الروح الرياضية في فهم العنصرية

 

يثار كثيرٌ من الجدل من حينٍ إلى آخر حول إعلانات ترويجية أو طُرُقية، تستخدم فيها شركاتٌ تجارية صورة أو رمزاً بشكل عنصري، أو بشكل يقصي فئة معينة من الناس. على سبيل المثال، أثار موخراً إعلان لشركة الملابس «H&M» جدلاً واسعاً، لأنه كان يُظهر طفلاً أسود، مرتدياً سترة كُتب عليها ما يمكن ترجمته إلى العربية «ألطفُ قرد في الغابة»؛ ذلك بالإضافة إلى الصور النمطية التي تملأ كثيراً من الإعلانات، مثل اعتبار أن اللون الزهري خاصٌ بالنساء، أو أن الطفل الجميل يكون أشقرَ ملوّن العينين، وغير ذلك من الأمثلة التي لا يمكن حصرها.

وفي الآونة الأخيرة صار اللجوء موضوعاً لإعلانات هدفها زيادة «وعي» اللاجئين بمجتمعاتهم الجديدة، وإرشادهم حول كيفية التصرف حيال مسؤولياتهم الجديدة في الاندماج ومواصلة الحياة في دول اللجوء. وكما غيرها، تحتوي هذه الإعلانات «التوعوية»، سواء كانت مرحبة باللاجئين أو مناهضة لهم، رسائل بصرية تتجاوز البعد الوظيفي الإخباري للإعلان بوصفه وسيطاً لنقل المعلومات، إلى دور اجتماعي أكثر تعقيداً، يتلخص في ربط تجربة اللجوء بمجموعة من الرموز أو الانطباعات، التي تعكس التمثّل الاجتماعي للّاجئين في ذهن صانعي تلك الإعلانات، والصور النمطية التي يعتبرون أنها الوضع الطبيعي للاجئين.

مثلاً في هذا الإعلان «التوعوي» أدناه، الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة، يتم تحذير اللاجئين من دفع مبالغ مالية لتسهيل سفرهم من لبنان إلى الخارج، وفيه يظهر رجلٌ مع زوجته الحبلى وابنتهما. ,قد يبدو أن هذا الإعلان لا يثير أي انطباع مميز، كما أنه يبدو مفهوماً تماماً ضمن التوجهات السائدة في لبنان، والتي يتم الضغط فيها على اللاجئين السوريين لإخراجهم من البلاد.

لكن أليس غريباً أن تكون المرأة حبلى في هذا الإعلان بالتحديد؟ ثمة مجموعة من الاحتمالات التي قد تقف وراء هذا الاختيار، منها الإشارة إلى وضع العائلة الحرج في ظل الصعوبات المادية والمعيشية، والضغط الإضافي الذي يسببه قدوم المولود الجديد، ما قد يدفعهم لاتّباع طرق لتسهيل سفرهم، تجعلهم ضحية الخداع والنصب. لكن ثمة رسالة أخرى في الإعلان، تستبطن الصورة النمطية عن اللاجئين السوريين في لبنان، وتعكس المقولة الشائعة عنهم، وهي أنهم ينجبون كثيراً من الأطفال، الأمر الذي يرتبط تلقائياً بالجهل والتخلف!  

أما الحجاب، فقد أصبح أبرز حوامل الصورة النمطية في تمثّل المرأة اللاجئة في أوروبا، وكمثال على ذلك، يمكننا استخدام  تطبيق «RefuSHE» الذي طوّرته جهات حكومية ومنظمات اجتماعية ألمانية من أجل تعريف النساء اللاجئات بحقوقهن، إذ عند تصفّح قسم المواضيع فيه، لا يمكننا أن نجد أي صورة لامرأة لا ترتدي حجاباً. ولا شك أن قضية الحجاب لها جذور ضاربة العمق في التمثّلات الثقافية لشعوب المشرق في المجتمع الأوروبي، وهي جزء من تصورات أقدم تختزل الدين الإسلامي وثقافة المجتمعات في منطقتنا، إلا أنها بدأت تمتلك سياقها الخاص، وهو الربط بين الحجاب واللاجئات.

ورغم أننا يُفترض أن نشعر بالراحة بسبب حضور نساء محجبات في الإعلانات والصور، إلا أننا لا نستطيع تجنب ملاحظة الربط الحصري في هذا المثال بين المرأة المحجبة من جهة، وحاجتها إلى التعرف على حقوقها من جهة أخرى، وكأن المرأة غير المحجبة ليست بحاجة للتوعية بقدر المرأة المحجبة. وبكلمات أخرى، ليس الحجاب هو مصدر الإزعاج في هذا التمثل للمرأة المحجبة، ولا حتى ربطه بالهوية الجديدة المكتسبة لفئة كبيرة من النساء اللاجئات، بل هو الموقع الاستعلائي والتبسيطي الذي يتم من خلاله تمثّل المرأة المحجبة، واتخاذ الحجاب رمزاً للجوئها.

يحضر هذا الاستخدام لصورة المرأة المحجبة في كثير من الأنشطة التي تقوم بها منظمات اجتماعية عديدة بهدف المساعدة على إدماج اللاجئين بالمجتمع الأوروبي، لكن الأمر لا يقتصر على أنماط اللباس والمظهر الخارجي للاجئين. أدناه نجد إعلاناً آخر وجدتُهُ في واحدة من أشهر «الكافيهات» المعروفة بدعمها لقضايا اللاجئين في برلين، نرى فيه موظفة من البنك أو من «الجوب سنتر» توجه إصبع السبابة نحو رجل مقصّر في تعلّم اللغة الألمانية، أو ربما متأخر في بعض الإجراءات القانونية. يحكي هذا المشهد الكثير، ليس عن الرجل ولا عن المرأة، بل عن حالة الارتباك التي تعيشها ألمانيا أمام الأعداد الكبيرة من اللاجئين الذين يتطورون ببطء. حالةُ التأنيب هنا هدفها تقويم سلوك اللاجئ بما يتفق مع خطط الدولة الألمانية، وعدا ذلك سيواجه اللاجئ خطر الترحيل إلى حيث جاء.

التمثل «reprsentation»، هو مصطلح تعود جذوره إلى علم الاجتماع، كما أنه أحد المصطلحات المفتاحية في مجال الدراسات الثقافية، ويعرفه ستيوارت هول (1932- 2014) الباحث والأستاذ في علم الاجتماع بأنه «عملية إنتاج المعنى»، ويتم إنتاج المعنى من خلال الربط بين المفاهيم وبين تفسيراتها التي تتم وفق المنظومة الاجتماعية والثقافية التي ننتمي إليها. عملية إنتاج المعنى هذه تنطوي على أبعاد اجتماعية وسياسية، وترتبط بشكل أساسي بالطرف المُنتِج للمعنى، الذي لديه إمكانية لخلق معانٍ مبنية على تصورات كيفية، تعمل على تغيير بنية التفكير والوعي لمجموعة من الناس، أو تغيير صورة إحدى الفئات في المجتمع شيئاً فشيئاً. هذه التفاصيل الصغيرة التي رأيناها في الإعلانات السابقة ليست سوى أمثلة قليلة عن التدخلات الخارجية القسرية، التي تجد طريقها إلى أفكارنا وتصوراتنا بكل سلاسة وبساطة، وهي التي تجعل غالبية النساء اللاجئات من سوريا وغير المحجبات عرضة في حياتهنّ اليومية للسؤال الشائع في أوروبا «لماذا لا ترتدين الحجاب إذن؟!» على سبيل المثال لا الحصر.

ربما تكون تمثّلات اللاجئين في هذه الإعلانات صحيحة ضمن شروط معينة، وفقط في جزئيات محددة منها، إلا أنها تبقى قاصرة ومختزلة؛ وأي ربط اعتباطي بين اللاجئين وخلفياتهم الثقافية والدينية من أجل توضيح وتفسير سلوكياتهم، سيولّدُ شعوراً بالانزعاج والإحباط يصعب علينا فهمه أحياناً، حتى أننا ربما ننساق إلى أن نصبح عنصريين أكثر من الإعلان ذاته في تفسيراتنا للمحتوى البصري. لكن صورتنا المتمثلة في ذهن الآخر هي أقرب لما يريد أن يتخيله عنا مما نحن عليه في الواقع، كما أنها تقول عن الآخر أكثر بكثير مما تقول عنّا،؛ ذلك يكفي لأن يحررنا من ثقل التبريرات والتعريفات، ويبقى أن التهكم والسخرية من هذه الإعلانات، هو الإسعاف الأولي الأفضل لتجاوز الجهل، والإهانة أحياناً.