الطِين

 

الطِين. وفي تعريفه في معجم المعاني نجد أنَ الطِين هو «وَحل؛ ترابٌ مختلط بالماء، مادَّة تتكوَّن من سليكات وألومينات بعض العناصر مختلطة ببعض المواد العضويّة، حبيباتها دقيقة متماسكة».

طِين الفقر

كنّا نزور عمتي التي تسكن في منطقة الهلاليّة، وهي قرية لم تكن ضمن مدينة القامشلي، لكن توسّع المدينة لاحقاً جعلها واحدة من أحيائها. من أجل الوصول إلى ذلك الحيّ، في زيارة تتكرر بشكل شبه أسبوعيّ، كان لا بدّ لنا من من اجتياز شوارع عديدة مشياً على الأقدام، تبدأ بسوق الخضرة وتمر بالحيّ الذي يحيط بالمقابر وصولاً إلى شارع عريض، نمشي بمحاذاة المستوصف الطبي إلى أن نصل إلى مدخل الحي. نمشي شارعاً طويلاً جداً حتى نصل إلى البيت المقصود، وهو واحد من آخر بيوت الشارع، الذي ينتهي ببداية الحقول التي تصل الحدود التركيّة.

معظم هذه الشوارع كانت غير مُخدّمة، غير مُزفّتة. وكانت تتغطى بطبقة ثخينة من الطين في أيام الشتاء الماطرة، فضلاً عن حُفر مملوءة بالماء نضطر أن نمشي فيها كي نكمل طريقنا. من أجل ذلك لم نكن نستخدم أحذيتنا العاديّة، كان لزاماً علينا أن نرتدي أحذيّة مطاطيّة طويلة العنق، تصل حتى الركبة في بعض الأحيان، نضع البنطال داخل الحذاء ونمشي غير عابئين بالطِين. رغم ذلك كان رذاذ الطين يصل إلى أفخاذنا وقمصاننا، فنضطر أن ننظفه بطريقة ما قبل الدخول إلى البيت الذي نقصد.

لم تكن هذه الشوارع وحدها تتغطى بثوب طيني في الشتاء، معظم شوارع المدينة كانت طينيّة. كنّا نعود إلى البيت بعد المدرسة، نخلع ثيابنا، بناطيلنا على وجه الخصوص، بنطال أخي المدرسي العسكري، وبنطالي أنا وبنطال أخي الآخر، الجينز الذي نرتديه تحت صدريتنا المدرسيّة العسكريّة، نضعها في مكان دافئ، قرب المدفأة ربما، كي تجف وتتحول حالةُ الطِين من سائلة لزجة إلى صلبة.

تُنظف أمي البناطيل بفرشاة خشنة خاصة بتنظيف الطين، تدعك البناطيل بالفرشاة حتى تزول آثار الطين فنستطيع ارتداءها مرة أخرى في اليوم التالي، ونذهب إلى المدرسة بثياب نظيفة.

طِين الحرب

كنّا نقطع الطرقات بسرعة خوفاً من قناص يصيب أحدنا. يوماً، في ليل عين ترما، ليل الغوطة الشرقيّة الحالك، كاد أن يصطادنا قناصٌ ليلي، أخطأنا بأشبار قليلة وأصاب التل الترابي الذي كنّا نمشي بمحاذاته. كنّا، أنا وأبو يحيى وآخر لا أعرفه، ننوي التوجه إلى دكان قريب وابتياع بعض الطعام. سقطنا في ما يشبه حفرة طينيّة. توسخّت ثيابنا الوسخة أصلاً. ضحك أبو يحيى وقال: «وهالمرة كمان نفدنا». تابعنا باقي الطريق بحذر شديد مترقبين رصاصة أخرى لم تأتِ.

وصلنا إلى مقرنا-بيتنا وكان الطين يغطي ثيابنا وكأنّنا غطسنا فيه. لا أعرف كيف وصل الطين إلى أكتافنا ورؤوسنا. حدثنا باقي الأصحاب بما حدث، فحمدوا الله على السلامة. لم يُعلّق أحد على ثيابنا الطينيّة. سألني أبو يحيى في أواخر الليل وقبل النوم «كيف نزيل الطين العالق بثيابنا؟ لا غسالات ولا ماء ولا كهرباء، لا وسيلة تنظيف عندنا». قلت له: «لا تقلق، حرارة أجسادنا ستجفف الطين فوق ثيابنا وفي الصباح نزيل الطين بفعل الاحتكاك، وببعض الماء البارد ننظف رؤوسنا». وتذكرتُ أمي.

هكذا استمرت الحال نحو ثلاثة شهور، فترة بقائي في الغوطة الشرقيّة، تتسخ ثيابنا الوحيدة التي لا نملك غيرها، ننتظرها أن تجف ومن ثم ندعك الثياب ببعضها إلى أن تختفي آثار الطين.

وصلتُ إلى بيروت بعد شهور في سوريا، كانت آثار طين الطريق عالقة على كُلّي. استقبلني أصدقائي ممن يشاركونني البيت كمن يستقبل الخارج من الموت لتوّه. قلتُ لهم آنذاك مازحاً: «قبّلوا ثيابي فتراب سوريا كلّها قد علّق عليها، إنّه تراب الوطن». لم أستطع ارتداء تلك الثياب مرة أخرى لأنّ آثار الطين بقيت عالقة عليها لا تزيلها مواد التنظيف ولا الغسيل المتكرر.

طِين المغامرة

عدتُ مرة أخرى إلى سوريا، إلى كوباني هذه المرة. اضطررنا إلى اجتياز الحدود خفية للوصول إلى مدينة قد حُررت منذ أيام قليلة من قبضة داعش. وصلنا مُعفريّن بطين الطريق. لم يملكوا ماءً ساخناً أو مواد تنظيف في المكان الذي سكنّاه لمدة أسبوعين في ذلك الربيع. لم نكن نملك الكثير من الثياب، لأنّ الطريق خطر وكلّما قلّ ما يحمله المرء خفّت حركته في حالات كهذه.

أسبوعان دون تنظيف أو استحمام. خرجنا من طريق أخرى وغرقتُ لآخر مرة بطين بلادي. بعد ساعات طويلة كنت مستلقياً على بلاط أرض مطار غازي عينتاب، عائداً إلى برلين مع صديقي الألماني الذي رافقني في هذه الرحلة. كان الناس في ذلك المطار ينظرون إلينا مستغربين، ولاحقاً في مطار اسطنبول وفي مطار برلين وفي الطريق إلى البيت. قال لي صديقي: «إنّنا نبدو بثايبنا الوسخة هذه وبهذه الحقائب التي نحملها أشبه بمشردي برلين، وكأنّنا لسنا صحفيين نعمل على قصتين لصحيفتين كبيرتين». ضحكتْ.

طِين المنفى

أستلقي فوق شاطئ بحيرة ما في ريف ألماني. أستمع إلى موسيقى التكنو القادمة من واحدة من المسارح المنصوبة من أجل مهرجان الموسيقى هذا. نمكث في المهرجان لثلاثة أيام أو أربعة، نفعل ما نشاء من رقص وجنون. مرة راودني خاطر يهمس لي: «إنّ أيام مثل هذه التي نعيشها هنا هي ما يبتغيه الناس في الجنة»، لكنني استدركتُ نفسي وقلتُ: «إنّها مبالغة لا داع لها».

في هذه المهرجانات الموسيقيّة الصاخبة نتمرغ بطينٍ يشبه طين بلادنا ولا يشبهها؛ يشبهها من حيث التكوين والأثر الفيزيائي، ولا يشبهها من حيث المحيط والتأثير النفسي. نرقص بأقدام عارية على موسيقى بإيقاعات تعري أنفسنا، ندعس في حفر طينيّة ونقفز في الهواء، نصرخ، نتحد في فقاعة مجنونة واحدة، لا شيء يطوقُ أحلامنا، لا سماء فوقنا ولا أرض تحتنا ولا حدود تحدّنا.

في واحدة من حالات الجنون هذه، انتابتني موجة من الكآبة. قدميّ كانتا غارقتين في الطين. تذكرتُ طين القامشلي. آلاف الكيلومترات وسنين طويلة تفصلني عن تلك الذكرى، لكن، من ذا الذي يملك أمراً من أمور الذاكرة؟!