القوى الكردية في سوريا أمام تحديات حاسمة

 

مرّت يوم أمس الذكرى السنوية السادسة عشرة للانتفاضة الكردية في سوريا، التي بدأت من مدينة القامشلي يوم الثاني عشر من آذار (مارس) 2004. وقد جاءت هذه الذكرى في وقت تعيش فيه القضية الكردية في سوريا تعقيدات بالغة الخطورة، إذ تسيطر تركيا وفصائل سورية تابعة لها على عدد من المناطق ذات الغالبية الكردية في سوريا اليوم، بعد عمليات عسكرية أدّت إلى تهجير مئات الآلاف، فيما يستمرّ تجاهل العملية السياسية في سوريا للحضور الكردي بشكل شبه تام، وتتفاعل التعقيدات التي خلقتها سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على مناطق ذات غالبية عربية في محافظتي دير الزور والرقة، وذلك في أجواء شديدة الاحتقان، يُفاقم منها رفض تركيا وحلفائها السوريين، وكذلك النظام السوري، للاعتراف رسمياً بأي قضية كردية في البلاد، الأمر الذي يعني أن الانتظار قد يطول جداً قبل أن نصل إلى القبول بنقاش القضية الكردية رسمياً في سوريا، سواءَ ضمن المسار السياسي السوري العام، أو ضمن مسار خاص يعترف بهذه القضية، ويبني على ذلك الاعتراف مساراً تفاوضياً مستقلاً.

قد يكون المقطع السابق شديد التبسيط لقضية معقدة عمرها من عمر الدولة السورية الحديثة، إلا أنّ نظرة عامة إلى أوضاع الأكراد السوريين السياسية اليوم، قد تتطلب بعض هذا التعميم لبناء تحليلات تبدو غائبة في سياق صراعات سياسية وهجمات وخطابات فاشية متبادلة في سياق المسألة الكردية، بنت جدراناً حول التعرّف على أوضاع القوى السياسية الكردية في سوريا ومواقعها.

خلال الشهر الماضي، واستجابةً لمبادرة أطلقها مظلوم عبدي، القائد العسكري لقوات سوريا الديمقراطية، أعلن المجلس الوطني الكردي السوري عن افتتاح مكاتب رسمية له في مناطق سيطرة قسد. ويضم المجلس، الذي تأسس عام 2011 برعاية رئيس إقليم كردستان السابق مسعود بارزاني، عدداً من الأحزاب والمنظمات النسائية والشبابية، التي تميل في معظمها إلى تأييد التيار الذي يقوده بارزاني ضمن الحركة الكردية في سوريا، وهو ما وضعها في تنافس سياسي أوسع بين تيار مسعود بارزاني وتيار حزب العمال الكردستاني، الذي أسسه عبد الله أوجلان في تركيا. وقد بدت تلك المبادرة تحريكاً للمياه الراكدة في الحياة السياسية الكردية، التي سيطر عليها في سوريا حزب الاتحاد الديموقراطي مدعوماً من جناحه العسكري، وحدات حماية الشعب، ومن ثم من قوات سوريا الديمقراطية التي تشكل الوحدات أهم مكوناتها، وهو ما جعل من هذا الحزب الممثّلَ السياسي بحكم الأمر الواقع لمناطق سيطرة قسد. وعلى الرغم من تشكيل مجلس سوريا الديمقراطي ليكون ممثلاً سياسياً عن تلك المناطق، إلا أن هيمنة حزب الاتحاد الديمقراطي، ومن خلفه حزب العمال الكردستاني، على الفضاء العام في مناطق قسد بشكل شبه تام تبدو أوضح من أن تخطئها عين، وهو ما منع حتى الأحزاب الكردية الأخرى، التي يتمثّل عدد من أهمها في المجلس الوطني الكردي، من العمل في مناطق الجزيرة، وفي منطقة عفرين قبل السيطرة التركية عليها عام 2018.

وقد كانت الرغبة الأميركية في إنجاز هذا التقارب بالغة الوضوح، عبّرت عنها تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري، ولقاءاته مع ممثلين عن المجلس الوطني الكردي، ولكن لا يبدو حتى اللحظة أنّ هذه الخطوة بدايةٌ فعليةٌ  لتحركات أوسع، إذ يحافظ الطرفان، حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي، على الخط العام لسياستيهما المتباعدتين من ناحية العلاقات الإقليمية أو من ناحية التوجهات الداخلية. كما أن المؤشرات لا تعطي أي تفاؤل حول نية قسد تقاسم السلطة في مناطق سيطرتها مع أي قوى أخرى، سواء كانت قوى كردية أو غيرها، وهو ما يعني عملياً احتفاظ قسد بنفوذها وسلطتها المطلقة، ما يجعل ميزان القوى على الأرض مختلاً للغاية  على نحو لا يسمح بأي حوار متوازن بين الأطراف.

بالمقابل، فإنه لا يبدو أن هناك أي محفزات جدية قد تدفع قُدُماً بمشروع الحوار الكردي الكردي المدعوم أميركياً، إذ لا توجد كوتا كردية ثابتة مثلاً ضمن أي مسار سياسي خاص بسوريا، وليس ثمة ما يضمن الاعتراف رسمياً ودولياً بالقضية الكردية في سوريا، ولا بأحقية الأكراد في تقرير مصيرهم، لا في سوريا ولا خارجها.

يحتاج فتح الباب أمام تغيير حقيقي في علاقات القوى السياسية الكردية في سوريا إلى عوامل أكثر تأثيراً، وأكثر بكثير من مجرّد السماح لأحزاب في المجلس الوطني الكردي بفتح مكاتب لها في مناطق سيطرة قسد. التحديات الآتية من خارج سوريا ليست بالهينة على الأطلاق، وتهجير أكراد سوريين من بيوتهم ومدنهم في الجزيرة وعفرين ليس هامشياً، لكن انتظار حل شامل لكل هذه القضايا قد يفضي إلى تحجر سلطة مشوهة أصلاً لقوات سوريا الديمقراطية، يمكن أن تقبل بحلول أقل من الوسط مع النظام السوري، الذي يرفض أصلاً الاعتراف بوجود قضية كردية في سوريا، وهو ما قد يفضي إلى كوارث جديدة لن تكون أقل من تلك التي حصلت في عفرين.

في الوقت الذي لم تسمح فيه الدول الإقليمية حتى اللحظة بالاعتراف بأكراد سوريا بشكل رسمي وقانوني، فإن هذا الاعتراف، حتى في حال حدوثه، لن يقدم حلّاً سحرياً لمشاكل القوى الكردية السياسية ذاتها، وهي المشاكل التي قد يكون التوجه إلى حلها فوراً هو الطريقة الأفضل لتجاوز جنين حرب أهلية سورية، أنتجته العمليات العسكرية التركية في الجزيرة وعفرين، وممارسات حزب الاتحاد الديمقراطي في مناطق سيطرته.