اللجوء السوري مركزاً للمشهد العام في ألمانيا

 

تضغط المستجدات السياسية والاجتماعية بكل ثقلها على حياة اللاجئين في ألمانيا يوماً تلو الآخر، وتجعلهم يترقبون الأخباراً التي تخصهم يومياً، سواء كانت متعلقة بقضايا تمسّهم بشكل مباشر، أو متعلقة بقضايا يشكلون نقطة المركز فيها بشكل أو بآخر. وقد أنتجت قضية اللجوء السوري في ألمانيا ديناميكيات طاحنة، سواء في علاقتها مع اليمين المتطرف والحركات العنصرية في ألمانيا، أو في علاقة اللاجئين والمهاجرين السوريين مع النظام السوري؛ يطحن التقاطع السياسي بين اليمين الألماني والنظام السوري اللاجئين السوريين، ويهدد وجودهم وقضيتهم.

 ربما يبدو هذا كلاماً بديهياً أو معروفاً، إلا أنَ تجلياته السياسية والاجتماعية في الحياة اليومية للاجئين السوريين، سواء داخل دوائرهم الصغيرة أو في السياق الألماني الأوسع، صارت مصدراً للقلق والتوتر الدائمين، وذلك لأن هذا التقاطع بين طرفين فاشيين لا يسبب خطراً معنوياً ونفسياً فحسب، بل أيضاً يمكن أن يتحول إلى مصدر خطر فعلي يهدد حياتهم. وليس من الضروري أن يأتي هذا الخطر بصيغة قوانين ترحيل حتى يعتبر خطراً جدياً، بل يمكن أن يتخذ أشكالاً أخرى، سواء على شكل هجمات عنصرية موجهة ضد المهاجرين عموماً، أو استفزاز معنوي من أمثلته انتشار إعلانات حفلة للمطرب السوري شادي جميل في المدينة الألمانية هامبورغ؛ لا يمكن قراءة الحدثين بشكل منفصل عن القضية الإنسانية والحقوقية، التي يُطلق عليها في أوساط إعلامية وسياسية كثيرة «أزمة اللاجئين».  

وقد حمل الشهر الأخير معه  تطورات سياسية لافتة، تمثّلت في الانتخابات المحلية في ولاية تورنغن شرقي ألمانيا، التي أثارت ضجة سياسية وإعلامية بسبب تحالف أعضاء من الحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم وحزب الليبراليين الأحرار مع  حزب البديل اليميني المتطرف، وذلك من أجل انتخاب رئيس حكومة الولاية هو توماس كيريش من حزب الليبراليين، الذي اضطر للاستقالة بعد يوم واحد من انتخابه بسبب الرفض السياسي الحاسم من جهة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرفض الشعبي الذي عبّرت عنه مظاهرات في مدن ألمانية مختلفة.

اعتبرت المستشارة الألمانية  أنجيلا ميركل هذا التحالف هزيمةً للديمقراطية في ألمانيا، وانتصاراً لخطاب الكراهية والعنصرية الذي يروّج له الحزب اليميني الشعبوي. وبالرغم من استقالة توماس كيريش السريعة، إلا أن هذا التحالف يشي بتخبط وضغط تتعرض له الأحزاب اليسارية وأحزاب الوسط، يدفعها للقبول بسياسات أكثر تشدداً ضد اللاجئين والمهاجرين عموماً، استجابةً للضغط الشعبي من جهة، ومحاولة لمنع الحزب اليميني من تحقيق مكاسب أكبر من جهة أخرى. وقد راحت هذه المحاولات التوفيقية تُترجم على شكل قوانين غامضة تتعلق باللاجئين السوريين في ألمانيا، فيما راحت الدعوات اليمينية العنصرية تعبّر عن نفسها بشكل دموي أكثر عنفاً.

ومن أمثلة هذه التعبيرات الدموية ما حدث في مدينة هاناو شرق فرانكفورت، التي شهدت حادث إطلاق نار إرهابي يوم 19 شباط (فبراير) الجاري في مقهيين للشيشة، نفذه الشاب توبياس أر، وأسفر عن تسع ضحايا غالبيتهم من أصول مهاجرة. وقد أثبت التحقيقات الدوافع العنصرية وراء الهجوم، الذي أعقبته بعد أيام حادثة دهس في كرنفال في مدينة فولكمارسن في ولاية هسن يوم 24 شباط (فبراير)، ما تسبب بوقوع جرحى من المحتفلين، وما تزال التحقيقات مستمرة بخصوص هوية الفاعل ودوافعه. 

على الضفة الأخرى ومن داخل دوائر اللجوء هذه المرة، سُلطت الأضواء مجدداً حول القانون المتبع منذ العام 2018، والذي ينص على شرط استصدار جواز سفر سوري ساري المفعول بالنسبة للسوريين حاملي إقامات الحماية الثانوية، وذلك عند  تجديد إقاماتهم في ألمانيا. وبالرغم من أننا لا يمكن أن نعرف يقيناً عدد السوريين حاملي الإقامات الثانوية، لكن تكلفة إصدار جواز السفر السوري تصل إلى 275 يورو، وهذا المبلغ الكبير بالنسبة لغالبية اللاجئين سيذهب مباشرة إلى ميزانية النظام السوري، علماً أن هذا المبلغ سيُدفع  كل سنتين بالنسبة لغالبية اللاجئين المطلوبين أمنياً أو للخدمة العسكرية. وبالرغم من أن دائرة الأجانب لا تجبر السوريين المطلوبين أمنياً للنظام السوري على التوجه إلى السفارة السورية، لكن عدم منحهم وثائق سفر يعني الحدّ من حركتهم وتقييد سفرهم ضمن أوروبا. وحتى اليوم، لا توجد معايير أو شروط واضحة لتقرير مدى أحقية الشخص بالحصول على حق اللجوء، أو لكيفية تقدير الخطر الذي يواجهه في حال التوجه إلى السفارة السورية. على العكس من ذلك، تعتمد هذه القرارات بشكل كبير على التقدير الشخصي للقضاة في المحكمة للمخاطر التي يواجهها طالب اللجوء.

وللأسف، فإن هذا التقدير يتأثر بعاملين أساسيين؛ الأول هو محاولات الدولة الألمانية الحثيثة لتقليل عدد اللاجئين، وإذا لم يكن ذلك بترحيلهم في الوقت الحالي إلى سوريا، فإن ذلك يحدث من خلال وضعهم في حالة عدم استقرار دائم، ومن خلال عدم منحهم حق اللجوء، أو تأجيل البت الحاسم بقضيتهم ريثما تتغير المعطيات السياسية في سوريا. أما العامل الثاني فهو البروباغندا الإعلامية الكثيفة، التي تساهم بها أحزاب اليمين المتطرف ومنصات إعلامية أخرى مثل القناة الروسية الناطقة بالألمانية، التي نقلت خطاب بشار الأسد مترجماً إلى الألمانية، وعملت على الترويج لانتصار النظام في حلب على أنه انتصار للسلم ولسوريا الآمنة.

لم تكن إطلالة الأسد هذه هي الأولى من نوعها على شاشة القناة الروسية، والأرجح أنها لن تكون الأخيرة، إلا أنها كانت مصدراً لاستفزاز قطاعات واسعة من اللاجئين السوريين، الغاضبين أصلاً من دعوات لحفلة شادي جميل التي ستقام الشهر القادم في هامبورغ، وهو الفنان المعروف بتأييده للنظام السوري، حتى أنه ليس مستبعداً سماع أغاني تهلل لانتصارات النظام السوري في حلب في حفلة كهذه. وبالرغم من الدعوات الفيسبوكية الكثيرة لمقاطعة الحفلة، لكن نشاطاً فنياً كهذا يسلط الضوء على أمر أكثر تعقيداً، وهو أن هناك جزءاً كبيراً من السوريين في ألمانيا ليسوا معارضين للنظام السوري، وأن وجود هؤلاء يمكن أن يستخدم من قبل اليمين الألماني دليلاً على أن سوريا بلد آمن للعودة.

ليس الجدل فيما إذا كان من المقبول أو غير المقبول حضور هذه الحفلات هو المعركة الأساسية التي تواجه اللاجئين السوريين وقضيتهم، كما أن مقاطعة الحفلة أو منعها ليس الهدف الأهم الذي يخدم قضية اللاجئين، خاصة وأن هذا النوع من الجدال يحوّل مسار المشكلة إلى معركة بين طرفين سوريين، في حين أن  المعركة الأهم والأصعب هي بالدرجة الأولى معركة اللاجئين ضد التحالف اليميني الأسدي، الذي يدفع السوريين عموماً إلى استنزاف طاقة كبيرة في إثبات شرعية قضيتهم، ويشلّ قدرتهم على تحقيق مكتسبات أكثر أهمية، مثل قضية تجديد جوازات السفر السورية في برلين، التي تحتاج جهداً قانونياً وتنظيمياً وسياسياً فعلياً، على مستوى اللاجئين وتعاونهم مع المنظمات الألمانية العديدة التي تعمل من أجل اللاجئين والتي تناهض الخطاب اليميني العنصري.