساً شديد الالتصاق بالمادة الأولية، وما أضافه الكاتب على التطور الدرامي للفيلم هو حدثان فقط؛ أولهما عودة الطفل اللاجئ إلى سوريا، وثانيهما تحطّم صورة بشار الأسد المعلقة في الصف. عدا عن ذلك، نجد الفيلم بمثابة تكرار دقيق لما جاء في الفيديو المصوَّر للحادثة الحقيقية، ويحيلنا ذلك إلى سؤال بات في غاية الضرورة عند مناقشة هذا العمل وغيره من الأعمال الفنية والإبداعية لجيل الثورة، والتي يتسم معظمها بشدة التصاقه بالواقع؛ ما جدوى أن يكون العمل الفني نسخاً عن الواقع؟

يفتح هذا الفيلم باباً واسعاً على ضرورة التفكير جدياً في الطرق الممكنة لإعادة إنعاش المخيلة الإبداعية، خاصةً عندما يكون قسم كبير من العمل الإبداعي لجيل الثورة السورية منشغلاً بإنتاج خطاب مضادّ يدحض الرواية الرسمية التي يروج لها النظام في السنوات الأخيرة بعد 2011. أما التمهيد الذي يُذكر في بداية الفيلم، عن أن «واقعية هذا الفيلم لا تنفي المتخيل فيه والمتخيل لا ينفي الواقعي» فهي تُحيلُ إلى لبس في فهم المتخيل والواقعي على أنهما يتنافيان، وكأن الواقعي هو نسخ للواقع المعاش بينما المتخيل هو الفانتازيا، في حين أن ذلك غير صحيح، ويكفي النظر إلى كل ما أُنتج من أفلام ومسلسلات واقعية غير مقتبسة عن قصص حقيقية. 

عدا عن ذلك، نرى لمدة تقارب سبع دقائق من إجمالي مدة الفيلم الذي لا يتجاوز اثنتي عشرة دقيقة مشاهد قاسية وعنيفة لأطفال يُضربون ويُذّلون في المدرسة، في تكرار لمشاهد الحادثة الأصلية التي بُنيَّ عليها الفيلم؛ ترى ما هي الغاية من إضافة طبقة جديدة من الألم، ومن محاكاة هذه الحادثة بحذافيرها وتجسيد مذلة هؤلاء الأطفال مرة جديدة؟ خاصة أنهم تعرضوا لعقاب مزدوج، أولاً بالضرب ثم  بتصويرهم في أقسى لحظات الإهانة.

الإجابة البديهة الأولى هي أن الهدف هو إيصال ألم هؤلاء الأطفال وتوثيقه حتى يعرف العالم أشكال المذلة والإهانة التي تعرضوا لها؟ لكن هذا الدور الإبستمولوجي للفنون عموماً بكافة أشكالها لم يكن يوماً هو الغاية الأساسية للفنون، وصحيحٌ أن الفنون يمكن اعتبارها وثيقة عن الزمن الراهن الذي أُنتجت فيه، إلا أن ذلك ليس الغرض الذي تُصنع من أجله السينما وتُكتب من أجله الروايات وغيرها من الأعمال الإبداعية، وإلا اقتصر الأمر على متابعة الأخبار التي تُبث يومياً في الإعلام.

أما المطّب الآخر الذي وقع فيه الفيلم في خضمّ محاربته إيديولوجيا طلائع البعث، فهو الخطاب الذي يرد على لسان التلميذ الجديد، اللاجئ سابقاً، عند سؤال الأستاذ له عن سبب عودته وعائلته من السويد. هناك وجهان لفهم هذا الخطاب السياسي الذي يقوله طفل لا يتجاوز عمره الحادية عشرة، الأول هو الدرس التلقيني الذي يلقنه الآباء للأبناء بسبب مخاوفهم الأمنية على أبنائهم، وذلك لا يتجاوز التأويل، إذا لا يقدم الفيلم أي إشارة إلى هذا التأويل. أما الوجه الثاني، فهو تحميل الطفل خطاباً سياسياً ينسجم مع الخطاب الرسمي للنظام الذي يشجع اللاجئين على العودة إلى حضن الوطن، والنوستالجيا إلى الأهل والحياة الاجتماعية مع العائلة، وكأنها الأسباب الوحيدة لعودة اللاجئين إلى سوريا؛ والمشكلة في هذه الحالة هي تنميط العائدين إلى سوريا، وكأن أسباب عودتهم تعني بالضرورة انسجاماً وموافقة ضمنية على مواقف النظام. 

ثمة جهدٌ واضحٌ مبذولٌ لإنتاج هذا الفيلم، الذي هو العمل الأول لمخرجه، كما أن فيه موقفاً واضحاً مناهضاً لتعنيف الأطفال، ومناهضاً أيضاً لسياسات النظام السوري التعليمية، إلا أن وضوح الموقف وأهمية الرسالة السياسية التي يحملها أي إنتاج فني، لا ينبغي أن تقود إلى تجاوز النقاش حول المعايير الفنية والجمالية، ذلك أن العمل الإبداعي لا ينبغي أن يكتفي بنسخ الواقع، كما أن الخطاب السياسي لا ينبغي أن يأتي على حساب المعايير الفنية، بل على العكس من ذلك، كلما ازداد الوعي السياسي بمعنى وأهمية النشاط الفني والإبداعي لجيل الثورة من فنانين وكتاب، كلما تكامل المعنى السياسي مع المعنى الفني في أعمالهم.