الشجن من اختلاف الزمن

 

ظهيرة الأحد الكئيب هي الساعات الأكثر قسوةً في شتاتي القسري هنا، حيث أعيش كفلسطينيّة فصلاً جديداً من شتاتي المديد، وعلى أرض جديدة هي الدنمارك هذه المرة، في أقصى شمال الكرة الأرضية، بعد الكثير من سوريا والقليل من مصر وتركيا واليونان.

لا تعبأ هذه الثلّاجة المفتوحة التي صارت وطناً بمنطق تَعاقُب الفصول، ولا تنقطع عنها الكهرباء. أدخل المطبخ الذي يشبه بنظافته رتابة الآحاد ونقاوة الثلوج المتراكمة في الجوار، فأجدني غير راغبة بتكرار عاداتي الصباحية الجديدة بشرب الحليب مع الكورن فليكس، وتغازلني قنينة ڤودكا شقية من موضعها في الرفّ المقابل، لأقرّر أن أكسر روتيني بـ«شوتّين» متعاقبين، رغم علمي بأنّ ذلك قد يقودني إلى «حيث ألقت رحلها أم قشعم». لكن لا بأس بتخفيف ثقل الويكند، ولربّما سأحصل على جناحين كبيرين يطيران بي بعيداً، عوضاً عن هذين العكّازين اللذَين لا يساعدانني حتّى على الخَطو في هذا المكان الضيق.

شوتّ، اثنان.. ثلاثة… عشرة، وها قد ارتفع المزاج فيما يواصل محمد الحلو بإلقاء تساؤلاته في أذني: «ومنين بيجي الشجن؟ من اختلاف الزمن!». الزجاجة شارفَت على الانتهاء، لكن حتّى الآن لم يظهر لي جناحان لأطير وأجلب ما تبقّى من زجاجة الڤودكا الثانية المخلوطة بالكيوي، فعندما تتّخذ قراراً بالسُكر سترضى بأيّ مشروب على الرغم من تفاهته، طالما أنّ أحداً لن يأتي لمؤانستي هنا بدل الكحول، وطالما أنّ قدميّ ستؤلمانّي وتخذلان مخططاتي لزيارة أحد ما. قدماي لا تسمحان بأكثر من الدخول إلى الحمّام، ولكنّي راغبة بمزيد من الكحول، فما الحل!؟ يُشغلني عن أمر الكحول التفكير بأنّ أحداً ما لا بدّ سيمرَّ في صدفة ما لزيارتي، وأسأل من عساه يكون هذا الشخص! لأكتشف أنّي لا أعرف أحداً هنا. كم أنا وحيدة!

وسط هذا الخليط من الحزن الثمِل والنحيب على الوحدة التي أكتشفها كل يوم، كما لو أنّها حدث جديد يقرع الباب، أكون كمن يستيقظ من نومه على صوت منبّه مزعج، وأحمل عكّازَيَّ ليوصلاني إلى باب البيت. إنها جارتي، تحمل طبقاً من الفلافل الساخن كجسدي الذي عبثت به الڤودكا… ممم، إذاً لست وحيدة، بل محاطة بأناس ما زالوا قادرين على الحب والعطاء دون ڤودكا أو ماريوانا؛ يحبّون «بنور الله»، هكذا دون سبب.

تُناولني الجارة الطبق: «كل عام وأنت بخير، ينعاد عليك بالخير». أشرد لوهلة، فتلاحظ الجارة ارتباكي. لكأنّها علمت أنّي أبحث في «رامات» ذاكرتي عن المقصود من هذه التهنئة، ولأيّ مناسبة تعود؟ فتريحني من البحث الطويل لتقول: «رمضان كريم!». في هذه اللحظة أشعر بحاجة للبحث عن أيقونة القلب الأحمر والضغط عليها امتناناً، ولكن لا؛ هي أمامي وليس في جسدها أزرار صالحة للضغط، ومازال هنالك بشر خارج كوكب فايسبوك. تُسعفني الذاكرة أخيراً: «الله أكرم».

إنه الشهر الفضيل! أدرك الآن دافع رغبتي لشرب الكحول منذ الظهيرة، فهذه عادة أصيلة لدى بعض أهالي مخيّم اليرموك. نحن حتماً نشرب الكحول ليلةَ وقفة رمضان، وفي وقفات الأعياد المباركة والمجيدة ورأس السنة. كما أنّنا نشرب دون مناسبة بالطبع، لذا تستطيع أن تشمَّ رائحة الله والكحول تختلطان في شوارع المخيم في وقفة رمضان التي سيعقبها شهر من الصيام عن الكحول. فهنالك حرمة لرمضان تتجاوز ثنائيات الكفر والايمان؛ حرمة مبعثها هالة إجلال رمضاني لمفاهيم الله، الناس، العادات، الفقراء، الجائعين، اللُقمة، اللَمّة، العائلة.

الوقفات كثيرة في المخيم، لكن لا توجد أعياد، نحنُ قومٌ «عيدُنا يومُ عَودتِنا»، كما تقول اليافطة المخصصة للاحتفاء بالأعياد في كل زقاقات المخيّم؛ المخيم الذي يعيش حداداً مفتوحاً إلى أجل غير مسمّى منذ الخروج من «البلاد». غير أنّ هذا الحداد لم يمنع الناس هنا من صناعة الفرح في الوطن البديل. وصناعة الفرح بمفهومها لدى كثيرين من أهل المخيم تقتضي وجود الكحول.

تمضي الجارة وأجدني قريبةً من زجاجة الڤودكا الممزوجة بالكيوي. أرتشف منها على مهل، لتُصَبّ ذكريات رمضان المخيّم دفعة واحدة في رأسي الثمِل، بِدءاً بالمسحراتي، الذي كنت أظنه في صغري غولاً هو الأكثر وحشية على هذه الأرض، إذ لم يكن يُفزعني شيء كصوته وطبلته. أذكر أن أبي أخذني يوماً لرؤية المسحراتي، بعد أن حمّلني بطبَق «فول نابِت» أقدّمه له، وكل ذلك كي يثبت لي أنه ما من غيلان تعيش بيننا، وأن المسحراتي شخص عادي «منّا وفينا»، غير أنّه يمتلك صوتاً جهورياً وطبلة يُعينانه على التعيّش في رمضان عبر إيقاظ الناس، هؤلاء الذين سيُفيقون فيما بعد على أصوات الرصاص والمدافع والدبابات والطائرات، ومنهم من لن يستطيع الإفاقة أبداً. اليوم أصدّق أبي: «لا علاقة للطبلة بالشر، وليس كل ما يصدر صوتاً قوياً هو دبابة أو مدفع».

وعلى ذكر أبي، هو كان يحب عرقسوس «بل ريقك يا صايم»، بعكسنا جميعاً، نحن جماعة التمر الهندي والشنينة. كنت أستميل أبي في رمضان بالعرقسوس الذي ينتشر بائعوه بزِيِّهم الفلكلوري المتمثّل بسروال عريض وسترة مزركشة باللون أو الخمري والطربوش الأحمر. كان هؤلاء الباعة من زينة رمضان التي تذكّر بالحكواتي وجلسات السَّمَر في بلاد الشام ومصر، كمان كان ظريفاً ارتفاع وتيرة التنغيم على صاجاتهم كلّما اقترب موعد آذان المغرب، كأننا في مزاد سينتهي بقول المؤذّن «الله أكبر».

حاول أبي كثيراً أن يُقنعني بأنّ مذاق العرقسوس حلو، وكنت أُصرُّ على مرارته. أتأكدّ اليوم من صحة مزاعمي، فالمرارة التي أسمعها اليوم في صوت أبي عبر الهاتف لابدّ آتية من العرقسوس. الحياة مرّة يا أبي كالعرقسوس، وثمّة غيلان أيضاً، هم بيننا.

أعود لِغَبّ المزيد من ڤودكا الكيوي اللعينة هذه، لأجد نفسي بين بسطات الناعم والعوامة وأصابع زينب ومعروك التمر والجوز وقطايف عصافيري وغزل البنات والنمّورة والكنافة النابلسية وحلاوة الجبن. ستصبح الحياة أقلّ حلاوةً بعد رمضان. كانت تختفي العديد من هذه الأكلات بعد رمضان، لذا كان سابقاً أقلّ مرارةً من غيره، أما اليوم فرمضان مرّ جداً، لا سيّما أنّه ليس بوسعي استحضار ذكرياته إلا من خلال شراب كحولي تافه.

تتسارع الذكريات وتزدحم كما لو أنّها شارع لوبية قبل لحظات من آذان المغرب. ولكن كيف كانوا يقولون عبر المآذن «الله أكبر!»، ولماذا لم تكن يومها جريمة يعاقب عليها الشاب الطبيب المقاوم ذي العينين الملونتين وزوج الأجنبية!

قبل ساعة من موعد الإفطار، كانت لحظات شوارع لوبية واليرموك وصفد تمشي مسرعة جداً؛ صراخ، شتائم ومشاحنات، زمامير سيارات، أصوات باعة، ملاعق وصحون… إنّها لحظة أورگازم لا مثيل لها!

ثمّ يَعُمّ صمت كامل، شوارع خالية تقريباً، مدينة أشباحٍ تشبه المخيّم الذي نراه من خلال الفيديو اليوم، ولكن خلف هذا الصمت كانت هناك بيوت لم تزل عامرة بالأهل والأقارب والأحباب والعزائم المتبادلة، والمْسَخَّن والمفتول والملوخية الناعمة والمقلوبة، وباقي أطباق البلاد؛ البلاد التي لم نرَها سوى في نشرات الأخبار وحكايات الأجداد في المخيّم. هل سنحكي نحن يوماً عن مخيمنا لأحفادنا الذين سيرونه أرضاً مغصوبة في نشرات الأخبار!

كانت بيوت المخيم في رمضان موائد إفطار جماعية يباركها الرحمن، ويتشارك الناس فيها الطعام والنُّكات الفاجرة مع الصلاة والدعاء والشراب والسَّمَر. كان المخيم مليئاً بالناس، ثم خرج الناس، هُجّروا دفعةً واحدة، ومن تبقّى مُرغَماً أو متشبّثاً بالبيت الذي لا يملك غيره، لا بدّ سيحسد الخارجين الذين سيجدون مَن يدفنهم إذا ماتوا خارج أعتاب المخيم.

لا أطباق فلسطينية ولا شامية اليوم، ولا طعام يشبه طعام الأمس في المخيّم، وقد تفرّق الأحبّة بين مُوالٍ وثائر، ومعتقل وقتيل، ومخطوف ومهجّر. لا بيوت كرتونية تتعانق أحجارها وبلاكينها، هكذا اقتضت إرادة القائد الأشقر، بعد أن قضى من قبله أبوه بأن يكون المخيّم منطقة مشبوهة لمعظم سكان دمشق، لذا لم يكونوا يغامرون بدخوله إلا في المناسبات السعيدة – وكان رمضان الكريم إحدى تلك المناسبات، التي يدخل فيها الدمشقيون إلى اليرموك أفواجاً مطمئنين، لكثرة أسواقه وانخفاض أسعارها.

في العشر الأخير من رمضان، سيكون من الصعب على بعوضة أن تجد لها موطئ قدم في المخيم بعد الإفطار: ناس من كلّ مكانٍ في الشام يطوفون سوق اليرموك الرئيسي وسوقَي صفد ولوبية. كان أخي يعمل في واحد من متاجر بيع الملابس في سوق لوبية، ولم نكن نراه كثيراً في موسم الرزق أواخر رمضان. يمكنني رؤية صور للسوق المُدمّر اليوم، غير أنّي لن أرى أخي كما فعلت أمي وخالتي في رحلة بحث بين صور القتلى مجهولي الهوية، ولا أصدق أنه قُتل، وما أزال أنتظره.

هنا في الدنمارك، لا رمضان ولا مخيّم ولا عائلة، ولا أمّي ولا أخي ولا لمّة ولا ملابس، ولا زياد سحتوت يخبرنا أنّ كلّ ما جرى مجرد كاميرا خفية، مقلب إلهي تراجيدي. في الغربة، لا شيء سوى كأس من الڤودكا وعُكّازين، وصوت محمد الحلو يواصل شجنه: «وبكرا تُفرج.. مهما ضاقت علينا».