السودان ينتفض

 

في السابع والعشرين من كانون الثاني/يناير 2011، أعلن المواطنون في جنوب السودان استقلالهم عن السودان الكبير، وذلك عبر استفتاء شعبي وبغالبية تقترب من الإجماع. كان هذا قد حدث بعد أيام فقط من الإطاحة بدكتاتور تونس، عبر ثورة دشنت حقبة من الزلازل السياسية التي لم تتوقف هزاتها الارتدادية حتى الآن.

في لحظة واحدة وجد نظام البشير، المتحكم بالدولة منذ انقلاب عسكري عام 1989، نفسه في مواجهة تحديين رئيسيين في الداخل؛ الأول هو الصدمة الاقتصادية التي تسبب بها فقدان نفط الجنوب، الذي كان يغذي الخزينة العامة للدولة بحوالي 70 إلى 90% من إيراداتها الخارجية، وأمّا التحدي الثاني فقد كان تجدد النزاعات في إقليمي جبال النوبة والنيل الأزرق، على الحدود مع دولة جنوب السودان الوليدة.

لم يحقق النظام أي نجاح في هذه التحديات طوال الفترة الممتدة من 2011 حتى يومنا هذا، وكان يؤجل ويماطل ويحاول تدبّر أموره طوال هذا الوقت، في وقت يعيش فيه حالة من الضعف وسط بيئة إقليمية ودولية متقلبة. ثم جاء شهر ديسمبر/ كانون الأول 2018 معلناً ما يمكن أن يكون نهاية مسلسل المماطلة، إذ يبدو واضحاً أنه لم يعد ممكناً تخطي الأزمة عبر السياسات السابقة نفسها.

كان العام 2018 هو الأقسى على السودانيين من حيث تدهور مستويات المعيشة والخدمات العامة، وكان قد بدأ بتدهور متسارع في سعر صرف الجنيه السوداني مقابل الدولار، الذي بلغ 36 جنيهاً في كانون الثاني/يناير، كما تضاعف سعر رغيف الخبز ليصل إلى جينه واحد وقتها، فيما ارتفع سعر الدولار الجمركي1 إلى 18 جنيهاً، مما أدى إلى زيادة أسعار سائر السلع الاستهلاكية والأدوية بمعدل ثلاثة أضعاف عمّا كان عليه العام السابق.

في كانون الثاني/يناير مطلع العام 2018 أيضاً، دعا الحزب الشيوعي السوداني إلى تسيير موكب احتجاجي إلى مقرّ حكومة ولاية الخرطوم، وذلك رفضاً لموازنة العام الجديد. وقد لقيت تلك الدعوة استجابة معقولة من بعض الأحزاب السياسية والشخصيات العامة والناشطين، وواجهته الحكومة بقمع مفرط وعدد كبير من الاعتقالات.

ابتداءً من شهر آذار/مارس، شهد السودان ندرة مستمرة في الخبز والوقود والأدوية والسيولة النقدية، مع زيادة أسعار السلع بصورة مضطردة. وقد بلغ معدل التضخم الشهري الرسمي 69%، بينما ارتفع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه ليصل إلى أعلى مستوياته في كانون الأول/ديسمبر، إذ بلغ خمسة وسبعين جنيهاً في السوق الموازي، رغم تغيير السياسات النقدية وتحرير الدولة لسعر الصرف.

الموجة الحالية

مع بداية شهر كانون الأول/ديسمبر اشتدّت حدّة الأزمة الاقتصادية، حتى وصل الأمر حدّ انعدام وجود الخبز تماماً في بعض الولايات، بينما تضاعف سعره ثلاث مرات ليصل إلى ثلاث جنيهات في مدينتي عطبرة وبورتسودان، وهو الأمر الذي كان دافعاً مباشراً لانتشار دعوات للتظاهر.

بدأت الموجة الحالية من التظاهرات يوم السادس عشر من شهر كانون الأول/ديسمبر الجاري، وذلك بخروج المئات من طلاب المدارس بسبب انعدام الخبز لوجبة الإفطار في مدينة الدمازين، التي تبعد نحو 800 كم جنوب العاصمة الخرطوم، وتقع على الحدود مع دولة جنوب السودان.

بعد الدمازين، امتدت الاحتجاجات إلى مدينتي عطبرة وبورتسودان، وكانت المظاهرات في مدينة عطبرة، ذات الخلفية العمالية والإرث النضالي ضد الاستعمار، هي الأكبر والأقوى، فقد أحرق المتظاهرون خلالها مقر حزب المؤتمر الوطني الحاكم، ما حدا بحكومة الولاية إلى إعلان حالة الطوارئ وحظر التجوال في الفترة المسائية، وتعليق الدراسة بالمدارس والجامعات. وقد بلغت حصيلة القتلى في مدينة عطبرة ثلاث شهداء من المدنيين برصاص قوات جهاز الأمن والمخابرات، وما زالت الاحتجاجات مستمرة فيها حتى الآن.

استمرت الاحتجاجات يوم الخميس العشرين من كانون الأول/ ديسمبر، وانتقلت لتشمل مدناً أخرى مثل القضارف، دنقلا، بربر، كريمة، النهود، والعاصمة الخرطوم. وفي ذلك اليوم، كانت التظاهرات في القضارف وبربر وكريمة هي الأكبر من حيث كثافة المشاركة وحدّة قمع الأجهزة الأمنية لها (تقدر أعداد المتظاهرين بالآلاف)، وتمّ إحراق دور الحزب الحاكم ومباني المحلية2 في مدينتي القضارف ودنقلا، وأُعلن أيضاً حظر التجوال وتعليق الدراسة.

في العاصمة الخرطوم، بدأت التظاهرات ظهر الخميس بخروج طلاب الجامعات في منطقة موقف المواصلات الرئيسي وسط الخرطوم، وتم إغلاق الجسر المؤدي إلى مدينة أم درمان. ثم امتدت المظاهرات لتشمل أحياء متفرقة من العاصمة عندما ازدادت وتيرة القمع، كما قامت السلطات بإيقاف خدمتي فيسبوك وواتساب، بعد إقالة مدير هيئة الاتصالات.

بعدها، شهد يوم الجمعة تسارعاً في وتيرة الأحداث، التي امتدت لتشمل مدناً أخرى مثل الجزيرة أبا، وأيضاً مدينة ربك التي شهدت إحراق مقر الحزب الحاكم ومبنى المحلية ومنزل الوالي. وفي يوم الجمعة أيضاً، شهدت الخرطوم احتجاجات كثيفة شملت معظم أحيائها، ودارت في ضاحية الحاج يوسف أعنف المواجهات، التي أطلقت فيها قوات الأمن النار على المتظاهرين. مساء الجمعة، تم تعليق الدراسة أيضاً في كل المدارس والجامعات في العاصمة، وبلغت حصيلة الضحايا ثمانية وعشرين شهيداً وعشرات الجرحى (لا توجد إحصائيات رسمية حتى الآن، والعدد مرشح للازدياد).

اتسم تعامل السلطات مع التظاهرات بالعنف المفرط، إذ تمّ استخدام الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية والرصاص الحي، كما نُفذّت اعتقالات واسعة في صفوف المحتجين، شملت بعض قيادات الأحزاب السياسية. وقد وصف الناطق الرسمي باسم الحزب الحاكم التظاهرات بأنها محاولة لـ«زعزعة الأمن والاستقرار» و«التخريب»، فيما بدأت بعض التداعيات الإقليمية لهذه الاحتجاجات بالظهور، وكان من أبرزها إعلان أمير قطر عن استعداده لدعم النظام.

يمكن وصف معظم التحركات الاحتجاجية في السودان اليوم بأنها مظاهرات شعبية، ويأنها غير منظمة من قبل الأحزاب والتيارات السياسية المعارضة. وقد دعا حزب المؤتمر السوداني المعارض إلى «خارطة طريق»، تتضمن مذكرة تدعو لرحيل النظام وتشكيل حكومة انتقالية، كما صرّح تحالف «قوى الإجماع» المعارض بأنه بصدد التشاور لتحديد موعد للإضراب السياسي العام، كما يُتوقع أن يقوم تحالف المهنيين السودانيين (تجمعات نقابية مستقلة تشمل الأطباء والمدرسين والمحامين) بتسليم مذكرة للبرلمان، تطالب بزيادة الحد الأدنى للأجور.

في الأيام القليلة الماضية، تواصلت الاحتجاجات واتسعت لتشمل مدن وبلدات أم روابة وكاس وبرام، فيما قامت قوات الأمن باعتقال أربعة عشر من قيادات تحالف قوى الإجماع الوطني المعارض. كما أن الحراك بدأ يشمل النقابات المهنية، إذ أعلنت لجنة أطباء السودان إضراباً عن العمل (يشمل الإضراب الحالات الباردة ولا يشمل الحالات الطارئة) صباح الإثنين، ودعا تجمع المهنيين السودانيين إلى تسيير موكب إلى القصر الجمهوري، لتسليم مذكرة تطالب بتنحي البشير، وهي الدعوة التي قوبلت بتجاوب واسع لدى الشارع السوداني.

من الصعب التكهن بما ستؤول إليه الأمور، إذ ليس من الوارد أن يتخلى الرئيس البشير طوعاً عن الحكم، وهو المطارد بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ومن المتوقع أن يستخدم ميليشياته في الدفاع عن نفسه، هذا من ناحية، من ناحية أخرى فإن النظام لا يزال يحظى بدعم إقليمي من قطر وتركيا من جهة، ومن محور السعودية - الإمارات أيضاً في الوقت نفسه. كما أن النظام كان قد بدأ يحسّن علاقاته مع الإدارة الأمريكية، وبدأ التقارب يزداد بينه وبين الاتحاد الأوروبي، لدوره في مكافحة «الهجرة غير الشرعية» والإتجار بالبشر.

لكن يبقى أن اتساع نطاق الحراك وحجمه، خاصةً مع دخول القطاعات المهنية والنقابات المستقلة على خط الاحتجاجات، قد يجبر حلفاء البشير داخلياً وخارجياً على التخلي عنه في لحظة ما، ما سيجعل الإطاحة به سلمياً أو عبر انقلاب أمراً قابلاً للحدوث.

  • 1. السعر الرسمي لصرف الدولار، والذي ينطبق في عمليات الاستيراد والتصدير. وكان هذا السعر قبل تحرير صرف الجنيه السوداني يؤثر بشكل كبير على أسعار المواد الأساسية المستوردة من الخارج.
  • 2. الاسم الرسمي في السودان للإدارة المحلية، أو ما يعرف أيضاً بالبلديات.