الرداءة كفعل حكومي في لبنان

 


أعلن وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان، في الثالث من حزيران/يونيو الماضي عن خطته لـ«مكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية على الأراضي اللبنانية»، وتتراوح تبعات هذه الخطة على المشمولين فيها بين الإنذار والإقفال النهائي، فضلاً عن غرامات مالية تتراوح بين 2.5 مليون ليرة لبنانية كحد أدنى و5 ملايين ليرة كحدٍّ أقصى.

وقد دخلت هذه الخطة حيّز التنفيذ بشكلٍ فعلي في العاشر من تموز/يوليو الحالي، ذلك أنها تضمّنت مهلة شهرٍ واحد قبل الشروع بتطبيقها، حتى تتمكن الوزارة من إجراء حملاتٍ إعلامية وإعلانية تروّج لها وتشرح مضامينها. ومن جهةٍ ثانية، تسعى وزارة العمل من خلال هذه المهلة إلى منح بعض الوقت لأرباب العمل؛ حتى يتمكّنوا من استصدار إجازات عمل لعمالهم وموظفيهم من غير اللبنانيين. ومن المُقدّر أن يستمر العمل لتطبيق الخطة شهوراً طويلة؛ لأنّها تشمل جميع الأراضي اللبنانية، في حين لا تملك الوزارة سوى ثلاثين مُفتشاً سيعملون على تطبيقها في جميع أنحاء البلاد.

الأهداف المعلنة للخطة من جانب الوزير أبو سليمان هي «حماية اليد العاملة اللبنانية وتطبيق القوانين وتعزيز الأمن الاجتماعي»، وهي لا تقتصر على الأجانب من جنسياتٍ معيّنة، إنّما تشمل جميع العاملين في البلاد من دون تراخيص أو أذونات عمل من غير حملة الجنسية اللبنانية، والغالبية العظمى من هؤلاء هم من اللاجئين السوريين والفلسطينيين، بالإضافة إلى قسمٍ من العمالة القادمة من دول آسيوية، التي يعمل جلّها في الخدمة المنزلية وأعمال التنظيف.

احتجاجات واستهجان

على الرغم من أن هذه الخطة تستهدف العمالة السورية في المقام الأول، إلا أن اللاجئين السوريين يعيشون في أوضاع حياتية واجتماعية واقتصادية هي الأكثر هشاشة، ما يجعلهم غير قادرين على ممارسة أي فعل احتجاجي. أما الفلسطينيون فقد تفاعلوا مع الخطة بشكلٍ مختلف، معربين عن استيائهم ورفضهم لها من خلال مظاهراتٍ واحتجاجات شملت تقريباً جميع المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، وتطوّر بعضها إلى إحراق إطارات ودعوات للتوجّه إلى الحدود مع الأراضي المُحتلة.

كذلك أثارت الخطة كثيراً من ردود الأفعال المُستهجنة في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لكونها بالإضافة إلى تركيزها على العامل السوري كحجر عثرة في وجه «الأمن الاجتماعي اللبناني»، فهي تستهدف اللاجئين الفلسطينيين البالغ عددهم نحو 175 ألفاً، والذين يعيش غالبيتهم في لبنان منذ أكثر من سبعين عاماً، وتأتي استكمالاً لحرمانهم، أسوةً ببقية الأجانب، من العمل في المهن الحرة، التي تشمل 70 مهنة على رأسها الطب والهندسة، على الرغم من خصوصية الوجود الفلسطيني في لبنان وقدمه.

المساعدات تُغني عن العمل!!

بالعودة إلى نصّ الخطة المنشور على موقع وزارة العمل اللبنانية، فإنّ الوزارة تنطلق في خطتها من الحديث عن العمالة السورية التي تفاقمت نتيجة اللجوء السوري الذي تلا العام 2011، مستندةً إلى أرقام صادرة عن الحكومة اللبنانية عام 2018 تُقدّر فيها عدد اللاجئين السوريين بمليون ونصف المليون لاجئ، بينهم 938,531 مسجلين لدى برنامج الأمم المتحدة للمساعدات الإنسانية.

وترتكز الخطة على التنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية لتزويد وزارة العمل بأسماء جميع المُسجلين في برنامج المساعدات الذي تقدّمه الأمم المُتّحدة للسوريين، ومنعهم جميعاً من الحصول على إذن عمل، ما يعني أنّ ثلثي السوريين ممنوعون من العمل بموجب القرار، وذلك دون الدخول في الحديث عن بقية التفاصيل المعقدة التي تعيق حصولهم على أذونات عمل، ودون معرفة حقيقية إذا ما كان هؤلاء يحصلون بالفعل على مساعدات أم لا.

وتفترض الوزارة أنّ المبالغ والمساعدات التي تُقدمها مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تكفي السوريين وتغنيهم عن العمل، غير أنّ الواقع يقول غير ذلك، حيث يذكر تقرير للجنة السورية لحقوق الإنسان أنّ المفوضية وزّعت بطاقات المساعدات المالية الشهرية على بعض العائلات التي تقطن المخيمات وليس على جميعها، وقيمة هذه المساعدات هي 27$ لكل شخص في العائلة، كما منحت بعض العائلات بطاقات أخرى بقيمة 175$ شهرياً لجميع أفرادها. وهكذا فإن المبلغ الذي تحصل عليه عائلة سورية كاملة يكفي بالكاد لإبقاء شخص واحد على قيد الحياة في لبنان، وبالتالي فإن هؤلاء بأمسّ الحاجة لإيجاد فرص عمل مكمّلة حتى يُقدَّر لهم العيش، لا سيّما أنّ 70% منهم يعيشون تحت خط الفقر، ويُضطرون بحسب اللجنة إلى اتباع استراتيجيات تأقلم مضرُة بهم؛ مثل تقليل عدد وجبات الطعام أو إرسال أبنائهم القُصّر للعمل أو الانتقال من مساكن وملاجئ آمنة إلى الإقامة في مخيمات وخيام هشة أو مستودعات ومبان غير مكتملة.

يُضاف إلى ذلك عمليات الاستغلال التي يتعرّض لها اللاجئون السوريون أثناء صرف قيمة البطاقات، ذلك أن هذه البطاقات تسمح لهم بالحصول على مواد غذائية بمقدار قيمتها فقط، ومن مراكز محددة تم تقليص عددها إلى تسعة مراكز، باتت تُقدّم للاجئين أقل مما يجدر بهم الحصول عليه.

الإعفاءات لا تحلّ المشكلة

يعاني العامل اللبناني، بحسب وزارة العمل اللبنانية، من منافسة السوريين من أصحاب المهارة والكفاءة، بحيث لم تعد المنافسة مُقتصرة على حقل الأعمال الزراعية والبناء كما هو الحال قبل العام 2011، إنما باتت تشمل الفنادق والمطاعم والمستشفيات والصيدليات وطيف واسع من المهن الخاصة، وهو ما يجبر طيفاً من اللبنانيين على الهجرة نتيجة البطالة، بحسب الوزير أبو سليمان.

وحتى لو كان هذا صحيحاً في جانبٍ منه، إلا أن الوزارة لا تتطرق إلى كون خريطة المهن التي يعمل فيها السوريون قبل وبعد الثورة لم تتغير كثيراً، ومن المعلوم أنّ قطاعات العمل التي يحضر فيها السوري بشكلٍ واسع في لبنان هي تلك التي لا يقبل أغلب اللبنانيين العمل فيها أصلاً؛ إمّا بسبب الرواتب المنخفضة أو بسبب الجهد البدني الكبير الذي تتطلبه وسوء ظروف وطبيعة العمل. فضلاً عن ذلك، فإنّ جزءاً من المشكلة يقع على عاتق أرباب العمل من اللبنانيين أنفسهم، والذين يشغّلون اللاجئ السوري تحت ظروف لا يمكن للبناني القبول بها، وليست مبالغةً إذا ما قُلنا إنّ بعض ظروف العمل التي يُضطر السوريّون للقبول بها في لبنان ليس بوسع أيّ إنسان التأقلم معها.

وبالرغم من وجود قوانين لبنانية تُعفي العامل السوري من 75% من قيمة رسم إجازة العمل، كما تُعفي مُشغّله من تقديم كفالة مصرفية له ومن الحصول على طلب الموافقة المبدئية للعمل، كما هو الحال بالنسبة لباقي العمال الأجانب، فإنّ ذلك لن يغيّر شيئاً في المعادلة، لأن استصدار إجازة العمل سيلزم العمال بالتسجيل في الضمان الاجتماعي ودفع المبالغ المالية المترتبة عليه، دون الحصول على أي خدمات مقابلة باعتبار أن الضمان الصحي والعائلي محصورٌ بالمواطنين اللبنانيين فقط، في مفارقة غريبة قد لا يكون لها مثيلٌ في العالم. ذلك فضلاً عن أن السوريين يعملون بأجور أقل بكثير من الحد الأدنى للأجور في لبنان، وبالتالي لن يسجّلهم أصحاب العمل بشكل قانوني.

هذا الأمر ينطبق أيضاً على الفلسطينيين، وهو ما حدا بالوزارة بعد الاحتجاجات التي شهدتها المخيمات إلى إعفاء الفلسطينيين من التسجيل في الضمان الاجتماعي، بدلاً من القيام بالأمر الصائب، الذي هو تعديل القانون لجعل جميع العمال مشمولين بهذا الضمان، سواء كانوا لبنانيين أم غير لبنانيين. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ إلزام أرباب العمل الفلسطينيين في المخيمات باستصدار أذونات عمل لعمالهم، سيعني حرمان جزءٍ كبيرٍ منهم من العمل أساساً؛ لأنّ قانون العمل اللبناني يُلزم أرباب العمل هؤلاء بتشغيل نسبة 3/4 من الموظفين من اللبنانيين، في وقت تبلغ فيه نسبة البطالة في صفوف الفلسطينيين اللاجئين في لبنان 56% بحسب إحصاءات نشرتها الأونروا عام 2010، لذلك يرفض أرباب العمل والعمال الفلسطينيون على حد سواء الحصول على إذن العمل.

بالعودة للسوريين، ونتيجة الظروف المذكورة سابقاً، فإنّ هنالك فقط 1700 عاملٍ سوريٍّ يعملون بموجب أذونات عمل، وذلك بحسب الأرقام التي نشرتها وزارة العمل نفسها. ومن غير اليسير إطلاقاً لعشرات آلاف السوريين الذين لجأوا إلى لبنان الحصول على إجازات العمل، لا سيّما أنّه بين بنود الخطة ما ينصّ على التشدد في منح إجازات العمل، وهو ما يعني بالمحصلة، وبحسب خطة وزير العمل اللبناني، منع جميع السوريين تقريباً من العمل.

تتحمل الحكومة اللبنانية الجانب الأكبر من أسباب المشكلة ونتائجها، وذلك بفعل غياب التنظيم وسوء الإدارة المتواصل منذ ثمان سنوات، وبالتالي فإنه ليس من المعقول أن يقوم وزير العمل بحلّ هذه المشكلة خلال شهرٍ واحد، إلا إذا كان قد قرّر الدخول في سباقٍ محموم مع الوزير جبران باسيل على تطفيش اللاجئين السوريين، وهو ما لا يتّسق بحالٍ من الأحوال مع سياسة حزب القوات الذي يمثله أبو سليمان في الحكومة ومع مواقفه المُعلنة، التي ترفض إعادة السوريين القسرية إلى معمل الإبادة الأسدي، حتّى وصل الأمر بالوزيرة مي شدياق يوماً أنّ تغرّد بأنّ اللاجئين السوريين لن يعودوا قسراً ولو «على دمنا».

إنّ الإصرار اللبناني على عدم الاعتراف بالسوريين كلاجئين قانونيين، والتّلطي خلف توصيفات لا أساس قانونياً لها، هو الجذر الأساسي للمشكلة كلها، إلى جانب البنية الطائفية للنظام السياسي اللبناني وسوء الإدارة والفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة اللبنانية، والخطاب العنصري الذي يخرج على ألسنة مسؤولين وفي وسائل إعلامية لبنانية متعددة. وبدل أن يتم العمل على إصدار تشريعات قابلة للتطبيق فعلاً، يتم اللجوء إلى إجراءات مستحيلة التطبيق، لا تؤدي سوى إلى تعميق المشكلات وجعلها أكثر تعقيداً.