الشيخوخة كفرصة عمل في ألمانيا

 

تُوصف أوروبا دائماً بالقارة العجوز، وذلك بسبب النسبة المرتفعة من كبار السن بين مواطنيها، وليس من الصعب رؤية ذلك بوضوح في ألمانيا، التي يشكل كبار السن من عمر 65 عام وما فوق نسبة 21% من سكانها، أي ما يقارب 17.5 مليون شخص بحسب إحصائيات عام 2019 . كما جاءت ألمانيا في  المركز 26 لعام 2018 من حيث إجمالي متوسط العمر المتوقع، الذي وصل إلى 81.26 سنة، ويُعدّ ذلك من المعدلات العالية نسبياً في أوروبا.

ويتعلق تحقيق معدلات عالية في هذا المجال بسلسلة من العوامل، أهمها نظام التأمين الصحي والاجتماعي، الذي يمكن أن يضمن للمواطنين الرعاية الصحية اللازمة في شيخوختهم، خاصة وأن عدد كبار السن المستفيدين من  خدمات رعاية المسنين التي يغطيها التأمين الحكومي أو الخاص في ألمانيا، بحسب إحصائيات وزارة الصحة، وصل في نهاية العام 2017 إلى 3.3 مليون شخص، متوزعين بين الرعاية الخاصة في البيت أو في دور المسنين. كما أن وزارة الصحة تتوقع ارتفاع نسبة كبار السن  بمقدار 34% بحلول 2030، أي أن 4.1 مليون شخص سيكونون بحاجة لخدمات رعاية المسنين.

في ظل هذه الإحصائيات والنسب العالية، تصبح كثافة الإعلانات عن شواغر عمل  في مجال رعاية المسنين أمراً مفهوماً، كذلك العروض الخاصة للتدريب المهني في المجال ذاته، التي تصادفنا في الشارع وفي محطات القطار وصفحات الإنترنت، حيث الحاجة الملحة والطلب الكثيف على أيدٍ عاملة في دور رعاية المسنين أو المشافي أو في البيوت. ومن المتوقع أيضاً أن تزيد الفجوة بين الطلب على العاملين في مجال الرعاية وعدد المتقدمين، الذي وصل في عام 2017 إلى 3000 متقدم ومتقدمة مقابل 14.600 شاغر في ألمانيا. وقد أدّت هذه الأسباب إلى حملة إعلانات تستهدف استقدام أيدٍ عاملة أجنبية من أجل سد الفجوة، ما استدعى أيضاً تسهيل شروط السفر والإقامة في ألمانيا.

تتطلب مزاولة هذه المهنة تدريباً مهني (براكتيكوم) تتراوح مدته بين 4 إلى  6 أشهر، يؤهل المتدرب للحصول على وظيفة في إحدى دور المسنين، لكن مهامه تبقى محصورة ومحدودة، وكذلك الراتب الشهري المقابل له. غير أن على من يرغب بالتطور في هذا المجال وزيادة الأجر الشهري أن يخضع لتدريب مهني أطول يستمر لمدة ثلاث سنوات، يدرس خلالها مواد تتعلق بالرعاية الجسدية لكبار السن والرعاية الصحية، وفيها على سبيل المثال الإسعافات الأولية ومواضيع أخرى تتعلق بالأدوية، بالإضافة إلى العلوم الاجتماعية لفهم سياقات النظام الاجتماعي والتربية الأخلاقية، وذلك بحسب موقع المتدربون السوريون.

لا توجد أرقام واضحة وإحصائيات معلنة عن عدد السوريين الذي يعملون في مجال رعاية  المسنين، لكن عدداً قليلاً جداً من اللاجئين من مختلف الجنسيات، لم يتجاوز 319 لاجئاً، عملوا في مجال رعاية المسنين بين عامي 2016 و2017. وبالنظر إلى تجربة اللجوء السوري التي لا تزال حديثة نوعاً ما في ألمانيا، نسمع عن عدة تجارب في هذا المجال، سواء كانت قصيرة أو على طريق التخصص، إلا أنه من المتوقع أن يلجأ عدد أكبر من السوريين إلى مجال رعاية المسنين، وذلك لتوفر فرص العمل ووضوح المسار التعليمي والمهني الذي يسمح  بمزاولة المهنة وتحقيق نوع من الاستقرار المعيشي الذي يتطلب عقود عمل نظامية ومفتوحة، وأجراً يسمح بتسديد الضرائب وضمان الحصول على إقامات دائمة في المستقبل القريب.

ومن التجارب السورية التي اطلعنا عليها، يشاركنا الشاب السوري عامر أحمد (اسم مستعار) المقيم في ألمانيا تجربته في مجال رعاية المسنين، التي بدأت بتدريب مهني قصير، اختبر خلاله جانباً بسيطاً من المهنة وعمل في دار مسنين، وقرر بعدها التخصص في تدريب يستمر لثلاث سنوات، وهو الآن في سنته الأولى. ويقول عن السبب الذي دفعه لاختيار هذه المهنة: «المساعدة… لقد أحببت مساعدة الناس، خاصةً أنهم وحيدون كلياً، إذ نادراً ما يزورهم أحد من أولادهم للاطمئنان عليهم»، أما عن المهام المطلوبة منه، فإنها لا تزال تقتصر على تنظيف وإطعام المسنين، وتغيير الفوط للعاجزين كلياً، أما الرعاية الطبية مثل إعطاء الأدوية فهي ليست من ضمن الصلاحيات الحالية، وذلك لأنه لا يزال في السنة الأولى من تدريبه المهني التخصصي، كما أنه يعمل حصراً في المناوبة الصباحية لأن المناوبة المسائية تتطلب منه تأهيلاً تخصصياً أعلى. أما الصعوبات التي حدثنا عنها عامر، فقد تمثلت بشكل أساسي في اللغة، حيث أن اللغة الألمانية التي يتكلم بها الكبار بالسن غالباً صعبة وغير مفهومة تماماً، كما يجب تذكر مخاطبتهم دائماً بصيغ الاحترام لأنهم كبار في السن.

سألنا عامر عمّا إذا كان سيختار هذه المهنة ذاتها لو أنه كان في سوريا، وكان جوابه واضحاً: «لو بقيت في سوريا لأكملتُ تعليمي ودخلتُ الجامعة، لكني سافرت قبل أن أستطيع إكمال امتحان الشهادة الثانوية».

أما ماجد حسن (اسم مستعار)، فقد كانت له تجربة أشد قسوة في مجال رعاية السنين، وهو طالب سوري جاء إلى ألمانيا من أجل إكمال تعليمه الجامعي، إلا أن الحاجة المادية دفعته لمزاولة هذه المهنة التي كان الحصول على مكان شاغر فيها أسرع من مهن أخرى، إلا أن ماجد وكان عمره حينها 21 عاماً، أمضى ثلاث أيام فحسب في قسم رعاية المسنين وبعدها طلب نقله إلى قسم آخر، والسبب كما يذكره: «رأيتُ أشياءَ لم أكن أتوقع أن أراها وأمراضاً لم أسمع بها من قبل. لم أستطع أن أتحمل كل هذا».

المهام التي كانت مطلوبة من ماجد هي إطعام المسنين، ومن لا يستطيع أن يأكل بسبب مرض ما كان يدفع الطعام إلى معدته مباشرة من خلال أنبوب موصول  بالمعدة، وكان على ماجد أن يعقم جراح المسنين وكذلك إفراغ المبولة وبالطبع الاستحمام الصباحي بالنسبة للعاجزين كلياً، إذ يجب غسل أجسامهم بطريقة خاصة تعلَّمَها قبل البدء بعمله. بعد هذه الأيام الثلاث، انتقل ماجد إلى قسم خاص بمرضى السرطان الكبار في السن، وفيه كانت المهام أسهل نوعاً ما، إذ كان مطلوباً منه تسلية المرضى ومحادثتهم ومساعدتهم، فمعظم المرضى لم  يكونوا عاجزين تماماً، لكن الصعوبة الأخرى هنا كانت أن بعض المرضى كانوا يأتون لأيام ومن ثم يفارقون الحياة. على عكس عامر، اختار ماجد بعد فترة قصيرة متابعة دراسته الجامعية في مجال الهندسة المعلوماتية.

لا تتطلب هذه المهنة جهداً جسدياً فحسب، بل أيضاً جهداً نفسياً ومعنوياً يبذله العاملون في مجال رعاية المسنين، أو رعاية المرضى أو ذوي الحاجات الخاصة. فالرعاية بشخص مريض أو مسن أو عاجز لا تحتاج الوعي بالحاجات الصحية والجسدية لهذا الشخص فحسب، بل أيضاً تتطلب من الصبر والاهتمام وسخاء العطاء ما لا يمكن تدريسه في مناهج التدريب المهني، فكل من عامر وماجد عبّرّا بشكل صريح عن السعادة البادية على وجوه المسنين ولطفهم عند تقديم الرعاية لهم، حيث يذكر لنا ماجد أنه تلقى لطفاً واضحاً من المسنين ومراعاة لحواجز اللغة بينهم وبين الشاب الجديد، وتعرف على عدد كبير من الناس الذين أحبهم فعلاً وأصبحوا أصدقاء له فيما بعد.

وعلى الرغم من أن هذه الخدمات المعنوية هي الجانب الأصعب من المهنة، إلا أنه لا يقابلها تقدير مادي مناسب، إذ لا تزال أجور العاملين في مجال الرعاية أقل بنسبة 16% من متوسط الأجور في المهن الأخرى، أي حوالي 2.600 يورو قبل اقتطاع الضرائب. أما في حالة العاملين والمساعدين في هذا المجال، الذين لم  يخضعوا لتدريب مهني لمدة ثلاث سنوات، فلا يتجاوز متوسط الأجور 1.870 يورو قبل اقتطاع الضرائب، مع الأخذ بعين الاعتبار الفروقات بحسب المقاطعات الألمانية وسنوات الخبرة، وحتى من دار مسنين إلى آخر. وهذه أجور قليلة بالمقارنة مثلاً مع متوسط الأجور مهنة المحاسبة التي لا تتطلب دراسة جامعية في ألمانيا بل يكفي فيها أيضاً تدريب مهني لمدة ثلاث سنوات، ويصل متوسط الأجور حوالي 3.280 يورو شهرياً قبل اقتطاع الضرائب. 

يشمل التأمين الاجتماعي في ألمانيا تأمين الشيخوخة منذ عام 1995، ويتمتع بهذا الحق كل من لديه تأمين الحكومي الإلزامي، وهذا بالطبع يتوقف على نوع ودرجة التأمين الذي يتحكم به دخل الفرد، لكن في حالات كثيرة يدفع أقارب المسنين وعائلاتهم مبالغ إضافية لتغطية حاجات خاصة فردية، وهذا ما يكلف كثيراً بالإضافة إلى أن متوسط تكاليف استئجار مكان في دار المسنين مثلاً يصل إلى حوالي 1.700 يورو شهرياً، وهو مبلغ كبير فعلاً.

يضع ارتفاع التكاليف على الحكومة والأفراد هذه المهنة أمام  مجموعة من التحديات في سبيل سد الحاجة لليد العاملة، وأهم هذه التحديات هي التكاليف العالية للمرضى والتجهيزات الضرورية في دور المسنين، وقلّة الطلب على مهن الرعاية التي تتطلب كثيراً من الصبر وتسخير الوقت للاهتمام بالآخرين مقابل أجر متواضع، يمكن تحصيل ما هو أفضل منه عند مزاولة مهن أخرى. وقد هذه التحديات إلى التفكير الجدي باستخدام التكنولوجيا في سبيل الاستعاضة عن العنصر البشري بالروبوتات التي يمكن تشغليها عدداً لا نهائياً من الساعات، بتكاليف أقلّ، دون صرف الأجور ودون تأمين صحي للعاملين. يبدو ذلك ممكن التحقق فعلاً ومنطقياً في سبيل إبقاء المرضى على قيد الحياة أطول فترة ممكنة، لكنه لا يقيم أي اعتبار للحاجات النفسية للمرضى المسنين الذين يحتاجون تواصلاً بشرياً.