الله يشفيك

 

في الولادة وما قبلها

لم يكن لي من سبب قبل، رميتُ كما البرد في يوم من أيام الشتاء العادية، كانت بدايات آذار موعدي مع البكاء الأول، والتحضير الأولي للجنازة الأولى والأخيرة.

أتذكّرُ ملياً سباحتي الجيدة في رحم أمي قاطعاً محيطها جيئة وذهاباً، راكلاً إياها كلاعب كرة قدم يتمرن، راقصاً على أغاني صباح فخري، مستمعاً لجميع الصبحيات التي كانت تقوم بهنَّ مع جيراننا المرحومين اليوم، مشارِكُاً إياها دخان سجائر المريت ورائحة البصل المحروق أثناء إعداد مجدرة البرغل، طعام والدي المفضل.

أتذكّرُ ذاك الصوت المكرر ببلاهة، جماعُ والدي لها، كنتُ أهتزُّ بشكل رتيب بطيء معهما، أطفو في ذاك السائل المشبع بالغذاء والنيكوتين في بطنها، إنها السنون ما يُبطئ كل شيء حتى الجماع والثورات.

خرجتُ بعد أن سمعتُ صراخ أمي، طردتني من تلك الجنة، يا لها من سخافة، وأنانية؛ نعيشُ متعةً من عشر دقائق على الأكثر، ومعها كلمات عن الحب والخلود، فنُصيبُ غيرنا بجحيم الوجود! لنعيد تكرار الأخطاء نفسها باحترافية عالية.

نعيش مرة واحدة، ونتمتع بموتٍ أبدي؛ التقيتُ مصادفة نفسي عندما ارتقيتُ عاماً ونيّفاً من الزمن، لا أتذكر من ملامح وجهي على المرآة يومها، إلّا الكثير من الشعر الملتفّ؛ لعلّ الشعر الموزع في رأسي هو وحده ما يوحد مشهد الماضي ومشهد الحاضر مني، كما لو أن ثلاثة عقود لا تعني شيئاً أمام الشَعر؛ أخذتُ شكل شعري وتكوينه عن ريحانة كثيفة، لربما كنتُ ريحانةً قبلي، في العالم السابق.

يقولون إننا نعيش عالماً لا يقينياً، نحاول فهمه بطريقة القياس أحياناً بين الأشياء والأفكار والمشاعر، وتفاعلاتها، ومع ذلك يبدو لي أنه لا فارق في المبدأ بين الرئتين وزجاجة الأوكسجين بالنسبة للمصاب بالاختناق، وأنه لا فارق أيضاً بين الخوف والقلق أمام الهيولى السورية، أو ما بين الوحدة أو العزلة السورية، إرادات وتراكيب معقدة لحالة واحدة، لا جيّد... «أنا سوري إذا أنا لا جيّد» الكوجيتو السورية.

في المفهوم الإبستمولوجي لشعبة التجنيد والخدمة الإلزامية

المهم، وبعد عقدين ونيف من مجيئي غير المهم  لهذا الكوكب غير المهم، ورميي في بقعة الأرض تلك، غير المهمة إلا بالنسبة لما يراه دكتاتورها وحراس مزرعته مهمّاً وغير إرهابيٍ ومتجانساً ولا جرثومي، كان عليَّ أن أقدم نذوري لشعبة التجنيد قدّس الله سرها في جهنم وأدخلها فسيح نيرانه، ونُذوري تلك هي إثباتٌ يتجدد في كل عام بعد بلوغي سن الثامنة عشر بأنني ما أزال أملك أسباب تأجيل الخدمة الإلزامية، التي كانت الدراسة الجامعية في حالتي. أتذكر صوراً من ذهابنا أنا وصديقي صاحب الواسطة إلى شعبة التجنيد للمرة الأولى، كنا رشيقين في إتمامنا للمعاملات الورقية ولحلاقة الذقن في المسلخ، ومن ثم إجراء الفحص الطبي الذي كان عبارة عن سؤال: «هل أنت جيّد؟»، ويأتي الجواب ببلاهة منّا: «طبعاً». وصلنا للمرحلة الأخيرة التي يتم فيها تدوين جميع المعلومات الشخصية على دفتر صغير مثير للرعب، يُسمى دفتر العسكرية، دفتر مقيت مؤلف من عدة صفحات ذي لون بُرازي، تتموضع حياة معظم الشباب السوري بين جلدتيه, وقد فوجِئتُ وقتها بسؤال من قبل العنصر الذي يقوم بملئ معلوماتي الشخصية عليه: «شو دينك ولا»، وبغباء مراهقاتي طلائعي أجبته: «ما الفارق إن كنت مسلماً أم مسيحياً، كلنا في خدمة الوطن!»، فأجابني ببرودة الفريزر عندما يُفتح: «لكي نعلم أين سندفنك إذا اندفست!».

هذا ما جنيته على أخي وما أجنيه على نفسي، وجود قضيبين على الأقل غير قضيب الأب في عائلة واحدة، يعني الهلاك في سوريا «قانون الطوارئ»؛ ثلاثة قضبان وست خصيات في عائلة واحدة تحقق شرط الخدمة الإلزامية، معادلة من الدرجة الأولى لمجهول واحد؛ المجند! نعم الهلاك! ليس الهلاك من كثرة الليبيدو أو الأطفال أو ما شابه من أمور جنسية وجنسانية وتوزيع أدوار، بل هلاك المرور بإجراءات الخدمة الإلزامية ومحاولة تأجيلها ما استطاع من يملك القضيب سبيلاً، الى أن يتجلى الهلاك بالخدمة الإلزامية نفسها.

بحسب التاريخ المحكي السوري، خلال أغلب الحروب التي خاضتها سوريا منذ الستينات حتى نهاية القرن الماضي (غير الماضي)، كان الجندي السوري بمختلف تصنيفاته ورتبه العسكرية يمارس خماسية المتة والعرق وورق الشدة والجظمظ (بيض مقلي مع بندورة وبصل وكل ما هو موجود في حوزتك) وبعض المجهود العضلي، وطبعاً سرديتي التأهب وحق الرد.

هذا ما جمعته أذني من ذاكرة أبي الثمانيني وأخي الأربعيني ورفاقهم عن تلك الأيام، أما بعد تحول الثورة السورية إلى حرب عالمية ثالثة، وصيرورة سوريا ملعباً احترافياً يلبي كل من اشتهى تجريب الأسلحة وحملها، أشخاصاً كانوا أو دولاً، أصبحت الخدمة الإلزامية إعلان هلاك/جنازة لصاحبها مع وقف التنفيذ الى أن يصل نبأ «الاستشهاد»؛ وطبعاً مع اختلاف الرتب حيناً والطوائف والمنابت الاجتماعية الطبقية حيناً آخر، تُؤجل الجنازة أو تُمدّد أو تُسبّق، بما يرضي الله وروسيا وبقية الدول.

وبما أنني ابن اليوم، كان وما زال عليَّ تفادي الخدمة الإلزامية بأكبر شراسة ودقة و«قانونية» ممكنة، فالكثير من الأصدقاء والأقرباء قد أتموا عامهم السابع فيها، والكثير منهم قتلوا أو بُترت أعضاء من أجسادهم أو تركتهم حبيبات عمرهم ليأسهنَّ من احتمالية إنشاء عائلة ومستقبل بعد التسريح إن أتى؛ فكان عليَّ السفر بعد حصولي على نبأ تخرّجي فوراً وحتى قبل أن أستلم مصدقة التخرج خاصتي، لأن تخرجّي من الجامعة هو في الوقت عينه إعلان لحظة «السوق» إلى الجبهة، والموت في سبيل الكرسي وأرجله؛ غادرتُ البلد باحثاً عن أي شيء إلا حمل السلاح.

لكن السفر ليس هو حلّ معضلة الخدمة الإلزامية لمن لديه أهل في سوريا، فخلال فترة الاغتراب يُسمح للمؤجل بداعي السفر، الذي يجني الكنوز والمال من وجهة نظرهم في دول الغرب الإمبريالي، بالقدوم تسعين يوماً للبلد كل سنة خلال مدة أربع سنوات، وبعد انتهاء هذه المدة يُلزم «القانون» الحالي بدفع ثمانية آلاف دولار أمريكي لكي تنتهي المعضلة، وتُمنح حينها حرية الحركة من وإلى الوطن في حال عدم وجود مشكلة «أمنية» بالطبع. وهذا الرقم شبه مستحيل عند أغلب الشباب الذين هربوا من الحرب، فإن لم يتم دفعه بعد هذه المدة، لا يُسمح بالعودة للوطن، أو يُسمح بها و«يُشحط» حامل القضيب من الحدود الى أقرب ثكنة عسكرية ليُتمّم نذوره.

في عودة السرطان وماهيته

وفي البعيد من الاغتراب، فاجأني سرطاٌن سابقٌ بالعودة المظفرة على أجنحة خطأ طبي قاتل في التشخيص، حصل في مستشفى Hotel Dieu  «فندق الرب» في بيروت بعد ثلاث سنوات من وهم التعافي. تم اكتشاف الخطأ عن طريق الصدفة المحضة خلال زيارتي مشفى في أوروبا تعمل فيه طبيبة صديقة، أصبحت صديقة بعد إنهائنا لعشاء حمل طابع الاندماج حيناً وبعض النبيذ الأبيض الغازي حيناً آخر. باختصار شديد، وبعد إجراء ثلاث أربع عمليات والكثير من الإشعاعي والكيماوي والعقاقير والقهر والخوف على مدى ثلاث أعوام، تمت السيطرة على الوضع الآن (على ما أعتقد، أو هكذا قالوا لي والله أعلم).

ماذا يعني «هداك المرض»؟ من الممكن أن يعني موتاً بطيئاً، وبالتأكيد الكثير من الدراما والنق، وطيفاً واسعاً من المخدرات على شكل أدوية، وبعض دوافع انتحارية، وسخرية ممنهجة على طول الدرب. على الأقل هذه خبرتي، لكن الأهم والأعظم والأرفع والأقوم والمبجّل والخلّاب والمدلهم، هو الإعفاء من الخدمة الإلزامية وبقوة القانون، القانون الذي وضعوه «هم»، من يسيطرون علينا «نحن» حتى في منافينا؛ «نحن» من نحمل الجواز السوري، من لدينا عائلات وأقارب في سوريا لا نريد أن نُحرم منهم. وبما أنني محترف سرطان وطني وأجنبي، لاعب دفاع في عدة مشافٍ محلية وإقليمية وعالمية، محقق لجميع شروط الإعفاء، جمعتُ جميع أوراقي الطبية والتحاليل والإثباتات التي تؤكد على موتي المؤجل من مختلف المشافي الأوروبية، وصدّقتها من إحدى القنصليات السورية الموقرة في أوروبا، وأتممت جميع المعاملات التي تسمح لي بزيارة الوطن بعد عامين من الاغتراب والمرض.

في الوصول للوطن

وبعد الوصول للوطن وتخطي جميع المخاوف من الاعتقال الصدفوي والحدود والحواجز، بابتسامات حيناً وبخمسمئة ليرة حيناً آخر، وبعد دراما اللقاء العائلي والكثير من البكاء والطعام، بالأحرى الكثير من الطعام والطعام والطعام، بدأنا بالتجهز النفسي أنا وأبي وأمي لليوم الموعود، يوم الذهاب لشعبة التجنيد قدّس الله سرها في جهنم وأدخلها فسيحَ نيرانه.

في اليوم «الخرا»

استيقظتُ صباحاً، وإذا بأبي وأمي لم تغلق عيونهما قط، يشربان القهوة كالكولا؛ إنه اليوم الموعود، الذي بدأ بغيم كثيف من دخان السجائر يحجب الرؤية والأوكسجين. التدخين هواية السوريين، وعائلتي احترفت هذه الهواية لخمسين عاماً وأكثر. ركضتُ كعدّاء التتابع أقفز من فوق الدخان وأزحف من تحته، فاتحاً جميع النوافذ؛ دخلَ هواء جاف وبارد، مصطحباً صراخ أمي التي تخاف هروب حرارة الغرفة لانعدام وسائل التدفئة.

شغّلتُ ألبوم أغاني حبيب أمي، تشارلز أزنافور، وإذا بأغنية Hier encore تحاول تخفيض وقع توتر يوم الانطلاق إلى الشعبة. اعتزلَ أبي واعتذر عن الذهاب معنا في اللحظة الأخيرة  لفرط ذكرياته السيئة مع أي مؤسسة سورية وخاصة العسكرية منها؛ أفهمه. رتبتُ جميع الأوراق، حملتُ دفتر العسكرية وكأنه قربانٌ مقدس، وضعته في عمق جيبي الأيمن خوفاً من أي جاذبية غادرة تُسقطه أرضاً، فأسقط معه على الجبهة، ثم وضعت بعض العطر للتفاؤل لا أكثر.

 وفي أثناء نزولنا على الدرج في العتمة، باستخدام بيل القداحات، طالبتني أمي بأن أُصَّلِبَ يدي على وجهي رغم علمها المسبق بأنني أُستَفَزُ من تلك الطلبات، لكن وبكل سرور وتقوى فعلتُها، لا وبل بصوتٍ مرتفعٍ تمتمتُ؛ باسم الآب والابن والروح القدس! (البسملة المسيحية إن شئتَ/تِ).

ركبنا في تكسي للسرعة، فصلنا السعر مع السائق قبل الإنطلاق، لأن «العدّاد» أصبح من الذاكرة السورية بعد انقطاع المحروقات والتضخم، (نتائج المؤامرة الكونية الصهيوأمريكية). أصواتُ رصاص ومدفعية من بعيد على طول الطريق، رحتُ أشردُ في الشوارع، شعرتُ أنني سائحٌ يريد أن تحفظ عيناه ما يرى، للأسف الكثير من القبح والتلوث البصريين من نفايات وبسطات عشوائية على جانبي الطريق، وأوجه متعبة ذابلة تُلخّص المسرح السوري. وبالطبع تم توقيف التكسي ثلاث مرات من قبل الشرطة العسكرية، في ثلاث مناطق مختلفة، للتأكد من أنني غير مطلوب للسوق؛ تلك القبعات الحمراء، كم أكرهها! كان العرق يتصبب من أكثر الأماكن حساسية في جسدنا أنا وأمي؛ «العرق: خوفنا السائل».

وصلنا إلى شعبة التجنيد، قدّس الله سرها في جهنم وأدخلها فسيح نيرانه؛ من بعيد رأينا الشباب مصطفين في طوابير تسعى للانهاية، وعند المدخل الخارجي كان هناك مُجندان مسؤولان عن تفتيش الشباب، يحملان من الطِباع أسوأها ومن النظرات أحقرها؛ وامرأةٌ محجبة نصف حجاب في الأربعينيات، تفتشّ النساء مع مضغ علكة بحجم تفاحة بشكل مثير للارتياب والضحك في وقت واحد. اجتزنا هذه المرحلة بِغبطة، وأنا أسمع أمي تتمتم الدعوات مثل؛ «نشكر الله» «متل ما الله بِريد» «متل ما الله كاتبلنا».

وصلنا إلى تجمع الطوابير العشوائي، كانت الرائحة أشبه بتجمع ثوري بعثي لمراحيض الحديقة العامة، فتّاكة، نافثة لأقاصي الرئتين، كالعادة، العادة دائماً بالمرصاد لأعقد الأوجاع (محترف سرطان لا تواخذني/يني). لا يوجد ماء في البلد!! استنتجتُ هذا بعد دقيقة من القرف، ما أجحشني!!! نحن لدينا الإمكانية لشراء سوتيرات ماء ولدينا اشتراك في الأمبيرات (أمبيرين للدقة) يسمح لنا بضخ الماء في حال قدومها العجائبي، أما معظم الآخرين فيتحلون بالصبر ريثما تجتمع الماء مع الكهرباء في فراش واحد، أعجوبتا القرن الواحد والعشرين السورية.

أوقفتُ أمي للحظة لنرتب أفكارنا والأوراق، وطبعاً لتنسيق «الرشوة الخطيرة» التي اصطحبناها معنا، عِطر من البسطة بـ 600 ليرة سورية، أي حوالي يورو واحد يومها، اشتريته على عجل أثناء اجتراري صندويشة فلافل في اليوم السابق، ثم وضعته في كيس «أجنبي». كانت والدتي قد وعدت به رئيس شعبة التجنيد عندما أجرت لي بعض المعاملات سابقاً في غيابي، ولا شكّ أن الكيس الأجنبي إياه كان أغلى ثمناً من العطر ذاته.

أعدتُ الخطاب ذاته على مسامع والدتي، بأن تصرُفنا قانوني، وبأن هدفنا هو أن نقنع رئيس الشعبة بأن يحولني للجنة الطبية العسكرية لكي يتأكدوا من إجرائي لجميع العمليات في اللسان والعنق والصدر، ولجميع أنواع المعالجات الشعاعية والكيماوية، وبأن سرطاني من الرفعة والسمو والدرجة التي لا تسمح لي بأن أخدم الوطن وقائد الوطن، وأن يفهموا أنه تجب مراقبتي بشكل طبي صارم لخمس أعوام على الأقل، كما هو مثبت في التقارير المرفقة معي.

عادةً، في زياراتي المتكررة وحيداً للشعبة، كنتُ أصطّفُ على الدور لمدة لا تقلّ عن ثلاث أربع ساعات، مدللاً أذنيّ بالشتائم المرمية علينا نحن الحيوانات التي لا تفهم كيفية النظام والإنضباط، بالتوازي مع أولئك الذين نراهم أمامنا يجتازون الدور لأسباب كلنا نعرفها، (رشوة، مفاتيح، الطائفة المباركة... إلخ). حالفنا الحظ يومها بأن مسؤول تنسيق الدور قد رأى والدتي ذات الشعر الشائب والتجاعيد العرضية تقف بتعب، فصرخ لنا لنجتاز الدور وندخل، واستنتجتُ أن السبب ليس عمر أمي الكبير بل أن أمي ليست محجبة! فهناك كثيرٌ من النساء المسنّات المحجبات اللواتي كُنَّ واقفات منذ تثاؤب الشمس ولم يتم إدخالهنّ؛ كم هي بعلمانية ساحقة شعبةُ التجنيد!

في حدث «الله يشفيك»

شعبة التجنيد خاصتي تقع في آخر الممر على اليمين، ضمن بناء عسكري متعب من صور «القائد المؤسس» وأولاده الذكور. الحيطان جميعها كانت تبكي بشكل كحلي من كثرة تمسيح الناس أصابعهم من حبر البصمات عليها، تلويث الحيطان: انتقامُ الناس!

ونحن نقتحم المكان، سمعنا صراخاً فجائياً من مجند يحمل كلاشينكوف: «مين العرصا اللي بالع مجلد التسعين!»، حالة ضياع مجلدات السجلات وحرية استخدامها العشوائية كارثية؛ تجاوزناه بهدوء وسلاسة على أي حال، وأصبحنا على الطاولة أمام رئيس الشعبة.

وقفتُ أمامه ونسّقت ابتسامتي الطفولية المتعبة من السرطان، التصقت أمي بكتفي الأيمن، تحمل بيدها «العطر البسطوي» ذا الكيس الكلاس، تحاول تمريره من تحت الطاولة كي لا يكتشف نائب رئيس الشعبة هذا الأمر ويخرب لنا حياتنا. رَمَقَنا رئيس الشعبة بنصف ابتسامة محملة بنظرة دونية رغم أنه جالس على كرسيه النتتن ونحن واقفون أمامه؛ تتكسر قوانين الفيزياء أمام العسكر؛ وقال: «ما تحكي اللي عندك!».

شرحتُ له بسرعة وبدقة وبمفردات بسيطة، كيف أنني أتوسله العفو بأن يلقي نظرة على أوراقي وتحاليلي الطبية التي تثبت أنني مريض سرطان قيد المعالجة والمراقبة المستمرين في الخارج، والتمستُ منه أن يحوّلني فقط للجنة العسكرية الطبية المسؤولة عن قرار إعفائي، وإذ به ينزلق قليلاً على كرسيه النتن ويأخذ الأوراق من يدي بطريقة السرقة السريعة الخاطفة، يضع نظّارته التي تكونت على عدستيها طبقة من السمنة الحيوانية، يوقد «الحمراء الطويلة» ويسهو كالغزال السمين في الأوراق خاصتي متصفحاً إياها ببلادة كمن يبحث عن صور ملونة تسليه وتمتعه، تماماً كما يفعل ابن أخي ذو التسعة أعوام، عندما تطلب منه والدته دراسة اللغة الفرنسية.

أنهى القراءة والسهو، رمى الأوراق بفوضوية وعبث على الطاولة المزدحمة أمامه وقال لي: «شو تأجيلك الحالي يا إبني؟»؛ قلتُ له بصدق وعفوية: «مغترب سيدي، مغترب»، فتمتم هو مرتين متتاليتين: «مغترب مغترب»، فكَّرَ للحظة ووقفَ من على كرسيه النتن وقال: «الله يشفيك... سنة الجاية رح تدفع البدل عنا... مع السلامة».

بدأت أمي هنا ببكاء مع أنين متقطع، احترق قلبي عليها، لكن وقع لفظ «الله يشفيك» لم يفهمه عقلي ولا قلبي، غموضٌ مطبقٌ في المعنى، فاضطررت أن أعيد ترديد اللفظ عشر مرات لكي أستوعب: «الله يشفيك... الله يشفيك... الله يشفيك... الله يشفيك... الله يشفيك... الله يشفيك... الله يشفيك... الله يشفيك... الله يشفيك... الله يشفيك». فشلتُ في استيعاب الواقعة، طرح عقلي النتيجة بعنف: «ثمانية آلاف دولار... ثمانية آلاف دولار... ثمانية آلاف دولار... ثمانية آلاف دولار... ثمانية آلاف دولار... ثمانية آلاف دولار... ثمانية آلاف دولار... ثمانية آلاف دولار... ثمانية آلاف دولار... ثمانية آلاف دولار». أصبتُ ببعض الغثيان، مسكتُ يد أمي وقلتُ لها: دعينا نعود إلى المنزل.

خرجنا من شعبة التجنيد، قدّس الله سرها في جهنم وأدخلها فسيح نيرانه، وما زالت الجموع من الناس ذاتها قيد الانتظار، لكنها قد أينعت تماماً؛ اتصل والدي ليطمئن، فأعلمناه بما جرى وبأن الله سيشفيني بحسب ما أفطن رئيس الشعبة، وأن عليَّ دفع البدل في العام القادم؛ قال لي ولدي: لستُ مستغرباً، تعال سريعاً، لقد جلبتُ لك عرقاً بلدياً حمصيَ المنشأ، تعال لنسكر بالعرق وننسى؛ «العرق: بهجتنا السائلة».