المراوحة قرب الشفير

 

ما أصعب أن يتحدث المرء عن لبنان دون أن يكون سوريالياً. فبلدٌ فيه هذا الزخم من الأحداث والهويات والتيارات السياسية-الطائفية المتناحرة، وشهد حروباً تفوق طاقته على التحمّل، هو أشبه بمتاهة وأحجية صعبة، لا يستطيع المحلل المنطقي أن يتوقع جازماً إلى أين يسير بأهله. هذا الأمر متروك للمنجمين وقُرّاء الطوالع، الذي يظهرون في مطالع الأعوام بأزيائهم الغريبة وعيونهم الكاحلة، والروائيين، الذين يخلقون عوالم افتراضية، قد تتقاطع مع الواقع أو تتجاوزه.

هذا ما نفكر به ونحن نقرأ رواية هلال شومان كان غداً، التي صدرت عام 2016، وهي روايته الرابعة بعد ما رواه النوم 2008، نابوبوليتانا 2010، ليمبو بيروت 2013. تجرأت الرواية على القفز إلى تلك المساحة الضبابية بين الواقع والخيال، حيث سيكون وقوع الأحداث في الحقيقة، تالياً لوقوعها في خيال الكاتب، ومثاراً لدهشةٍ ستدفع كثيراً من القراء إلى التقاط مقاطع من هذه الرواية، ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد حصول أحداث مشابهة لما ورد فيها مؤخراً.

تبدأ الرواية وتنتهي بجثث الحرب الأهلية، التي ما تزال حتى اليوم ترخي بظلالها على الواقع السياسي والاجتماعي للبلد. هذه الجثث المدفونة ستكون مدخلاً، عبر ذاكرة ضرغام، الرجل المسنّ، إلى جراح الحرب التي صارت ندوباً لا تزول على جسد لبنان المعاصر، والذي تَستحضرُ أشباحُ ماضيه أشباحَ مستقبله، ويسود في واقعه مناخٌ من القلق والترقب، ينعكس جلياً في هذه الرواية وشخوصها الحائرة، والسائرة في فعل السقوط البطيء، كحال لبنان نفسه.

يحاول خالد، بطل هذه الرواية، فهم سبب رحيل زوجته وإنهاء علاقتها معه، بعد إجهاضين حصلا معها خلال فترة الزواج، ويواجه صعوبة في تقبّل الهجران والتصالح معه، إلا أنه سرعان ما ينشغل عن ذلك بالأحداث والقصص الغريبة المحيطة به، والتي تحدث في عموم البلد، وأهمها قصة جاره في البيت الجديد، ضرغام، الذي تتوطد علاقته معه بعد سلام صباحيّ عبر الشرفة.

الحرب ليست مجرد ذكرى

سيغرق خالد في بحر حكايات ضرغام المتتالية عن فقدان زوجته هو الآخر، وسيزداد فضوله في معرفة مصيرها، وهو الصحفي الذي يُراكم المطبوعات القديمة، والمُستقيل من عمله بسبب التوجه السياسي للصحيفة المؤيدة لذهاب الشبان اللبنانين إلى «المعارك خلف الحدود»، كناية عن تدخل حزب الله اللبناني في الأراضي السورية دعماً للنظام. سيكون ضرغام بمثابة النافذة التي نُطل منها كل حين على أحداث الحرب الأهلية، وأثرها المستمر على حاضر اللبنانيين. هذه الحرب العدمية التي تَحوَّل فيها ضرغام من رجل أعمال إلى صاحب ميليشيا مسلحة تحرس ممتلكاته، ثم إلى قاتل يعيش حياتين، يخفي في إحداهما ما يجري في الأخرى، ويواري جثث قتلاه في البئر، حتى يكتشفها صبية يلعبون في ذلك المكان بعد ثلاثين عاماً.   

هي الحرب الدوّامة، مرآة الغضب الإنساني وصرخات الانتقام المدوية، التي تشتعل بسبب شجار على حبة فاكهة أو خزان ماء، دافعةً القبضات إلى البنادق، وما أكثر البنادق في لبنان، وما أكثر الفرقاء الجاهزين لتلقيمها لأتفه الأسباب. هؤلاء الخصوم، زعماء الحرب الحاضرة بطيفها حتى اليوم، سيتحولون لاحقاً إلى تيارات سياسية تشل البلد وتُفقده القدرة على الحركة لا إلى المستقبل ولا إلى الماضي، ليراوح في مكانه على حافة الهاوية، فلا يسقط ولا يستقرّ في مأمن، وهو حال شخصيات هذه الرواية، وحال اللبنانيين على أية حال، الذين خرجوا إلى الشارع في 17 تشرين الأول 2019، في المحاولة الجادة الأولى لطيّ صفحة الحرب وتداعياتها على حياتهم الراهنة.

يحاول ضرغام متسائلاً فهم هذه الحرب التي غيرت حياته جذرياً في لحظة تأملية: «إيذاء من نثق بأنه لن يرد لنا الضربات ليس على الأرجح بالشيء الممتع. فهي حركة فارغة من المعنى. وربما من هنا تأتي متعة الحرب؟ من عدم توقع ردة فعل الطرف الآخر؟ من الثقة بوجود احتمالات مختلفة؟ من إمكان رد الطرف المقابل أحياناً، وتعففه عن الرد في أخرى؟ من الفرص المتقلبة بين الفوز والخسارة؟ أم تكون متعة الحرب في ماهو معاكس لكل هذا؟ في الإيذاء الذي نعرف أنه سينتهي عاجلاً أم آجلاً بتسوية؟ وإذا كان كذلك، فكيف إذن نَصِفُ كمَّ الإيذاء الذي قمنا به؟ وكيف نقيسه، وكيف نحدد متى ينقلب الإيذاء خطيئة؟ كيف نتأكد من صوابية الحرب التي نخوضها؟ وكيف نكون صائبين في حرب قد لا تعود صائبة في لحظة؟».

التأقلم مع الغرابة

تتخلل الرواية أحداث غريبة تحصل في مدينة بيروت، والغرابة هنا لا تؤدي معناها الكامل، المنطوي على انسلاخ الحدث واستحالة وقوعه في الحقيقة. فبيروت الفاتنة، أو التي كانت كذلك، و«الكثيفة» على ما يروق للسياح وصف المدن التي زاروها مؤخراً (لا يروق هذا الوصف لروجيه عوطة)، جعلت أهلها يألفون ما ليس مألوفاً، بسبب نفاذ القدرة على الذهول جراء ما حصل فيها خلال الأعوام الثلاثين الفائتة، فضلاً عن تاريخها الممتد أبعد من ذلك، والذي جعلها الأكثر فرادة بين قريناتها من العواصم العربية، من حيث التركيبة الأهلية وما ينتج عنها من أوضاع سياسية واجتماعية.

تُتداول بشكل متواتر في الرواية أنباء عبر وسائل الإعلام، تتحدث عن حصول موت مفاجئ في المدينة، يتجلى بأكثر من صورة، ولا تُفهم أسبابه: موت فجائي للقطط، موت أطفال في الحاضنات، حوادث سير متزامنة ومجهولة الأسباب، ظهور جثث على الشواطئ... هذه الأحداث غير الطبيعية تعزز مشاعر القلق المستمرة في التصاعد لدى الشخصيات، وهي مشاعر سُرعان ما يتم تجاوزها، بسبب تدفق جرعات متتالية من الأحداث الغريبة، التي تُنسي إحداها حدوث الأخرى، فضلاً عن تمكن شخوص الرواية من تطوير مناعة خاصة تحد من تأثير ما يجري في النطاق العام على حيواتهم الخاصة: «الكثير الكثير يحدث في البلد، فهذا واضح من علامات الاستفهام والتعجب والمزدوجات في مانشيتات صُحُفه. لكن شيئاً فعلياً لا يتغير فيه. وعندما تنزلق الأمور نحو ما يظهر في اللحظات الأولى أنه متجه لطريق اللاعودة، ينجلي الأمر عن أحداث منعدمة الأصالة ومغرقة في الملل.. ولأن كثيرين يعرفون أن هذا التدهور لن يؤدي إلى تغيير من أي نوع، لا إلى خراب منفلت ولا إلى تحسن منضبط، فإن نوعاً من الافتراق يحدث بين حيواتهم الشخصية وبين ما يحدث حولهم، فيخرجون كل حدث عام من تفاصيل يومياتهم.. هكذا ينعدم الاشتباك ويحيا بالتوازي عالمان لا يعيشان إلا بالافتراق».

معظم الأحداث الاستثنائية والخارقة للمألوف في الرواية، حصلت، وإن بطريقة محوّرة أو مشابهة، قبل صدور هذه الرواية أو بعدها، وقد اعتمد الكاتب فيها على أخبار وردت في عدد من الصحف اللبنانية، وفق ما يشير في نهاية الرواية. ستجوب عربات التعقيم شوارع بيروت، بعد أزمة كورونا، على غرار عربات الغاز التي انتشرت في أحداث الرواية واقترنت بالموت. فيما ستُخصص مطبوعة إيطالية كل صفحاتها لأعداد الأشخاص المتوفين بسبب كورونا، بطريقة مشابهة لما ورد في الرواية. ولا تختلف كثيراً فكرة موقع «موكب الموت المدهش»، الذي يظهر في الرواية لإحصاء عدد المتوفين، عن المواقع التي نتابعها دورياً في هذه الأيام للاطلاع على عدد ضحايا الفيروس. وستتوالى مقاطع وصور الأشخاص والمشاهير الذين يحلقون شعرهم في أيام الحجر الصحي، مثلما فعلت الفنانات الثلاث في الرواية، كنزي ورايا وأنيسا.

علاقات من زجاج

يفترض القارئ أن الرواية بين يديه هي عن علاقة خالد العاطفية التي يسعى إلى إعادة إحيائها مرة أخرى، إلا أنها لا تلبث أن تنزاح إلى الهامش لدى التقائه بفتاة أخرى، تدعى ريم، كانت زوجته سهى قد كلفتها بزيارة بيتها والاعتناء به بسبب ذهابها إلى لندن. وستصبح أيضاً علاقة ريم بخالد أمراً ثانوياً مع تطور الأحداث وهوس خالد بمعرفة مصير جانيت، زوجة ضرغام الراحلة أثناء الحرب الأهلية. أكثر ما يبدو راسخاً وواضحاً ولا يحمل في ذاته قلق تحطمه هو علاقات الصداقة بين خالد ولينا وروجيه وسهى. تبدو الصداقة المتينة، الظاهرة في الحديث الواثق للشخصيات، الملجأ الآمن في مواجهة العواصف الوطنية والتداعي المحتوم على صعيد العلاقات الحميمية، فضلاً عن العلاقة الأساسية بين شخصيات الرواية ومدينتهم، بيروت، التي يكتشف خالد أنها «مدينة بلا معالم»، لدى بحثه عن معلم للمدينة بغية دفن قطه الميت قربه.

المعلم الوحيد الذي يهتدي إليه خالد بعد البحث المضني هو صخرة الروشة، لكن هذه الصخرة نائية عن بيروت «كأنما افترقت بجزأيها عن المدينة في لحظة حرد، ثم انتبهت لخطئها، لكنها أبت التراجع عنه». ثم إن هذه الصخرة ترتبط رمزياً بالانتحار، الذي يحضر أيضاً في الرواية، مع ترك المنتحرين رسائل تتداولها وسائل الإعلام، وتتحدث، في بيروت الرواية والحقيقة أيضاً، عن الفشل وتحطم الأحلام وقسوة الظروف وشعور الشخص المنتحر بالغربة.

جورة الوطن

يورد الكاتب، الذي اعتمد التقطيع الزمني لأحداث الرواية، تفاعل المسؤولين وأصحاب السلطة مع كل ما يجري في البلد. ثمة مسؤولون يخرجون للتعليق على الأخبار المتداولة، كالموت والأوبئة والتلوث والحوادث، نافين، ببلادتهم المعتادة وقلة إحساسهم بالمسؤولية «كل ما يتم تداوله»، ومستغلين الفرصة لتسجيل النقاط في شباك خصومهم. هذه السخرية الجلّية من الخطاب الرسمي، يوازيها تسخيف للخطاب الإعلامي الوطني، وهو الإعلام الذي تكشفت عيوبه أكثر فأكثر مع انتفاضة 17 تشرين، بعد أن كان الافتراض سائداً بأنه لا يسير تماماً على خطى الإعلام الرسمي العربي، بسبب هامش «الحرية» في لبنان، المُتغنى به طويلاً في المحيط العربي القامع.

وتضاف إلى هذه اللهجة التهكّمية من الخطاب الرسمي والإعلامي، سخرية من الرومانسية «الوطنجية» التي تزاولها شريحة واسعة من اللبنانيين «الفينيقيين»، كما يحبون تعريف أنفسهم، أثناء الحديث عن البلد، ووصفه كجنّة بهيّة، مع التأكيد على استثنائيته مقارنة بمحيطه «المتخلف والرجعي». لا تخفى محاولة الكاتب، والرواية، لتحطيم هذا الزهو النرجسي المتجاهل لكل ما يحدث في البلاد، التي وصلت إلى طريق مسدود بسبب تفاقم أزماتها السياسية والخدمية والاقتصادية، فيما يدعو مسؤولوه إلى الخلاص من الاحتقان الداخلي عبر تفريغه في الميدان خلف الحدود: «الوطن أيها الأخوة يذوب، وإذا كنا لا نستطيع وقف التناحر هنا، فأمامنا فرصة، ساحة مفتوحة وراء الحدود. فلنُفرغ فيها كل ما في قلوبنا من سواد. لنتعارك هناك، لنُبعد وطننا عن أتون الحرب».

أطرف شخصيات هذه الرواية هي شخصية أبو بيتر، سائق التكسي الذي يتعرف عليه خالد مصادفة ويعتمد عليه في تنقله. وأبو بيتر كثير الكلام، إلا أنه يجود بالجواهر أحياناً مُلخِّصاً وضع البلد العام: «إستاذ. مبارح زحط معي التاكسي. ما الطقس كلو متل ما شايف ملعبج، عم تشتي بوقت ما لازم تشتي فيه، وتشمس وقت الناس بدن ياها تشتي. كنت متت وماتو معي الركاب ع لحظة، لولا جورة وقع فيها دولاب السيارة ورجعت مسكت السيارة بالأرض. الله يخليلنا الجور يا إستاذ. عجبك؟ جورة ممكن تطلّعك من جورة. هيك كلو ماشي يا إستاذ بهالبلد».