الكتابة عن العام عبر الذاتي

 

نصوص ورشة الكتابة للخشبة هو عنوان كتاب جاء نتاج ورشة عمل بعنوان «الكتابة للخشبة»، تم تنظيمها من قبل مؤسسة «مواطنون فنانون» في العام 2016، بغاية تشجيع الكتابة المسرحية وتقديم الدعم لها. وقد صدر الكتاب عن دار ممدوح عدوان عام 2018، بإشراف وتقديم الدكتورة ماري إلياس، التي تشرح في المقدمة الغاية من عبارة «الكتابة للخشبة» في العنوان: «التسمية ليست اعتباطية، وإنما تحمل معنى محدداً يربط بين النص والعرض، الكتابة والإخراج على الخشبة».

بدأت الورشة بعشرة مشاركين، وانتهت بثلاثة نصوص تم نشرها في الكتاب، وهي: «فيلم عاطفي قصير» لوسيم الشرقي؛ «حبك نار» لمضر الحجي؛ «وقائع مدينة لا نعرفها» لوائل قدّور.

عن الذاتي والاجتماعي

يُقدّم المؤلف وسيم الشرقي نصه، المعنون «فيلم عاطفي قصير»، على أنه محاولة للبحث في تلك المسافة الضيقة المرتبطة بتغير الحساسية بين مجموعة من الأصدقاء الذين التقوا في المرحلة الجامعية، لكن الأحداث السياسية والاجتماعية التي مرّت وتمرّ بها سورية لعبت دوراً في التأثير على مصائرهم.

تبدأ المسرحية مع عودة وسام إلى دمشق من ألمانيا، التي كان قد سافر إليها للدراسة. أما صديقه سامي فكان قد تعرَّضَ لتجربة اعتقال، وهو يروي عن تلك اللحظات التي أُفرج فيها عنه، وكيف أن أول من فكر بالاتصال به كان وسام. الصديقة الثالثة هي ريم، التي تصور فيلماً سيصبح مولّداً للأسئلة حول حياتها وحياة أصدقائها المقربين.

يرصد المؤلف أسلوب التواصل بين الأصدقاء، محاولاً اختبار أثر الأحداث الجارية حولهم على حياة كل واحد منهم وخياراته، لكن المفصل السردي الأساسي في المسرحية هو الفيلم الذي تسعى ريم إلى تصويره. ويسمح هذا الحدث السردي للمؤلف بمعالجة أسئلة الفنان في صناعة الفيلم وتصويره من خلال شخصية ريم، التي تتساءل بين فترة وأخرى، كما يُسائلها الأصدقاء أيضاً، عن غاياتها من صناعة فيلم: «حاسّة أنه هالحياة اللي عايشينا هون بالشام. بسوريا. بتستاهل ينقال عنا شي: توثيق للمرحلة».

وعن صعوبات التصوير في دمشق في الوقت الراهن، تقول ريم: «هنن ممكن يقتلونا إذا صوّرنا برّا، فلهيك ما عندي غير الخيار أنو صوّر جوّا، وشكلي عم روح بخيار جوّا كتير... لنشوف شو بدو يصير. عم حاول صوّر برّا وقت يصحلي، بس أكيد برّا ما بحمل الكاميرا، عم صوّر بالموبايل، عم صوّر بقلب المواصلات إذا قدرت، عم صوّر شغلات عنا بالحارة من البلكون، أو حتى من الشبّاك».

هكذا بسبب صعوبات التصوير في الخارج، «برّا» على حد تعبير الشخصية، تتحول ريم إلى تصوير حياتها الذاتية أكثر فأكثر، ثم حياة الأصدقاء من حولها، الذي يصبح الاحتمال الوحيد الممكن لصناعة فيلم عن المرحلة التي يعايشونها؛ تقول ريم: «مثلاً صار عندي أكتر من فيديو لخناقاتي أنا وسمر، أكتر من فيديو أنا وعم أحكي عالتلفون مع كل الناس اللي بعرفن».

يشابه فيلم ريم فكرةَ المسرحية نفسها، كأنها تسعى عبر رصد حساسيات علاقات الصداقة في أماكن مغلقة كالغرف والمنازل، إلى رسم معالم المرحلة السياسية والاجتماعية في المجتمع المحيط بالحكاية الأساسية للمسرحية.

الكومبيوتر الذي تستعمله ريم لتُطلع أصدقاءها على المقاطع المصورة من فيلمها، يتمّ عرضه على الجمهور عبر الإسقاط البصري، وهكذا يُشكّل الفيديو جزءاً من تقنيات السرد التي أرادها المؤلف، ليتم سرد أحداث المسرحية عبر وسيطين: الحدث الجاري على خشبة المسرح، والحدث المعروض في الوثيقة الفيلمية على الشاشة، ويتناوب الكشف عن الأحداث والمعلومات في المسرحية بين هذين الوسيطين.

تصبح المقاطع التي ترغب ريم بتصويرها ذاتيةً وشخصيةً أكثر فأكثر، وتبلغ حدَّ أن تصوّر مشهد القبلات الحميمية، القريب إلى المشهد الجنسي، الذي يجري بينها وبين حبيبها وسام. وحين يكتشف الأصدقاء بالصدفة تصويرها للقائها الحميم مع وسام، تتالى الأسئلة التي تطلب منها التوضيح عن خيارها في تصوير هذه اللحظة دون إعلام وسام، ويستغربون من كيفية الاستفادة منها في فيلمها السينمائي الذي تدّعيه عن المرحلة، بينما تدمج فيه مقاطعها الحميمية مع وسام.

ومع حصول ريم على منحة لفيلمها من إحدى مؤسسات الدعم السينمائي، تبرز الأسئلة الأخلاقية عند وسام. أسئلة يحاول وسام العائد من السفر أن ينقلها ويصارحها لأصدقائه؛ يقول في لحظة مكاشفة قاسية: «أنا بدي أحكي بخصوص الفيلم، أنتِ مفكرة حالك هون عايشة بالعالم الحقيقي؟ من كل عقلك؟ لا يا روحي، ما حزرتي. أنتِ مو بس ما صار عليكي شي، لا، أنت استفدتِ كمان. خلينا نسمّي الأشياء بمسمياتها. نحنا معزولين، هيك بهالهدوء وهالحدودية، عن العالم، عن العالم الحقيقي». يعتبر وسام أن الإحساس بالآخرين وكيفية التفاعل مع قضاياهم ومأساتهم، هي مسألة أخلاقية بالدرجة الأولى.

تفتح تجربة الفيلم السينمائي الذي تحاول ريم تصويره على أسئلة ذاتية وأخلاقية عند الأصدقاء من حولها، وينجح المؤلف في محاولته رصد التغيرات النفسية والذهنية التي تمر بها الشخصيات، خصوصاً في تجربة المرحلة الحالية؛ يقول وسام بعد أن عاد إلى ألمانيا: «أنا بشتقلكم كل يوم، وبشتاق لهالشوارع البشعة، بس ما بدي عيش فيها هيي وهيك، وما بدي ياكم تعيشوا فيها، ولا تتغيروا عليي، وأنا كمان ما بدي أتغير عليكم، بس أنا عم أتغير كل يوم».

أهم ما يمكن أن نلحظه في هذا النص المسرحي، هو محاولة الكاتب استعمال كافة الوسائط التي يمكن أن تتيحها خشبة المسرح داخل النص، من خلال خلق مشهدية يتناوب فيها الأداء على الخشبة مع الفيديو الذي يتم عرضه عبر جهاز الإسقاط.

الشخصيات تعي مؤلفها وتُسائله

تضع مسرحية «حبك نار» لمضر الحجي القارئ أيضاً أمام علاقات شخصيات في رابطة الصداقة، حين يعود خلدون في إجازة من الخدمة العسكرية، ويسعى ما أمكنه لإمضاء خلوة من الوقت مع رند، لكن وجود الصديقة حلا يحول دون تواصل رند وخلدون الجسدي، وعند حلا أيضاً أسئلة هامة عن مصيرها يرغب القارئ بالتعرف إليها.

الحب في الحرب هو الموضوعة الأساسية في النص المسرحي «حبك نار»؛ تحاول رند أن تقنع خلدون بالانشقاق والهرب من خدمته العسكرية، لكن خلدون لا يجد في ذلك مصيراً يمكن احتماله له ولأهله. يبلغ الأمر برند أن تهدده بعلاقة مع وسام، الذي هو حبيب حلا، لكن رند تستغل وجوده كي تجبر خلدون على الانشقاق. وهكذا تصبح استمرارية عاطفة الحب مرتبطة بالإجابة عن سؤال اجتماعي راهن في الواقع السوري، وهو سؤال الهجرة أو البقاء في البلاد، وهذه واحدة من خصوصيات معالجة موضوعة الحب زمن الحرب.

«رند: ما فيي شي ممكن يتغير إلا بالهرب. لو فيني كنت هربت.

حلا: رند أنا ما عم أهرب.

رند: شو عيب يعني أنك تهربي؟ العيب أكتر أنك تعلقي هون، وما تكوني قدرانة تغيري شي».

تنويعة أخرى على تنويعات خصوصية الحب في الحرب، هي التعلّق بحبيب أو شريك منذور للحرب والقتال؛ تقول ندى، إحدى شخصيات المسرحية، عن علاقتها بجندي في الخدمة العسكرية: «رح نام مع حدا رح يصير معرض للقتل بعد 24 ساعة»، بينما يروي خلدون، الذي يؤدي خدمته على حاجز عسكري، مشاعر الحب والتجارب التي يعيشها على الحاجز وهو يحمل معه حبّه لرند. لقد راح يغني أغنية عبد الحليم حافظ «حبك نار» على الحاجز لمدة ثلاثة شهور، حتى بات المارون على الحاجز يميزونه بأنه المجند العاشق: «مرة كنت مشتقلك وعم غني حبك نار لما مرّ هادا الشب، وبس شافني عم غني ابتسم. ومن وقتا وأنا كل ما بشوف الهويات بشتقلك وبغني حبك نار».

في هذا النص، يدفع الكاتب مضر الحجي بالعلاقة بين الكاتب وشخصياته المسرحية إلى حدودها الأخيرة، فالشخصيات تعي أنها مكتوبة، وأنها خاضعة في سلوكياتها ومصائرها لإرادة الكاتب، الذي هو نفسه، أي كاتب المسرحية، واحدٌ من شخصيات المسرحية، هي شخصية الكاتب، الذي تُسائله الشخصيات عن خياراته، وعن أهدافه من هذه الخيارات، ومن كتابة المسرحية أصلاً.

مثلاً تتناقش الشخصيات فيما بينها إن كان الكاتب قد حدّد نهاية المسرحية، تقول رند: الكاتب. أنا حاسّة أنه لهلأ مو حاطط براسه شو نهاية المسرحية.

خلدون: طبيعي حبيبي، مو صح تكون النهاية براسه من الأول، بعدين حتى لو حاططا براسه، أنتِ ما لازم تعرفيها.

ثم تتوجه الشخصيات بالحوار إلى الكاتب مباشرةً، مما يفتح مجال البوح للكاتب، الذي نعرف حكايته من خلال مساءلة الشخصيات له. لقد كانت الثورة حدثاً مؤثراً في حياة الكاتب، ثم انتقل من دمشق إلى بيروت، ومن بيروت إلى ألمانيا. ينتقل معه نص المسرحية من مدينة إلى أخرى دون أن ينهيه: «أنا ما عاد عندي لا التركيز ولا القدرة على الإحساس، صرلي أكتر من تلات سنين عم أتوجع وما عم قول أني عم أتوجع، اتعبيت وجع، وما عاد فهمت شي».

ينوعّ المؤلف المسرحي مضر الحجي في الأساليب السردية التي تستعرض الحكاية، فمثلاً يستعمل في سرد حكاية شخصية الكاتب مقاطع سردية من يومياته في الملجأ الألماني، بالإضافة إلى الحوارات والمونولوجات. كذلك يروي شهادات شخصيات عابرة، تكون مهمتها محصورة في السرد عن حياة الكاتب من جوانب أخرى، منها مثلاً شهادة «الشاب اللطيف» أحد رفقاء الملجأ الذي يتعرف إليه الكاتب في غرفة الإقامة، وكذلك «المسؤول الألماني الموظف» في إدارة الملجأ. كلا الشخصيتين ترويان شهادتها عن الكاتب، ما يمنح القارئ معلومات إضافية عن تجربة الكاتب في الهجرة واللجوء.

تنتهي المسرحية بقصيدة تتلوها حلا، قصيدة عن مفاهيم الترحال، الوصول، والشواطئ: «الشاطئ ليس بداية البحر، الشاطئ ليس نهاية البحر، الشاطئ وهمُ الغريق، حجّة البحار كي يستريح»، في إشارة إلى الترحال المستمر الذي ستعيشه الشخصيات ويعيشه الكاتب.

إذن، هي تقنيات متنوعة يستعملها المؤلف الحجي في طريقة رسم وسرد حكايته، المونولوجات الفردية، الحوارات بين الشخصيات، الحوارات بين الشخصيات وبين مؤلف المسرحية، استطرادات الكاتب ومقتطفات من يومياته، شهادات من شخصيات عابرة تروي وتضيف إلى الحكاية، وكذلك نصوص قصائد شعرية. توظيف كل هذه التقنيات يمنح النص حيوية وخصوصية على مستوى القراءة، وليس فقط على مستوى تنفيذ العرض على الخشبة.

التغيير الثوري والانفتاح الجنسي

كما في النصين السابقين، فإن العلاقات الإنسانية بين الشخصيات هي المرتكز الأساسي لنص «وقائع مدينة لا نعرفها»، لكن المؤلف وائل قدور يركز على شخصيتين أنثويتين، نور ورولا. يحاول من خلال حكايتهما أن يرسم ملامح علاقة مثلية، لا يرغب بوصفها بشكل مباشر، وإنما يوحي بها برهافة. ما يركز عليه المؤلف هي نقاش ردود فعل المحيط الاجتماعي، وبالتحديد عائلة نور، على هذه العلاقة، رأيهم بها، وكيفية تعاملهم مع وضوح شكلها بين ابنتهم وبين رولا.

لا يبقى المؤلف قدور عند العلاقة العاطفية التي تربط بين شخصيتيه الرئيسيتين، بل يدفع بهذه العلاقة لترتبط بالحدث السياسي والاجتماعي في البلاد؛ تلتزم نور بالحراك المعارض الذي انطلق مع المظاهرات، كذلك تتأثر وتلحق بها نور، وكلاهما تتعرضان للاعتقال. لقد أصبح الرابط العاطفي، محركاً دافعاً للالتزام بالقضايا السياسية والاجتماعية.

تبدو منطقيةً فكرةُ العلاقة بين «الحراك الثوري والانفتاح الجسدي والجنسي»، لكن قلّما تم التطرق إليها فنياً. يقدم المؤلف قدور في نصه هذا محاولة مسرحية–جدلية لمعالجة هذه العلاقة، وتصبح قصة المسرحية، هي قصة العلاقة المعقدة بين شخصيتي المسرحية الأساسيتين والمحيط الاجتماعي والظرف الأمني من حولهما.

يُنوّعُ المؤلف قدور من الأماكن التي تجري فيها أحداث المسرحية، فكل واحد من المشاهد الستة التي يتألف منها النص يدور في مكان مختلف عن الآخر. أما على مستوى بنية الحكاية، يبدأ المؤلف قدور المسرحية من ذروة الحدث، ذروة التأزم، ثم يعود في المشاهد الأخيرة ليروي لنا كيف بدأت الحكاية، وكيف كان اللقاء الأول بين الشخصيتين اللتين تابعنا حكايتهما خلال المسرحية؛ نعود لنتعرّف مشهد لقائهما الأول في مكان للسهر، وخلال الرقص.

في هذه المسرحيات الثلاثة التي يتضمنها كتاب نصوص ورشة الكتابة للخشبة، نلمح تنوع التقنيات المسرحية والأساليب السردية، من الفيلم الذي ترغب إحدى الشخصيات بإنجازه في «فيلم عاطفي قصير»، إلى تقنيات السرد المتنوعة في «حبك نار»، إلى اللعب على بنية الحكاية في «وقائع مدينة لا نعرفها». وفي كلٍّ منها نلمح محاولة التماسّ مع العام، الاجتماعي والسياسي، من خلال سرد الذاتي، الحميمي والخاص، في جدلية غنية بين البرّاني والجوّاني.