الدرون: القاتل الإنسانوي المشبوه

 

يُطارد توم كروز في فيلم «نسيان/oblivion» دروناً عملاقاً، يحاول قتل شخص نجا من سفينة تحطمت على الأرض، بعد أن تحولت الأخيرة إلى خرابٍ خاضعٍ لرقابة الدرونات، التي لا تكتفي بالتلصص والتنصت ورصد أي حركة، بل تمارس أيضاً سلطة العقاب، قاتلةً أي شكل للحياة لا تتعرّفُ عليه. هي أشبه بمحركات للإبادة، ولكن ليس بوصف الإبادة حدثاً في زمان ومكان محددين، بل بوصفها وضعية سياسية وعسكريّة، تُمارَس على امتداد الزمن، فالدرونات تحافظ على «الموت» ضد أي احتمال للحياة، حيث يواجه الناجون المختبئون آلات مبرمجة على القتل، دون عدو بشريّ واضح للاشتباك معه، ولا خيار أمامهم إلا الهرب.

هذا التخيّل الديستوبي لعالم تُضبَط فيه «الحياة» من قبل الدرون، ليس بعيداً عما نراه حالياً في بعض الأماكن، التي تتبنى فيها وزارة الدفاع الأمريكيّة تقنيّة «صندوق القتل»، التي يضمن الدرون فيها موت أي عدو محتمل، وهذا ما حصل بعد حرب كوسوفو في منتصف التسعينات، إذ تحول الدرون من «آلة طائرة تحوي كاميرا»، إلى مُفترس مُحمّل بالسلاح، استُخدم لأول مرة في غزو أفغانستان عام 2001.

الدرون ليس فقط «سلاحاً» أو وسيلة للمراقبة، بل تحول مع مطلع الألفيّة الثالثة إلى موضوعة فلسفيّة، غيرت مفاهيم السيادة والأخلاق وقوانين الحرب وعلم النفس، وهذا ما نقرأه في كتاب نظرية الدرون للفيلسوف الفرنسي غريغوار شامايو، الذي يحضر فيه الدرون بوصفه «سلاحاً» تسبب بخلخلة «فن القتل» و«صناعة الحرب» المرتبطين بنظريات السيادة، بوصفها المسؤولة عن منح حق الموت وتقرير الحياة، إذ يعتمد شامايو على الأدبيات العسكريّة ونظريات الحرب لفهم الدرون بوصفه مُنتجاً ما بعد كولونياليّ، ومعادلاً للهيمنة الإمبرياليّة العموديّة على الأرض، كونه يحقق انفصالاً كلياً بين السلاح والقاتل، ويحضر ضمن سرديات مكافحة الإرهاب المعاصرة، لأن الحكومات التي تستخدمه تدّعيّ أنه سلاح إنسانويّ، أساسه الدقّة وغياب الخسائر الجانبيّة.

يُعرّف الجيش الأمريكي الدرون بوصفه «مركبة، أرضيّة، بحريّة، أو جوية، يمكن التحكم بها عن بعد أو تتحرك بشكل أوتوماتيكي»، والكتاب لا يتناول فقط الدرونات التي «تصوِّر» وتُستخدم في المراقبة والتجسس، بل أيضاً تلك المجهزة بالأسلحة، والتي تسمى «الدرون الصياد –القاتل/ Hunter-killer drone»، الذي يتحكم به عن بعد طيارٌ بشريّ، ليصبح «مركبة طائرة ذات كاميرا عالية الدقة مجهزة بالأسلحة». هذا التعريف، يُبرز أولى خصائص الدرون التي تُغير مفهوم «الاشتباك»، فالمُفترس يتيح ممارسة القوة/ العنف دون إبراز نقاط الضعف، المتمثلة عادة بالعنصر البشري الذي يستخدم السلاح ضمن مساحة الاشتباك، فالأسلحة التقليديّة، تعرض حياة الجنود للخطر، وأجسادهم كمواطنين معرضة دوماً لأن تُقتل وتتعرض للأذى، وهذا ما يميز الدرون، بوصفه يتيح قتل «العدو» دون أن يشكل ذلك أي خطر على «الجندي/ المواطن»، ما يجعل العدو لا يملك فرصة الرد أو حق الدفاع عن نفسه ضد «قاتله»، لأن المسافة بين الهدف ومن يقوم بالرمي تبلغ آلاف الأميال، ذات المسافة بين الزناد (حامل الفعل البشري للقتل) والبندقيّة (الجهاز الذي يقوم بالقتل)، ليكون «الضعف» الوحيد هو ذاك المرتبط بالعدو نفسه، فلحمه يتحول إلى بيكسلات على الشاشة التي يراقبها «الطيّار» الذي يتحكم بالدرون.

هذه المقاربة، تنفي مفهوم الاشتباك، كون الدرون لا يُفعَّلُ فقط في «ساحة المعركة»، بل في أي منطقة «خطرة»، ليتحول من سلاح اشتباك إلى وسيلة للقتل العمد و«صيد» الأعداء أينما كانوا، ما جعله مؤخراً الأكثر استخداماً في الحرب على الإرهاب، بوصفه يقتل ولا يأسر، مبدداً بذلك مفاهيم النجاة وتصفية الآخر، بوصفها العوامل التي تحكم القتال/combat، ومتبنياً مفاهيم الاغتيال عن بعد والقتل دون خسائر.

انتصار الجبناء

تسبب الدرون بإشكاليّة في مفاهيم الروح العسكريةّ، وتعريفات البطولة والشجاعة والتضحيّة، التي تزعزعت مكانتها كتصنيفات أخلاقيّة، فالدرون سلاح الجبناء المختبئين وراء الشاشات، كما أن استخدامه يثير التساؤلات حول «أدبيات الحرب» وحقوق الإنسان، فالجندي يمتلك حق القتل ضد أي جندي آخر في ساحة المعركة، في حين أن الدرون ينفي هذه التصنيفات، إذ لا داعي أن يكون قائده جندياً، كما أنه يتيح قتل الأفراد/الأعداء جنوداً كانوا أم مدنيين، فأي فرد تنطبق عليه «صفات» العدو مُهددٌ بالقتل في أي لحظة في حال رصده من قبل الدرون.

يرى المدافعون عن الدرون أنه ينزع الجسد البشري من مساحة الخطر، لكن المقصود هنا جسد «الجندي الأمريكي» لا لحم الأعداء، فالتقسيمات الجيو-سياسيّة التي يتحرك ضمنها الدرون، تفترض مساحات الأمان التي لا تحوي أي تهديد، والتي يتحرك ضمنها المواطنون وقائد الدرون، ثم مساحات الخطر، هناك، حيث يتحرك الدرون مصطاداً الأعداء والإرهابيين المحتملين.

«الموت من أعلى» الذي يسببه الدرون، لا يحدث مرة واحدة، فهو ليس صاروخاً ينفجر ويَقتل، وبعدها يحاول القاطنون إعادة البناء، هو يستهدف العنصر البشري ذاته، هو آلة قتل قادرة على جعل «الموت» يستمر عبر الزمن، عبر الحفاظ على مساحات اللاحياة، أشبه بضمان لاستمرار الإبادة ضمن فضاء ما.

العالم كمساحة لصيد الإرهابيين

تفترض الحرب على الإرهاب في الولايات المتحدة، أن السيادة الأمريكية لها الحق «باصطياد» الإرهابيين أينما كانوا، سواء ضمن مساحة «الاشتباك» أو أثناء ممارسة «فعل إرهابي»، أو ضمن حياتهم اليوميّة. هذا الغموض المرتبط بوضعية الإرهابيّ المُحتمل، أو بصورة أدق، «الفريسة»، يعود إلى الجهود النظرية لمنظومة الدفاع التي يتبناها الاحتلال الإسرائيلي، الذي يرى أن الأراضي المحتلة وما حولها لا تحوي أعداء واضحين، بل احتمالات للعداوة، وهنا يأتي دور الدرون، واستخدامه في الاغتيالات المنظمة أو العشوائيّة، وضمنها لا يكون العدو كموضوع مجرد شخص يهدد «حياة المستوطنين»، بل جزءاً من شبكة، ويتم اختياره بصورة تفكك هذه الشبكة، وتمنع أي احتمال مستقبلي لأي هجوم على المستوطنين، إذ يقوم الدرون باصطياد الناشطين في غزة، وهم يتحركون في الشوارع أو يتنقلون من مكان إلى آخر.

هذه التقنيّة تبنتها الحكومة الأمريكيّة، ووظفتها في الحرب على الإرهاب، لتقوم بسلسلة من «الاغتيالات» الممنهجة، أو «الصيد البشريّ-Man Hunt»، حيث يترقب الدرون ومحركُهُ «العدو»، ويُنزل فيه الحُكم مباشرة سواء كان ذلك في أفغانستان أو العراق أو سوريا.

التحديق وأنساق الحياة

تمتلك الدرونات القدرة على التحديق، أي أنها تعيد تشكيل الموضوعات التي تقع ضمن مجالها البصري، خصوصاً أنها تملك سلطة القتل. هذا التحديق يدفع الموضوع لتبنيّ أشكال من السلوك «الآمن»، إذ يضبط أداءه العلنيّ، كي يتحول ضمن التقسيمات الأنطولوجيّة الحربيّة من «عدو» إلى «مسالم»، لأن أي خطأ في الأداء يمكن أن يجعله يبدو عدواً بالنسبة للدرون، ما قد يؤدي إلى الموت.

هكذا يحقق الدرون الحلم الديني، عبر الرقابة الدائمة والمستمرة على الأرض، هو عين الإله الكليّة، يُخزن كل المعلومات التي «يراها» ويعالجها، ليشكل نسقاً يرتبط بالموضوعة التي تتم مراقبتها، وشكل حياتها، بوصفها فريسة يُحتمَل صيدها في أي لحظة في حال «أخطأت»، والخطأ هنا قد يكون تغييراً في موعد العشاء، أو ظلاً مشبوها يظهر أثناء مشي أحدهم في شارع ما، ما يجعل قائد الدرون يظن بأنه «يرى» بندقية، بالتالي، القتل.

هذه الرقابة الدائمة، ترتبط بقدرة الدرونات على تسجيل الصوت والصورة وكل ما يحدث في مجالها البصريّ، ولإتقان هذه «المهارة» استفادت الجويّة الأمريكيّة من قناة ESPN الرياضيّة، ومن خبرات فريق قادة الدرون الذين يقومون بتغطية المباريات الرياضيّة، إذ قاموا بتدريب عدد من ضباط الجوية الأمريكيّة على آليات المطاردة، والملاحقة، وجمع أكبر عدد ممكن من الصور المختلفة المرتبطة بالأعداء، عبر «التحديق» بهم بواسطة الدرون.

لكن، الاستخدام العسكري لتحديقة الدرون، يهدف إلى رصد أنماط الحياة-life patterns، وخلق أرشيف عن حيوات أولئك المُراقَبين، لرصد أي تغيير في سلوك الأعداء، والتنبؤ بأي محاولة «للعداوة»، ما يجعل حياة الأفراد العلنيّة ونشاطاتهم اليومية تتحول إلى أرقام ومعطيات، وكأنهم شخصيات ضمن لعبة فيديو ذات حركات مدروسة، وأي «خطأ» فيها قد يعني الموت.

الأخطر أن هذا الأرشيف لا يكتفي بالصوت والصورة التي يقدمها الدرون، بل يدمج كافة المعطيات التي يحويها الفضاء، من اتصالات وتحركات وحسابات شخصيّة على فيسبوك وهوت ميل وغيره، في سبيل خلق هذه «الأنساق»، وكأن الكل مُذنبٌ حكماً، وخطأٌ واحدٌ يكفي كي ينزل العقاب، فلا مساحات للعب أو الارتجال حينما يكون الفرد فريسةً، وهنا يبرز الدرون بوصفه ينتهك السيادة الوطنيّة، كما أنه لا يلعب دور الشرطة في عقاب المذنب، ولا دور الجندي في الاشتباك مع قوات العدو، بل يمارس هيمنة على شكل الحياة نفسها، ويقوم بإبادتها في حال الاشتباه «بتهديد مباشر للولايات المتحدة». فمثلاً تمت الموافقة على ضربات الدرون في اليمن من قبل الرئيس الأمريكي السابق «باراك أوباما»، ويمكن اعتباره المسؤول مباشرة عن مقتل 4 مدنيين في اليمن إثر الاشتباه بأنهم «إرهابيون»، دون أي دليل واضح.

يضاف إلى ذلك قائمة القتل أو الاغتيال، التي تتم الموافقة على من سيكون ضمنها من مكتب الرئيس الأمريكي مباشرة، فهؤلاء «الأعداء» يُقرَّرُ قتلهم دون محاكمة أو إثبات، بل بناء على الشك والاشتباه والمعاملات البيروقراطية. أيضاً، هناك «الأعداء» مجهولو الهويّة، الذين يتم قتلهم فقط بسبب خلل في سلوكهم، أو «أخطاء» يفسرها قائد الدرون، أو المحلل الموجود في مقر تحليل صور الدرون في تكساس، الذي يشاهد الفيديوهات التي تصل من الشرق الأوسط، ويحدد بناء على تحليل سلوك «الأفراد» من قد يكون «تهديداً»، ليرسل بعدها الأوامر بالقتل.

هذا «التحليل» أفقد آلاف المدنيين حياتهم، وذلك بسبب عدم تطابقهم مع المعلومات وأنماط الحياة «الآمنة»، أو تواجدهم ضمن مناطق «الأعداء»، ومع ذلك فإن هذا «القتل» والأضرار الجانبيّة الناتجة عنه، يضمن الأمن الداخلي وحماية السيادة الأمريكيّة ضد الأعداء حتى لو لم يكونوا ضمن ساحة المعركة، إذ يصف أحد الضباط عمله:

«نراهم –مقاتلي العدو- يقبّلون أطفالهم قبل أن يغادروا، ويقبّلون زوجاتهم، ثم يمشون في الشارع، وما أن يتجاوزوا التلة، حتى نطلق الصاروخ... السبب أننا لا نريد أن ترى عائلتهم ما حصل».

هذا التوصيف على إنسانيته المبتذلة، لا ينتمي إلى أدبيات الحرب أو الاشتباك، بل يؤكد على غياب أي فرصة «للعدو» بتغيير موقفه، أو التراجع، وكأننا نقرأ عن قنّاص يصف لنا كيف «يغتال» ضحيته، الواثق حتماً من أنها مذنبة.

صندوق القتل

تعتبر تقنية «صندوق القتل-Kill box» من أخطر استخدامات الدرون ضمن أدبيات «الحرب العالمية ضد الإرهاب»، التي لا تبيح فقط قتل الأعداء، بل تخلق مساحة طولانية وعرضانيّة كلُّ ما فيها صالحٌ للقتل. هذه المساحة تختلف عن أرض المعركة المحصورة في ساحة القتال، كون صندوق القتل يمكن أن يكون في أي مكان، هو مرتبط بالصيد وموقع وجود الفريسة، بالتالي حرمانها من الملجأ والمأوى، إذ لا مكان للاختباء، لا بد من هرب دائم. هذا الصندوق يتيح للسلطة التي توظف الدرون أن تمارس حق المطاردة، المختلف عن الاحتلال أو السيطرة على الأرض ضمن أدبيات الحرب، فهو يخترق سيادة الأرض، ويبيد أشكال الحياة ضمن «الصندوق» بوصفه مخبأ للفريسة. وما يميزه أنه ذو عمر محدد، هو يُفتح، يُفعّل، ثم يُغلق، وحينما يُفتح، يمكن للدرونات في داخله أن تقتل مباشرة، دون العودة للقيادة العليا. هو صندوق يضمن «اصطياد جسد العدو» والقضاء على مكامنه، باعتبار أن جسده هو ما يخلق مساحة «الاشتباك»، ما يعني، أن أي مساحة آمنة يتواجد فيها العدو يمكن أن تتحول إلى صندوق قتل، وهذا ما يؤثر على تعريف المكان، لا بوصفه جغرافيا مأهولة أو ساحة للقتال، بل جغرافية عدوانيّة تنشأ بسبب جسد العدو الحالي أو المحتمل، أشبه بمساحة في لعبة الكترونيّة تظهر على الشاشة ولا بد من الهيمنة عليها، وخصوصاً أن القوانين الدولية للحرب لا تنطبق على صندوق القتل، لأن تطبيق هذه القوانين ينحصر في مساحات الاشتباك.

يضع الكتابُ الدرون بمواجهة تقنيات «حروب الغوريلا-حروب العصابات»، التي توظّف البيئة والمكان ضد المعتدين، إلا أن استخدام الدرون يقضي على «مادية» العنصر البشري الذي يجب استهدافه للسيطرة على الأرض، ما يستبدل الاشتباك مع العدو بالاختباء من الدرون، وينفي القتال عبر تحويل الحرب إلى «إبادة جراحيّة-surgical annihilation» للأعداء، وهنا يكمن الفرق بين الحرب على الإرهاب ومكافحة التمرد-counter insurgency ، فالأولى ترى في الأفراد أعداء لا بدّ من إبادتهم، أما الثانيّة فترى في الأفراد أشخاصاً لا بدّ من منعهم قبل الإقدام على فعل «عنيف»، واحتوائهم مدنياً وعسكرياً، بوصفهم موضوعات سياسية يمكن التعامل معها وتوجيهها، في حين أن استخدام الدرون يقوم على أساس قائمة «الأهداف» التي تتزايد دوماً، فالدرون يتعامل مع أعداء وهميين، يُفترض وجودهم مسبقاً.

لكن هذه «القوة» التي يفرضها الدرون تحوي نقطة ضعف، وهي بعكس نقطة ضعف أخيل، لا تتركز في العنصر البشري الغائب «الطيار»، بل في الدرون نفسه كـ «آلة» يمكن التشويش على إشارتها، كما فعل الاحتلال الروسي في سوريا ضد الدرونات الأمريكية، إذ يتم تعطيل إدراكها للمكان والقدرة على التحكم بها. كما تم أيضاً تطوير ألبسة وبدلات لا تكتشفها كاميرا الدرون الحراريّة، وأساليب تلوين للوجه تعيق تقنيّة التعرف على الوجوه التي تحويها كاميرا الدرون.

انتحاري بلا جسد

لحم طيار الكاميكازي هو سلاحه، كلحم الانتحاري، فالجسد البشريّ في هذه الحالات هو وسيلة القتل ضمن المعركة، فالعلاقة بين اللحم وبين «الآلة» عضوية، بوصفهما موضوعاً واحداً لا حدود بينهما، بعكس طيار الدرون، الذي يمتلك سلاحاً بلا جسد، لحم الطيار لا يخضع لأي خطر يهدد «وحدته» و«سلامته» السياسيّة. التقنيتان متناقضتان، الأول هو سلاح يهدد الحياة، والثاني، سلاح لحفظ الحياة.

نظرياً يشكّل الكاميكازي حالة فلسفيّة وقانونية مثيرة للاهتمام، فالجريمة والعقوبة تتلاشى بمجرد موته. هو يفقد حياته كما العدو، في حين أن الدرون مُدّعي الإنسانية، لا يترك وراءه سوى جثث الأعداء، لأن المواطن/ الجندي/ قائد الدرون لا يمكن التضحية به، بعكس الكاميكازي الذي يموت مع عدوه محققاً نوعاً من العدالة.

قائد الدرون يمتلك حساً بالمناعة ضد الموت، وهو لا يَشهد ما يقوم به من قتل، هو أسير صور وأزرار وبيانات عن «أنساق الحياة»، هو بعيدٌ عن الاشتباك والعنف، القاضي والجلاد في الوقت ذاته، والأهم، أن اختيار السلاح يحدد طبيعة الموضوعة البشريّة وتصنيفها، فقائد الدرون يراوح بين قاتل، وجنديّ، ومجرم حرب.

يناقش الكتاب أيضاً تأثير الدرون على «الطيار» الذي يقوده، والتغيرات النفسية التي يصاب بها إثر انتقاله السريع من «ألعاب القتل» إلى الحياة اليوميّة، أي انتقاله من «ساحة القتال» إلى «منزله» دون أن يكون هناك آلاف الأميال التي تفصل الفضائين عن بعضهما. لكن الأهم، هو أن الدرون يحول الحرب إلى جهد بيروقراطي، فالسيادة تمارس دورها في حماية مواطنيها ضد الأعداء المحتملين دون تعريض المواطنين للخطر. الأعداء إذن يواجهون الحرب ضد أجهزة الدولة، لا ضد الجنود أو الأفراد، وهنا تظهر إشكالية تتعلق بقوانين الحرب، فالقتل المُمَارس ليس ضمن شروط الحرب، إذن على من يقع ذنب القتل الخطأ؟ قائد الدرون؟ من أمر بالقتل؟ أم الدرون نفسه إن قتل بسبب خطأ تقنيّ؟

يحمل استخدام الدرون خصائص الاغتيال ذاتها، كونه يحرم «العدو» من حق الدفاع عن نفسه، ومواجهة قاتله المحتمل، فغياب الموضوعة البشريّة تجعل الدرون لا مجرد سترة واقية من الرصاص تحمي «الجنديّ»، بل تقنية إبادة، لا تمنح الأعداء حق الاستسلام، أو تسليم أنفسهم.