السماء سقفُ النازحين في إدلب

 

يواصل الطيران الحربي التابع لروسيا ونظام الأسد غاراته المتتالية على قرى وبلدات إدلب وريفي حماة الشمالي والغربي حتى اللحظة، وقد أدى قصف نفذه الطيران الحربي التابع للنظام إلى استشهاد أربعة مدنيين على الأقل في سوق شعبي بمدينة معرة النعمان صباح هذا اليوم، فيما تشهد مراكز التجمعات السكانية اكتظاظاً كبيراً قبيل عيد الفطر، ما يجعل نتائج القصف الذي يستهدفها أكثر فداحة.

وفي غياب أي موقف دولي ضاغط على النظام وحلفائه، باستثناء اتصالات تركية لا يبدو أنها أتت بأي نتائج حتى اللحظة، ونداءات من الرئيس الأميركي أطلقها على تويتر، فإن العمليات العسكرية التي يقوم بها نظام الأسد مدعوماً بروسيا وإيران تركت مئات الآلاف من السكان بلا مأوى، خاصةً أن المخيمات والمنشآت المعدة لاستقبال النازحين كانت قد وصلت إلى حد استيعابها الأقصى منذ فترة طويلة، نتيجة موجات النزوح المتوالية التي سبقت العمليات العسكرية الأخيرة التي بدأت نهاية شهر نيسان الماضي.

وتجد المنظمات السورية العاملة في المنطقة نفسها عاجزة أمام هذه الأزمة الضخمة، خاصة أنها لا تلقى أي دعم يذكر من المانحين الدوليين، إضافة إلى القيود التي وضعها هؤلاء المانحون، والتي تؤدي إلى الحدّ من قدرة تلك المنظمات على الحركة. يقول هشام ديراني، مدير مؤسسة بناء للتنمية العاملة مع النازحين في إدلب، للجمهورية: «الأعداد التي تم تأمينها داخل المخيمات الموجودة تبلغ أربعين ألف نسمة فقط، وهؤلاء لم يتم بناء خيم جديدة لهم، بل تم استيعابهم في الخيم الموجودة أصلاً، والتي تضم نازحين آخرين، بينما تم تأمين ثلاثين ألف نسمة ضمن خيم جديدة في مناطق توزعهم بين البلدات والقرى، ليكون مجموع عدد النازحين الذين تم استيعابهم في هذه الشروط سبعين ألف نسمة فقط».

وتشير الإحصاءات التي وفرتها منظمة بناء للجمهورية إلى أن أعداد النازحين خلال الحملة الأخيرة قد تجاوزت 370 ألف نسمة، جلّهم يقطنون في العراء حرفياً بين الأشجار، وقد أكد ديراني خلال حديثه مع الجمهورية أن إحصاء هذه الأعداد جرى بالتعاون مع الأمم المتحدة، وفق آلية لا تسجّل الشخص كنازح إلا بعد مضي شهر على تركه لمنزله، مُقدِّراً أن الأعداد الفعلية للنازحين اليوم في إدلب وريف حماة قد تصل إلى نصف مليون نسمة.

الطبيب محمد كتوب، مدير حملات المناصرة في الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز)، قال للجمهورية: «لا تحقق غالبية المخيمات الشروط التي تضعها مكاتب الأمم المتحدة والجهات المانحة ليتم الاعتراف بها وتحويل دعم ثابت لسكانها، وبينما قد يكون هناك وجاهة لهذه الشروط من الناحية التقنية، إلا أنها في الحقيقة تقف عائقاً أمام تقديم الدعم للعدد الأكبر من المخيمات التي تسمى المخيمات العشوائية، وتقف عائقاً أمام إقامة مخيمات جديدة لاستيعاب الأعداد الضخمة من النازحين، لتكون تلك الشروط شبه المستحيلة في حالتنا السورية، مثل طلب عقود استئجار أو استملاك نظامية خاصةً للأراضي التي تملكها الدولة، أمراً غير مبرر أخلاقياً بينما يعيش النازحون في العراء».

وتؤدي هذه الاشتراطات إلى عدم قدرة المنظمات الإنسانية على زيادة استيعابها للنازحين الجدد، وتأمين الحد الأدنى من المأوى والخدمات لهم، وفي هذا الصدد يقول هشام ديراني للجمهورية: «الخدمات في المخيمات في الأصل سيئة للغاية، لأنها بنيت بشكل عشوائي أصلاً، والآن تمنعنا قرارات المانحين والأمم المتحدة من بناء مخيمات جديدة للحد من النتائج الكارثية التي خلفها نزوح أعداد ضخمة من السكان، وذلك تحت حجج غير مقنعة».

وثمة اقتراحات من المنظمات والعاملين في المجال الإنساني في إدلب لتلافي تلك الحجج، من بينها أن تضغط الأمم المتحدة على النظام لإعطاء موافقة على استئجار أو إقامة مخيمات على الأراضي المشاع المملوكة للدولة في إدلب، لأن استمرار الوضع على ما هو عليه يهدد بكارثة إنسانية، فمن غير المعقول بقاء النازحين من مناطق القصف والمعارك في الأراضي الزراعية وتحت الأشجار وهم يقدرون بمئات الآلاف.

ولا يبدو أن العمليات العسكرية ستتوقف في أي وقت قريب، ما سيؤدي قريباً إلى تضاعف أعداد النازحين من دون مأوى، ومن دون أي خدمات نهائياً، إذ تواجه المنظمات العاملة صعوبةً في تأمين الحد الأدنى من الخدمات مثل المياه النقية والصرف الصحي لتجمعات النازحين، نتيجة قلة الدعم المقدم من المانحين، والشروط التي يضعها هؤلاء على تنفيذ عمليات الدعم الإنساني، الأمر الذي يجعل الجميع عاجزاً أمام هذه الكارثة.

خلال التصعيد الذي قام به النظام السوري العام الماضي ضد إدلب، وتهديده ببدء معارك برية آنذاك، قالت الأمم المتحدة إنها تتوقع نزوح ما يقارب 800 ألف من السكان إذا ما بدأت المعارك فعلاً. وبينما لم تصل المعارك الراهنة إلى داخل الحدود الإدارية لمحافظة إدلب سوى اليوم، بعد سيطرة النظام على بلدة القصابية قرب الهبيط أقصى جنوب غرب المحافظة، فإن نصف مليون نسمة قد نزحوا فعلاً من بيوتهم ولا يزال معظمهم في العراء، دون أن تقوم الأمم المتحدة بأي إجراءات جدية لإغاثتهم، فيما يهدد الاتساع المحتمل لنطاق المعارك بتضاعف هذا العدد.

تستمر الكارثة دون أن يبدو المجتمع الدولي مهتماً بالفعل، وربما يرجع ذلك إلى تعهدات دولية بأن لا يتحول هؤلاء النازحون إلى طالبي لجوء في أوروبا، وطالما أن هناك تعهدات كهذه، فليمت السوريون في إدلب إذن، أو ليعيشوا في العراء!