الدين والتجربة الشخصية: الله وحاشيته في لوحات

 

شَجَّعَني كثيراً ما كتبه ياسين الحاج صالح تحت عنوان الدين والتجربة الشخصية على أن أحكي مسارات الدين في حياتي، أو على الأقل وبقدر أقل من الشجاعة، بواكيره فقط، بحكم تجربتي كإسلامي سابق مثل معظم أبناء جيلي في مصر. غير أني أعتبر أن تجربتي فيها قدرٌ من الخصوصية، لاعتباراتِ المرور بجميع ألوان طيف الإسلام السياسي، من أقصى يمينه المتطرف إلى يمينه المعتدل (لن أغامر وأقول أقصى يساره غير الموجود لا نظرياً ولا عملياً!). سوف أحاول أن ألتزم بخط زمني، قدر المستطاع، خاصة مع تزاحم كثيرٍ من الحكايات والمشاهد في رأسي، ذلك أن الدين احتلَّ أكثر من ثلثي حياتي، كموضوعٍ وجوديٍّ أساسيٍّ وأصيل، لم أقدر على تنحيته عن مركز اهتمامي حتى الآن.

يقول صديقي بلال علاء إنه يحزن عندما يفقد لياقته الإسلامية، وهو الشيء الذي اكتشفتُه في نفسي بعد عمر، أن هذه اللياقة ضروريةٌ خاصةً إذا كانت جزءً من هويتي الشخصية، ما يجري على لساني ويقتحم رأسي مرة بعد مرة، قبل أن يمرَّ على عدد من الفلاتر العقلانية. زالَ السخطُ على المنتج المعرفي الهائل، وحلَّ محلَّه قدرٌ من الاستمتاع به كمنتج ثقافي، منزوع من سياقه المقدس، ليصير عملاً روائياً ضخماً شديد اللطف، بمئات العناوين المسجوعة.

*****

علاقتي بالإسلام تبدأ منذ أقدم ذكرياتي، أمي وهي تلقنني الفاتحة وقصار السوَر. لسوء حظي كنت سريع الحفظ، أعتقد إنني أتممتها في الخامسة أو أقل قليلاً، ما شجَّعَ السيدة الوالدة على تحفيظي سوراً أكبر. جزء عمَّ، ثم جزء تبارك، ثم جزء قد سمع. شَجَّعَها ذلك أيضاً على تحريك والدي لإدخالي المدرسة مبكراً عاماً كاملاً. بما إني سريع الحفظ، فالأكيد أني سوف أسبق أقراني في المدرسة، وهو ما كان.

لم يكن أيٌّ من والديَّ من حَفَظَة القرآن، ورغم فخر أبي بانتمائه وعائلته «آل ندا» لجماعة الإخوان المسلمين، وافتتانه غير المُنكَر بشخص حسن البنا، لكن علاقته بالدين كانت علاقة الطبقة المتوسطة بالدين، الفروض الأساسية من صلاة وصوم وما إلى ذلك، وبعض الجمل شديدة العمومية من قبيل: «يجب أن يكون نظام الحكم إسلامياً» و«يجب تطبيق الحدود»، وبعض البهارات الإخوانية من قبيل: «المجتمع المسلم» و«أخلاق المسلم» وغيرها.

لم يزدحم بيتنا بكتب إسلامية كثيرة، اللهم إلا عدة نسخ من المصحف، ونسختان من كتاب فقه السنة للسيد سابق / منهاج المسلم للجزائري، والسيرة النبوية لابن هشام، والأربعون النووية للإمام النووي بالطبع. وهي الكتب التي لقيتها في كل بيت مصري مغترب في السعودية، كأنها علامات على مصرية إسلامه.

لا أتذكر أنني رأيت أبي أو أمي يقرؤون هذه الكتب، باستثناء المصحف بكثافة في رمضان، وفقه السنة للبحث عن فتاوى فقهية في مسائل يومية، قبل اختراعات الفتاوى المتلفزة وخطوط هاتف الفتوى. كانت مساحة الدين نظرياً أكبر من حضوره العملي. المفارقة أنهم ربما وجدوا فيَّ ضالتهم، في تعويض تلك النقائص. ظهر ذلك جلياً وقت أن زاد مقدار حفظي للقرآن على قدرة أمي، قدرتها على المتابعة، فكان لزاماً الالتحاق بواحدة من جماعات تحفيظ القرآن في أحد المساجد القريبة من البيت. وهناك كانت أولى ملاحظاتي للفرق بين طبيعة القرآن في البيت وموقعه في حلقة التحفيظ.

لم تكن أمي ممن يعطشون الجيم، أو يضبطون الثاء التي تنطقها مصرية خالصة «ساء» والذال أيضاً التي تُقلب «زالاً»، نطقٌ مصريٌ خالص، غير منشغلة بضبطه، حتى مع التزامها متابعة كبار مشايخ القراء، الحصري والمنشاوي المرتل تحديداً. كأن الزللَ منها جزءٌ أصيلٌ من «هوية» قراءتها. أيضاً لم تكن تلتزم بأحكام التجويد، بل لم تكن تعرفها بالأساس، حتى أن حفظي كان يعتمد على سرعة القراءة، كلما أسرعت كلما بدت قوة حفظي، وهو ما اعترض عليه شيخي المُحفِّظ «سلمان» العجوز السعودي من أصول يمنية. أولاً النطق، ثانياً التجويد، وأخيراً التمهل. أوقعني التمهل في شرك الخطأ، عدة مرات، شيءٌ يشبه كثيراً حفظ كلمات الأغاني مُلحنةً، يصعب كثيراً «تسميع» كلمات الأغاني دون لحنها، وربما تستعيدُ اللحنَ لتملأ فراغات الذاكرة. هذا تماماً ما حدث عندما تمهلتُ وجوّدتُ ونطقتُ نطقاً صحيحاً. نسيتُ معظم الحفظ، حتى أنني اضطررتُ في أحيان كثيرة أن أعيدُ القراءة في سرّي لأكتشف ما ينقصني، واستعنتُ للمرة الأولى بالمصحف المعلم للشيخ محمود خليل الحصري برواية حفص عن عاصم، ومرافقه الطفل الصغير. كنتُ أغارُ كثيراً من ذلك الطفل الذي لا أعرف اسمه، لكنه يتبع نطق الشيخ كما هو، كأنه صداه الصغير، وكنتُ في حفظي أردّدُ مع الطفل لا الشيخ، محاكياً طريقته.

أولى مواجهاتي مع أمي بعد حلقة التحفيظ، حينما تقمصتُ معلمي وأخبرتُها عن أخطاء تلاوتها. فعلتُ ذلك لأسباب خبيثة، أهمها ألا تعاقبني على «سوء الحفظ»، عندما تجرب بنفسها أن القراءة بشروطها الجديدة تُنسي الحفظ تماماً؛ وثانيها أن أكون للمرة الأولى حامل سلطة تعليمها، بغرور العارف الذي ما زال يلازمني بعضُه إلى اليوم؛ وأخيراً لألقن ما تعلمتُه وأعيدَ التأكيد على ما حفظتُهُ تحت ذريعة تعليمها. هل هذه الأسباب التي كانت في رأسي وقتها فعلاً؟ أم هو ما أبرره لنفسي الآن؟ لا أعلم بالتأكيد. مشكلة الذاكرة دائماً أنها تعيد تحرير نفسها، مثل نصٍّ لم ينشر، دائماً تجدد نفسها على مقاس الحال، لكن طعم الانتصار على أمي في هذه اللحظات ما زال يثير سعادتي كأنه قد حدث بالأمس.

في ذلك العمر، لم يكن الله في حساباتي، لم أفكر أصلاً في «كلامِه» باعتباره كلامَه. هو نصٌّ يجب أن نَهابَه ونحفظه دون أن نفهم معناه. كان الكلام في معظمه ثقيلاً. وكثيراً ما أضحكني في سرّي، خاصة عندما تتشابه مفردات فصيحة مع أخرى دارجة نابية. الآية مثلاً من سورة النجم «تلك إذاً قسمة ضيزى»، كيف يمكن ألا أتخيلها «طيزي»؟ في ذلك العمر يصعب ألا أجد التشابه مضحكاً، لكني بغريزة سليمة، كبتُّ تلك الضحكات في قلبي، ولم أعلنها حتى لزملاء الحفظ المشاغبين، مُحرِّفِي النصّ المقدس على سبيل النكتة.

ظهر الله مرة واحدة في خيالي في الخامسة أو أقل قليلاً، ربما ظهرَ وقت حرب الخليج، في مدينة الرياض حيث نسكن، وصواريخ صدام حسين تضرب بيوتاً على بعد أمتار من بيتنا. صفارات الإنذار التي تُضرَب في كل مكان، وإضاءة سماء الليل لثوانٍ. كان صوت الصفارات مع دوي التفجير، وشكل الصاروخ المضيء في عتمة الليل، كأنها جميعاً آتيةٌ من عند الله، هذه علامات قوته التي يرسلها إلينا. لكن ذلك الخاطر لم يدم كثيراً، تحت وطأة الخوف، وفزع أبي وأمي الذي صرفني عن أي خيالات طفولية.

أول ظهور معلن وواضح وجريء لله، كان في مسلسل محمد رسول الله. كان الممثل عبد الله غيث يظهر على أعلى يسار الشاشة، بلحية وشعر عظيمين، وغطاء رأس، وصوت عظيم بصداه. لم يكن له «حضور» في السياق الدرامي، لكنه كان يردد آيات، ويكمل نواقص قصص الأنبياء. كان حضوره مهيباً، وبقي لفترة طويلة في خيالي تجسيداً لله، لكني أيضاً لم أعلن عن أفكاري هذه لأبي أو أمي، بدافع غريزي أيضاً. اللافت أنني عرفتُ بعد أكثر من خمسة عشر عاماً، أن التلفزيون قرَّرَ منه ظهور عبد الله غيث في الأجزاء اللاحقة، بسبب «ألا يختلط على المشاهد ما يشوب الذات الإلهية». وعادت إلى ذاكرتي كل تفاصيل الأيام السعيدة التي قضيتها في مشاهدة المسلسل البديع على التلفزيون الصغير «سانيو / 20 بوصة»، وكيف تكونت أولى العلاقات بين أكثر أجزاء النشأة الإسلامية إمتاعاً، وهي قصص الأنبياء، مع أول تجسيد لله في خيالي.

بدا أن علاقتي بالله وعلاقتي بالنص القرآني لم تتقاطعاً إلا بعد سنين، بعد أن أتممتُ حفظ القرآن الكريم كاملاً، وقد صار في منتصفه مهمةً ثقيلةً، مُجهِدَةً ومُضيّعةً لوقتٍ رأيتُ أقراني –الأقل التزاماً في رأي والديّ-يقضونه في اللعب. كان التحدي الأصعب هو «فهم» ما تقوله تلك العبارات الملغّزة، فاشتريتُ كتابين هما كلمات القرآن لمحمد حسنين مخلوف شيخ الأزهر، والمصحف المفسر، بالخط الصغير وحواشي المعاني خارج مربع النص. استعنتُ بهما على فهم الكلمات مفردةً، لكن المعاني استغلَقَت عليَّ في كثيرٍ من نصوصه، حتى تعرفتُ على اختراع جديد وبديع اسمه مكتبة المدرسة، كان ذلك في المرحلة الإعدادية أو «المتوسطة» كما كانوا يسمونها.

لم تكن مكتبة المدرسة بالمكان المرغوب، ولا المطروق أساساً، في المرحلة الابتدائية، خاصة أن مكتبة تلك الفترة كانت مليئة بالكتب المتجهمة، ذات الأغلفة الزيتية والبنية ثقيلة الوطأة، على عكس كتب قصص الأنبياء للأطفال برسومات جمال قطب البديعة (راسم أغلفة نجيب محفوظ) وقصص كامل كيلاني، وبداية التعرف على عالم الشياطين الـ 13، والمغامرون الخمسة، ثم رجل المستحيل وملف المستقبل، في منتصف التسعينيات.

المتوسطة كانت مرحلة الإحساس بالنفس، تنامي الغرور إلى حدوده القصوى، مع الهواية الجديدة «كتابة الشعر»، والانغماس في الذات بالقدرة التي لا تتوفر في زملائي. ذلك الإحساس بالتفوق هو ما قادني إلى مكتبة المدرسة، برؤية «أنضج» من طفل الابتدائية محب الكتب المصورة الملونة. أنا الآن أكبر، لا بدَّ أن أتصفح كتب الكبار. بدأتها بمكتبة البيت المتواضعة، وكتبها القليلة التي لم تُثِر اهتمامي كثيراً، باستثناء فقه السنة والمسائل الفقهية التي تشبه المسائل الهندسية، بما أن كذا إذن كذا، وأكيد السيرة النبوية لأنها حكايات. عثرتُ أول ما عثرت في مكتبة المدرسة على كتاب تفسير ابن كثير. انبهارُ أمين المكتبة برغبتي في استعارته غذى إحساسي بنفسي أكثر، فشرعتُ في قراءته فور وصولي إلى البيت. فتحتُ أول ما فتحت تفسير بداية سورة الإسراء «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى». كنتُ أريدُ معلومات أغزر عن صعود النبي محمد إلى السماء، فوجدتُ في الكتاب ضالتي، الآية الأولى، في سطر واحد، وتفسيرها في عدة صفحات، كنتُ أقرأ ما هو أمتع من حكايات كيلاني. براق وملائكة وأنبياء وسدرة منتهى. انبهرتُ تماماً، وقررتُ أن آكل الكتاب أكلاً. لم أتوقف كثيراً عند المعاني قدر توقفي عند الحكايات الممتعة، هكذا وقعتُ في غرام النبي موسى، صاحب الحكايات الأكثر في الكتاب. موسى وربه، موسى وأخوه، موسى وفرعون، موسى وبني إسرائيل، موسى والبقرة، موسى والخضر؛ مسلسلٌ لا ينتهي من الحكايات. أحببتُ النبي موسى للغاية، كان بطلي. بقوته الهائلة «فوكزه موسى فقضى عليه» كما تقول الآية، كان سوبرهيرو حقيقي، يتحدث مع الله مباشرة، ويضرب بعصاه الحجر فتنفجر منه اثنتا عشر عيناً. وكنت أتخيله شبيهاً بفريد شوقي، وصوته كصوت فريد شوقي غير أنه بلحية عظيمة تصلُ إلى منتصف جذعه، ووجهٍ معقودِ الحاجبين دائماً، وغضب مكتوم يوشك أن ينفجر دائماً. أما الله فكنت أتخيله في هذه المرحلة دون ملامح، ودون كيان مادي، هو ذلك الشيء المنير في السماء، الممتد دون حدود، يشبه كثيراً جالاكتوس، من فيلم «فانتاستيك فور» الجزء الثاني 2007، لكن بقدرات مطلقة أكثر من جالاكتوس.

أعدتُ تفسير ابن كثير إلى المكتبة، ليسألني أمينها عن رأيي، فقلت بتعالٍ: «ناقصه كثير»، فرشّحَ لي تفسيرات الطبري والجلالين، في استثناء خاص لي، أن آخذ كتابين في مرة واحدة.

لم أنشغل كثيرا بالله، ربما لأنه مطلق القدرة أزلي أبدي، شيء خارج حساباتي واهتماماتي في تلك السن. كانت «الدراما» في حيوات الأنبياء والصحابة مثيرة أكثر. الملائكة بدورهم كانوا مثيرين للخيال أيضاً، مخلوقات ضخمة بأجنحة ضخمة، تستطيع أن تغطي الأرض كلها. أليس جبريل هو الذي رفع قرية النبي لوط بطرف جناحه وقلبها رأساً على عقب؟ تخيلته متجهماً، حاملاً للمسؤولية كما يليق بـ «رجل ثانٍ» مثالي. أليس هو من أرهب النبي محمد وهو يلقي عليه الوحي لأول مرة. مسؤوليات كبيرة لا تعطيه الفرصة للابتسام.

الله، خرج من خيالاتي الطفولية المغرورة إلى قاعات المدرسة، في حصص التوحيد، حيث كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد لمحمد بن عبد الوهاب، وحيث تعطيل كل خيال وتفكير لأنه من الكفر. ذلك هو توحيد الأسماء والصفات، وهو اعتقاد انفراد الرب بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة، والجلال، والجمال التي لا يشاركه فيها مشارك بوجه من الوجوه. وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله من جميع الأسماء، والصفات، ومعانيها، وأحكامها الواردة في الكتاب والسنّة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله، من غير نفي لشيء منها، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا تمثيل. ونفي ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله من النقائص والعيوب ومن كل ما ينافي كماله.

هكذا كان الله مُعطِّلاً لخيالي، وكنتُ أجاهد، بإخلاص، ألا أفكر فيه، لأن التفكير في معضلة «إذا كان الله هو خالق كل شيء فمن خلق الله؟» هو قلب الفتنة، وخفتُ أن أفُتن لئلا أقع في الكفر، فأدخل النار.

الخوف من النار كان مبرراً كافياً لأتوقف عن التفكير في الله، وأطلقت أفكاري حرة في العبث مع حاشيته كما أردت.

*****

أحبُّ أن أحافظ على لياقتي الإسلامية، و«إسلامية» عندي تعني كل ما أنتجته هذه الحضارة، بدءً من النص المقدس وحتى الحكايات الخليعة في كتب الحكي الشهيرة: الأغاني والكامل والعقد الفريد والمستطرف وغيرها.

كان عجيباً أن أجد هذه الكتب في مكتبة المدرسة المتوسطة، كلها دون تحقيق أو فتلرة تزيل عنها «تجاوزاتها الشرعية». بداية معرفتي بها كانت فتوى للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين قال فيها إن كتاب الأغاني لا يساوي عند الله جناح بعوضة. استفزني التشبيه ولم أكن قد سمعتُ به بعد، فنبّشتُ حتى وجدتُ حكايتها، البعوضة التي دخلت رأس النمرود فقَتَلَ نفسه من صداعها، وفقدت أحد أجنحتها، ولم تُرشَ بالدنيا تعويضاً لجناحها «ملحمة جذابة جداً». وثانياً ما الذي يدعو الشيخ إلى ذكر كتاب عنوانه واحدة من محرمات الدين؟ لذلك كانت دهشتي عظيمة حيث وجدتُه بأجزائه كاملاً في المكتبة، لكنني لم أجرؤ أن أفتحه مخافة المخالفة الشرعية، لأجد ضالتي في أربع مجادلات بديعة تحت عنوان قصص العرب، اختارها عدد كبير من «أبطالي» لاحقاً، منهم طه حسين ومحمد مندور. أكلتُ الكتاب أكلاً، كان شديد الإمتاع وخفة الظل، ومنه تعثرت ثانية باسم كتاب الأغاني، لكني لم أجد فيه «مخالفة شرعية» بل على العكس، حكايات فيها كثيرٌ من العظة والعبرة التي يحبونها، والكثير الكثير من خفة الظل، لشخصيات أقلَّ تجهماً من كتب التاريخ الرسمية.

أخذتُ الأغاني والعقد الفريد في إجازة منتصف السنة الثالثة المتوسطة تقريباً، ربما الثانية، واستغلقَت عليَّ اللغة بعض الشيء في البداية، لكن مع الاعتياد صارت دهشتي ومتعتي مثل علي بابا مع دخول المغارة لأول مرة. الدهشة والصدمة، مع كل هذه التجاوزات، حكايات لا تخجل من الزج بلفظ الجلالة في نُكاتٍ جنسية فجة. غضبتُ أول الأمر غضباً غير أصيل بالمرة، وكيف أغضب مع هذه المتعة غير المسبوقة، والضحك دون انقطاع لليال كاملة. سوف تظل تلك الإجازة –التي امتدت شهراً-من أمتع إجازات حياتي على الإطلاق.

*****

متعي السرّية أسعدت أهلي، كتبٌ كبيرة بأغلفة غامقة، أقرأها بنهم. لقد اطمأنوا كثيرا لأنني مختلف، لستُ مثل أبناء جيلي أحب اللعب، غير عالمين بحجم الهوة التي تتسع بيني وبينهم، شفقة مشوبة بالاحتقار لأن معارفهم لا تزيد، يقولون الكلام نفسه الذي قالوه لي منذ سنين. أول صداماتي مع أبي كانت بعد اقتناعي أن «الإخوان المسلمين من الفرق الضالة»، اندهشَ أبي، ثم حاول أن يكتم غضبه محاوراً إياي بهدوء، وفَشِل، كنتُ أعلمَ منه وحجتي أقوى، فلم يكن في يده إلا أن يضربني ويعاقبني، ويبدأ في أن يعي أن «القراءة بوظت لي دماغي». كنتُ أقولُ له «الإخوان أشاعرة، والأشاعرة فرقة ضالة»، لم يعرف كيف يرد. كنتُ أقولُ له «هل أنت ماتريدي؟»، فلم يكن يفهم، كان يقول إجابة مكررة: «أنا من أهل السنة والجماعة، والإخوان المسلمين هم قادة التنوير الإسلامي»، إجابات معلبة لا تردُّ على أسئلتي، التي لم يفهمها.

حاولتُ مناقشته في الجبر والاختيار، فقال لي هذراً كثيراً عن الشعراوي وأولى حلقاته في برنامج نور على نور، وعما إذا كان الإنسان مسيراً أم مخيراً. ضحكتُ، وبثقة نصف الجاهل قلتُ له «الشعراوي مجسد صوفي، لا يمكن أن آخذ منه العلم»، فما كان منه إلا أن صفعني وألزمني غرفتي ليومين متتاليين. شعرتُ أنني الإمام أحمد بن حنبل في محنته، وعَظُمَت نفسي في عيني كثيراً. لكني لم أتقمص الإمام أحمد أكثر من يوم واحد مع الملل الرهيب الذي ضربني، ورغبتي في مشاهدة التلفزيون، وبرّرتُ لنفسي: «الإمام أحمد لم يكن عنده تلفزيون».

بعد العقوبة، قررتُ أن أقرأ كتب الإخوان، وجدتها في المكتبة أيضاً، أقصد في ظلال القرآن ومشاهد القيامة في القرآن لسيد قطب. قرأتها بتحفز كبير، هذه كتابة جميلة، ورؤية عصرية لكتاب مُستغلَق على من لم يخض رحلةً مثل التي خضتها معه. كانت طبعةَ الشروق، أذكرُ مقدمة الأستاذ محمد قطب، مقدمةٌ أضاءت في قلبي كثيراً: «الكتاب الذي عاشه صاحبه بروحه وفكره وشعوره وكيانه كله... وعاشه لحظة لحظة، وفكرة فكرة، ولفظة لفظة. أودَعَهُ خلاصة تجربته الحية في عالم الإيمان... لقد آن له أن يأخذ وضعه الطبيعي في يد ناشر أمين... يقدر أنه ناشر فكر قبل أن يكون جامع مال... وأن نشر الفكر رسالةٌ عليا وليس انتهازية طامعة... فلتكن هذه الطبعة المشروعة الصادرة عن دار الشروق... بعد طول التطواف في طبعات غير مشروعة... فلتكن في ثوبها الجديد هذا... تحيةً منا في رحلتنا العابرة على الأرض... إلى المؤلف الشهيد». فُتنتُ بالملحمة في ظروف كتابة الظلال، وأبهرتني شخصية سيد قطب، حتى تنازعني شعور بالحرمانية للمخالفة الشرعية، وشعور بالإعجاب. استفتيتُ قلبي وقلت: سوف آخذ منه ما يوافق الشرع وأردُّ منه ما يخالفه، هكذا ببساطة.

تزامنَ إعجابي بسيد قطب مع محبتي الغامرة للشيخ المجاهد أسامة بن لادن، الذي وقعتُ في شراك محبته منذ سمعتُ عنه. أول الأمر من تلاميذ الشيخ ابن عثيمين، وهم يعتبرونه مثلاً أعلى لكل مسلم، حيث أعاد الفريضة الغائبة إلى مكانها، ثم بعد مشاهدة أولى حواراته مع يسري فودة على قناة الجزيرة. كان الحديث عنه من محظورات السعودية، ما أعطاه جاذبية مضافة في نظري. رجلٌ ضد العالم، هادئٌ مبتسمٌ حييّ، «جيفارا الإسلام» كما أسميته لاحقاً. كيف لا أُعجَبُ به! تمنيتُ أن أعلّقَ صورة له في غرفتي، لكن الصور حرام.

في ذلك الوقت نمت أمنيةٌ جديدة في قلبي، وهي أن أكون مؤسس دولة إسلامية جديدة، مثلما كان الإخشيدي، وصلاح الدين الأيوبي وسيف الدولة الحمداني، والمرابطون والموحدون، وانشغلتُ شهوراً في التفكير فيها واسمها، حتى انتهيتُ إلى اسم «الدولة العمرية» نسبة إلى عمر بن الخطاب، البطل النموذج في الإسلام، وموافقاً كنيتي التي اخترتها لنفسي «أبو عمر». كنتُ مفتوناً في بدايات المرحلة الثانوية بملاحم أبطال الإسلام وتأسيس الدول، فتنةٌ وصلت إلى محبة «حسن الصباح» ومغامراته المخيفة في قلعة آلموت. كنتُ أرى أن تأسيسي لدولة جديدة لن يكون إلا على طريقة الصباح. رغم أنه إسماعيلي، أي كافر ببساطة، إلا أن سيرته كانت مشجعة على التفكير والإعجاب، خاصة وقد حارَ رواةُ التاريخ في تبيان سيرة حياته، وكيف انتهت ومتى، بل إنهم حاروا في شكله. سوف أكون صباح السُنّة بالتأكيد. بل إن محبتي له وصلت إلى درجة تسلُّلِ ما ثبتَ من أوصافه على وصف الله، حتى اختلطا دون أن أدرك، وعندما أدركت... استغفرت الله.

*****

لم تَطُل فترة الخيالات الاستعمارية كثيراً، مع دخول اختراع جديد إلى بيتي اسمه «الإنترنت»، حين انفتحت عوالم منتديات «اللادينيين العرب» و«الملحدين العرب» أمامي، بكل كتبهم المزلزلة، لنصر حامد أبو زيد وسيد القمني وسعيد العشماوي وخليل عبد الكريم. لم أحب الثلاثة الأخيرين لأنهم أفرطوا في اللغة، فلم أثق في أفكارهم بالمرة، وكيف يمكن أن يتصدى للتاريخ الإسلامي جاهل باللغة، وقوامه الأساسي اللغة؟ انفجرت كل الأفكار الطوباوية الإسلامية في رأسي، وبدأت مرحلة الشك الوجودي العنيف، لكن بصمت، محافظاً على مكاني كإمام مسجد، مُخلياً هواجسي لنفسي مثلما اعتدتُ دائماً. قبل أن يأتي موعد العودة إلى مصر للدراسة في الجامعة، وهناك تغيرت حياتي تماماً، وتغيرت أولويات أفكاري، وبقي سؤالي عن الله مستمراً، دون أن أشغلَ نفسي بالإجابة عليه... حتى الآن.