القطاع الطبي تحت النار

 

منذ اليوم الأول لجولة التصعيد الراهنة في الشمال السوري، التي بدأت بعد يومين من فشل جولة أستانا الأخيرة، باشر سلاح الجو الروسي قصف المستشفيات، مستهدفاً يوم التاسع والعشرين من نيسان الماضي مشفى اللطامنة الجراحي في ريف حماة الشمالي بعدة غارات جوية بالصواريخ الفراغية والارتجاجية شديدة الانفجار، ما أدى إلى تصدع بناء المشفى ودمار في مختلف أجزائه ومعداته وخروجه عن الخدمة، بحسب البيان الصادر عن مديرية الصحة في حماة.

وفي اليوم نفسه استهدفت الضربات الجوية مشفى 111 التخصصي في قلعة المضيق بريف حماة الشمالي الغربي، ثم تواصل الاستهداف الممنهج للقطاع الطبي في الأيام التالية، لتشمل الضربات مشفى كفرزيتا ومركزين صحيين في كل من كفرنبودة وقسطون ووحدة جراحية في ريف حماة الشمالي، ومشفى كفرنبل الجراحي ومشفى نبض الحياة ومشفييّ حاس والتمانعة ومشفى الأمل في قرية كنصفرة ومحيط مشفى ترملا والمغارة في ريف إدلب الجنوبي، ومراكز الرعاية الصحية في قرى عادة والهبيط وإحسم والركايا في ريف إدلب الجنوبي أيضاً، بالإضافة إلى مركز الزربة الصحي في ريف حلب الجنوبي.

وقد أدت هذه الضربات إلى خروج المشافي والمراكز المستهدفة عن الخدمة بشكل كامل، مع تدمير معداتها وسيارات الإسعاف فيها، وهو ما يعني بحسب بيانات مديريات الصحة وناشطين مدنيين وأطباء انهياراً في القطاع الصحي للأرياف الثلاثة (حماة الشمالي والغربي وإدلب الجنوبي)، نتيجة خلو معظم المناطق التي تتعرض للقصف من أي مشاف عاملة.

وقد اتسمت جميع هذه الضربات بالقصف المتكرر، أي بتعرض الموقع نفسه لغارات متتالية في كل مرة. وتبدأ هذه الضربات طبعاً دون سابق إنذار، إلا أن شبكات الرصد في المنطقة كانت تنجح إحياناً في توقع أهداف القصف المحتملة بناء على رصد مسارات الطائرات، ومن ثم التحذير من احتمال تعرض النقطة للقصف قبل دقائق قليلة فقط من تنفيذه، وقد أظهرت مقاطع فيديو وصور لناشطين عبر وسائل التواصل الاجتماعي المرضى وهم يخرجون إلى الطرقات بلباس المشفى.

يقول الطبيب محمد أبو محمود، العامل في مناطق القصف، إنّ «هذه المشافي والمراكز الصحية كانت تقدّم الخدمات الطبية لما يزيد عن 300 ألف مدني، في كافة الاختصاصات، ناهيك عن العمليات الجراحية». ويضيف أن مشفى اللطامنة كان «أول مشفى جراحي في مناطق ريف حماة الخارجة عن سيطرة النظام، تأسس في العام 2012، ويقع ضمن بنية صخرية محصنة، ويضم أقساماً للجراحة العظمية والعامة، إضافة للعيادات والمخابر والأشعة».

وبحسب الطبيب أبو محمود أيضاً، فإن مشفى نبض الحياة في حاس يُعدّ أحد أهم المشافي الجراحية في ريف إدلب الجنوبي، إذ كان يعمل فيه ما يزيد عن عشرة أطباء اختصاصيين، وكان يُجري ما يقارب 500 عملية جراحية شهرياً، باختصاصات أهمها الجراحة العصبية والوعائية. أما مشفى كفرنبل الجراحي، فكان يضم أقساماً للجراحة العامة والعظمية والبولية والداخلية، إضافة لجراحة الأذن والأنف والحنجرة. وقد تم تزويده أواخر 2018 بأجهزة تخطيط السمع والمقاومة السمعية وتنظير القصبات وجهاز أليافي مرن لتنظير الأنف والحنجرة؛ فيما كان مشفى 111 في قلعة المضيق مختصاً بالنسائية والأطفال، ويضم عدداً من حواضن الأطفال.

وليست هذه المرة هي الأولى التي يتركز فيها القصف الروسي على مستشفيات المنطقة ومراكزها الصحية، إذ بعد كل فشل لاجتماعات الضامنين، كانت تتصاعد الهجمات على المنطقة، خاصة المشافي ومراكز الدفاع المدني والمنشآت التعليمية. ويقول أحد الممرضين العاملين في ريف إدلب، إنه بعد أيام فقط من اجتماع أستانا في أيلول 2017، استهدف الطيران الروسي ثلاثة مشافٍ في إدلب وأخرجها عن الخدمة، وهي مشفى الرحمة في خان شيخون، ومشفى الرحمن في قرية التاه، ومشفى كفرنبل الجراحي ذاته الذي تعرض للقصف من جديد. وفي نيسان من العام نفسه، 2017، كان مشفى اللطامنة قد تعرض أيضاً للاستهداف بالصواريخ، وقبلها بنحو شهر تعرض لهجوم بغاز الكلور في الخامس والعشرين من آذار.

وكان موقع الأرشيف السوري قد وثّقَ، من خلال تحليل البيانات لأكثر من خمسة وسبعين فيديو وإفادات من شهود ورصد للغارات الجوية، تعرض خمسة وعشرين مشفى ومنشأة طبية، معظمها في إدلب، للهجوم من قبل الطيران الحربي الروسي والسوري خلال نيسان 2017، أي بمعدل هجوم واحد كل 29 ساعة. كما وثّقَ الموقع تعرّضَ ثماني منشآت طبية للهجوم في كانون الثاني وشباط من العام 2018، ليخلص إلى نتائج تؤكد أن تدمير القطاعات الطبية يأتي في سياق سياسة ممنهجة تتبعها روسيا والنظام السوري.

وبالعودة إلى الطبيب محمد أبو محمود، فهو يقول إنه ليس هناك أي احتمال في أن تكون الضربات على المراكز الطبية عشوائية، فالمشافي معروفة الإحداثيات لدى روسيا، وهي تتبع في الغالب لمنظمات داعمة من أمريكا أو الاتحاد الأوروبي. كما أن عدداً من المشافي المستهدفة تقع خارج المدن ولا يحيط بها أي سكن، ولا يتواجد في محيطها أي تجمعات عسكرية، وهي بعيدة عن خطوط الجبهات أيضاً. وهو يرى أن «الهدف من هذه الضربات هو إجبار الأهالي على إخلاء المنطقة والنزوح، وهو ما حدث بالفعل، إذ تجاوز عدد النازحين منذ بداية العام 2019  ثلاثمائة ألف شخص من هذه المناطق».

وبالمقابل، أعلنت مديريات الصحة في إدلب وحماة عن بدء العمل بنظام الطوارئ في مشافي المحافظتين اعتباراً من يوم الإثنين الماضي وحتى يوم السبت القادم، ويتم التركيز خلال هذه الفترة على الحالات الإسعافية، وجدولة العمليات الباردة لفترات لاحقة. كما أن ثمة استجابة شعبية واسعة لمواجهة تحديات تداعي القطاع الطبي، إذا أعلن عدد من الأطباء والمستشفيات الخاصة في المنطقة عن فتح الباب مجاناً أمام كافة الحالات الإسعافية والجراحية والاستشفاء، لمواجهة الأوضاع الكارثية التي يخلّفها استمرار القصف.

يحتل استهداف وتدمير المستشفيات والمراكز الصحية موقعاً أساسياً في استراتيجية روسيا العسكرية في سوريا، وإذا كان استهداف كل الأشخاص والجهات والمراكز الطبية جزءاً رئيسياً من سياسة النظام السوري ضد خصومه منذ بداية الثورة، فإن الطيران الحربي الروسي نقل هذه الاستراتيجية إلى مستويات جديدة بعد تدخله المباشر في الحرب، مستفيداً من قدرته المتفوقة على الاستطلاع وتحقيق إصابات دقيقة، ومن شبكة المعلومات الواسعة التي يمتلكها عن مواقع المراكز الصحية والطبية.