العراق: تخبّط التحالفات السياسية على وقع احتجاجات البصرة

 

يبدو أن الاحتجاجات والتظاهرات في العراق، التي بلغت مستويات غير مسبوقة في مدينة البصرة جنوب العراق يوم الخميس الماضي، ستطيح بالتحالفات السياسية الكبيرة التي جرى التوافق عليها بعد الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، إذ دعا الناطق باسم تحالف سائرون المدعوم من الزعيم الشيعي مقتدى الصدر رئيسَ الوزراء العراقي إلى الاستقالة على خلفية احتجاجات البصرة، وذلك بعد جلسة برلمانية طارئة عقدها البرلمان المنتخب حديثاً لمناقشة الأوضاع يوم السبت الفائت.

تُظهرُ هذه التصريحات انقلاباً في التحالفات بين الكتل البرلمانية، إذ كانت الكتلة البرلمانية الأكبر، والمخولة بتسمية رئيس الوزراء العراقي المقبل، قد تشكلت قبل أيام من عودة الاحتجاجات إلى التصاعد جنوبي العراق، وضمّت تحالف سائرون ومعه تحالفات برلمانية أخرى من بينها تحالف النصر الذي يقوده رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته حيدر العبادي نفسه.

سيكون هذا التحوّل جزءاً من إعادة الحسابات لدى الكتل السياسية الكبرى في البرلمان، خاصة تلك المدعومة من طهران، التي سارعت أكبرها (كتلة الفتح المدعومة من «الحشد الشعبي»، والتي يقودها هادي العامري) إلى المطالبة أيضاً باستقالة رئيس الوزراء، فيما أضاف المتحدث باسم الكتلة أحمد الأسدي خلال حديثه للصحافة: «سنعمل سريعاً خلال الساعات المقبلة لتشكيل الحكومة. نحن وسائرون على خط واحد لتشكيل الحكومة الجديدة ولبناء العراق، وواهم من يعتقد أننا مفترقون». وتأتي تصريحات الناطق باسم الكتلة البرلمانية المُمثلة لتيار الحشد الشعبي إعلاناً عن الرغبة في تجاوز الصراع مع التيار الصدري، وهو الأمر الذي يعني أن طبيعة الاصطفافات في البرلمان العراقي ليست ثابتة حتى اللحظة، في ظل قلق وتهديدات متبادلة بين طهران وواشنطن في العراق، اللتين قد تدفعهما الخشية من تدهور الأمور أكثر من ذلك إلى دعم تحالف جديد بين الصدر والعامري لتشكيل حكومة جديدة في بغداد، بهدف مواجهة تردي الأوضاع الذي ينذر بأزمة مديدة.

وكانت الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة قد أتت بمتغيرات واسعة على مستوى تمثيل الأحزاب والكتل السياسية في البرلمان، بعد أن تصدر تحالف سائرون المدعوم من مقتدى الصدر القائمة، يليه تحالف الفتح المدعوم من ميليشيات الحشد الشعبي وعلى رأسها ميليشيات لواء بدر بقيادة هادي العامري. ويضمّ تحالف سائرون التيارَ الصدري ومستقلين، بالإضافة إلى أحزاب سياسية كانت بعيدة عن المشهد الحكومي مثل الحزب الشيوعي العراقي، وهو كان قد وصل إلى الصدارة بعد وعود بمحاربة الفساد الذي أدى إلى أوضاع مزرية في البلاد التي تُعدُّ من أكبر منتجي ومصدري النفط في العالم.

في الوقت الذي يبدو فيه المشهد السياسي العراقي مضطرباً بشكل كبير، إثر الاحتجاجات التي تفجرت جنوب العراق انطلاقاً من بلدات نفطية قرب مدينة البصرة في شهر تموز/يوليو الماضي، شملت لاحقاً كبرى مدن الجنوب العراقي مثل البصرة والنجف، للمطالبة بتحسين أوضاع السكان الذين يعانون من سوء الخدمات الشديد وانهيار البنية التحتية، لم تفلح التحركات الحكومية حتى اللحظة من تهدئة المظاهرات التي قامت بمحاصرة المنشآت النفطية وقطع طرق الموانئ الجنوبية، واقتحام مطار النجف ومن ثم حرق عدد كبير من مقرات الأحزاب والميليشيات العراقية، خاصة بعد انتشار حالات التسمم جنوب البلاد بسبب تلوث مياه الشرب مما أدى إلى أكثر من ثلاثين ألف مصاب حسب بيانات من وزارة الصحة العراقية، الأمر الذي دفع بالاحتجاجات إلى حرق القنصلية الإيرانية في البصرة، والتصعيد خلال الأيام الماضية.

وقد تعرض المحتجون لإطلاق النار من قبل الأجهزة الأمنية عدة مرات، حتى وصل عدد الضحايا في الأيام الأخيرة للمظاهرات إلى أكثر من عشرة قتلى وعشرات الجرحى، حسب ما أفاد مهدي التميمي، رئيس المجلس الحكومي لحقوق الانسان في البصرة، خلال مقابلة معه على قناة فرانس 24.

تعيش مدن جنوب العراق اليوم حالة من الهدوء الحذر بعد إعلان كبرى تنسيقيات الجنوب توقفها عن الدعوة للتظاهر مؤقتاً نتيجة لأحداث العنف التي حصلت، فيما ستكون عودة المظاهرات أمراً مرجحاً في ظل عدم وجود حل للمشكلات المتفاقمة التي تحيط بالعراقيين نتيجة السياسات الفاشلة والفساد المستشري بين الطبقة السياسية العراقية، التي كانت تعمل طوال سنوات برعاية من طهران وواشنطن على نهب البلاد دون تقديم الحد الأدنى من الخدمات، فيما يجد الشباب العراقيون الأفق أمامهم مغلقاً في ظلّ ارتفاع نسب البطالة وعدم وجود أفق سياسي وتنموي للعراق، الذي لم يتعافى حتى اللحظة نتيجة هيمنة الميليشيات والنخب الفاسدة على مقاليد الحكم منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، هي الفترة التي تفصلنا عن تاريخ غزو العراق أوائل العقد الماضي.