المعرفة في خمس عشرة دقيقة

 

نشهد اليوم في حياتنا أكثر من أي وقت مضى انقراضاً متسارعاً  لكثير من أشكال التواصل القديمة، وتبدلاً جذرياً في الطرق التقليدية التي كنا نتعلم من خلالها، والتي تشكلت عن طريقها معرفتنا، إذ باتت المنصات الافتراضية بكافة أشكالها تحتل الحيز العام للتبادل العلمي والمعرفي، بدءاً من يوتيوب وصولاً إلى الجامعات الافتراضية ومراكز التعلم عن بعد. وكجزء لا ينفصل عن هذا التبدل الجذري، انتشرت في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة برامجُ كثيرة تعنى بشرح مسائل علمية متنوعة وتفسيرها، من أشهرها برنامج الدحيح من مصر، وقناة سلام قطناني من الأردن، ومن سوريا برز الأخوان نجار اللذان يقدمان برنامج ديستوبيا عربي، واليوتيوبر جابر حسون الذي يقدم سلسلة فيديوهات علمية على قناة تحمل اسم ريبلز.

بدأ عرض برنامج ديستوبيا عربي على يوتيوب أواخر العام 2017، وهو من إعداد الأخوين عمر وبشر نجار، وقد وصل عدد المشتركين في القناة إلى 28000 مشترك عام 2019.  يحاول الأخوان نجار في الحلقات التي يقدمانها تشريح ظواهر ذات صلة بعلوم الاجتماع والتاريخ والسياسة، عبر العودة إلى جذورها التاريخية ووضعها ضمن السياق التاريخي الذي حدثت فيه. ويكمن واحدٌ من أهم خصائص الطرح التاريخي الذي يقدمه ديستوبيا عربي في عدم اقتطاع الحقائق التاريخية والتعامل معها  كجزئيات مستقلة، بل الانطلاق منها وربطها بالمشهد الأكبر الراهن وبالوضع الديستوبيّ العربي الحالي. ذلك عدا عن التوقف عند تفاصيل معينة والاستطراد في شرحها وعرض وجهات النظر المختلفة بخصوصها، من أجل تقديم المحتوى بشكل غير أحادي البعد.

تتراوح مدة الحلقة في برنامج ديستوبيا عربي من 10 إلى 17 دقيقة أحياناً، يتم خلالها استعراض كمّ كبير من المعلومات المكثفة، التي ربما تتطلب منَا مشاهدة الحلقة أكثر من مرة  أحياناً من أجل استيعاب كل ما ذكر خلالها من معلومات. كذلك لا يمكن للمشاهد، السوري على وجه الخصوص، أن يتجاهل الرسائل السياسية الموجهة، لا سيما في المواضيع التي تتطرق لمسائل الأنظمة السياسية والحريات العامة، أو عند ربط حوادث تاريخية قديمة بالوعي السياسي والاجتماعي الراهن، بما يحيلنا بالضرورة إلى الواقع السوري، خاصة في الجزء الأخير من كل حلقة، الذي يتضمن توصيات ذات طبيعة مباشرة.

في مثال آخر، لدينا اليوتيوبر السوري جابر حسون، مؤسس قناة ريبلز العلمية على موقع يوتيوب منذ عام 2014، التي وصل عدد المشتركين فيها إلى 19000 مشترك في عام 2019، وباتت تحتوي أكثر من 100 حلقة تتراوح مدة الواحدة منها  بين 10 و15 دقيقة، مقسمة بحسب المجالات بين الصحة النفسية وعلوم المستقبل والتكنولوجيا والفلسفة وعلم الأخلاق. ويمكننا أن نميز في أعماله توجهاً خاصاً من أجل تفسير الظواهر الاجتماعية اليومية والسلوك الاعتيادي بطرق فلسفية وعلمية، بالاعتماد أحياناً على شرح تجارب علمية فيزيائية، وأحياناً أخرى على كتب ومراجع وتجارب ذهنية.

بالمقارنة مع برنامج ديستوبيا عربي ، يمكننا أن نلمس مساراً معاكساً لدى حسون، وهو الانطلاق من الكل العام من أجل تفسير الجزيئات الصغيرة. كما تحتلّ  مسألة الدين والإلحاد مساحة واضحة في هذه السلسلة، ويسعى من خلالها إلى التفسير المنطقي والعلمي لأنماط مختلفة من التدين وعلاقتها بالأخلاق. لكن بالمقارنة بين المضمون العلمي الذي يطرحه كلٌّ من الأخوين نجار وحسون، نجد أن حسون لا يحمّل الفيديوهات العلمية التي يقدمها أي رسائل سياسية، بل يتجه غالباً إلى الربط بين التفسيرات العلمية والسلوك اليومي والاجتماعي مع المحيط.

يرفق كلٌّ من الأخوين نجار وحسون الفيديوهات التي يقومون بنشرها بسلسلة من المراجع العلمية والمصادر التي تم إعداد الحلقة اعتماداً عليها، وهو ما يعكس احتراماً أولاً لأخلاقيات البحث العلمي، ثانياً لعقل المشاهد، ويمنح الحلقات درجة من المصداقية في أذهان المشاهدين، سواء قاموا بالاطلاع على المراجع أم لا. وهذه قاعدة أساسية مشتركة، ليس فقط في المثاليين السابقين، بل أيضاً في الفيديوهات العلمية التي يقدمها كل من سلام قطناني والدحيح على سبيل المثال لا الحصر. 

بالنظر إلى توزع هذه الفيديوهات العلمية، التي ينتجها سوريون وعرب، على خارطة العلوم الإنسانية والطبيعية، نجد اهتماماً واضحاً  بالفيزياء، الذكاء الصناعي، الفلسفة والتاريخ بدرجة أقل، ولا يكشف هذا التوزع عن محاولات لترميم النقص المعرفي في هذه المجالات فحسب، بل أيضاً عن حاجة علمية  لمواكبة التطور في المجال الأكاديمي، من خلال الاعتماد على أكثر من تخصص معرفي لتفسير حدث معين أو ظاهرة ما، وهو ما يسمى في المجال الأكاديمي بالـ interdisciplinary studies، أي الدراسات متعددة الاختصاصات، وهو نوع من الدراسة الأكاديمية بات أكثر انتشاراً في الجامعات الغربية خلال السنوات العشرة الأخيرة، والغرض الأساسي منها هو النظر في مسألة علمية ما من وجهات نظر مختلفة، كأن يُدرَس الأثر النفسي لتطور فيزيائي ما وانعكاسه على المجال السوسيولوجي العام. ولا تزال الجامعات العربية عموماً تفتقر إلى هذا النوع من الدراسات، وربما تكون هذه الفيديوهات مفيدة في سدّ هذه الثغرة، أو لفت النظر إلى وجودها على الأقلّ، وهو ما يبدو أنه الهدف الأبعد لهذه الفيديوهات التي تتجاوز كونها فيديوهات علمية لغير المختصين.  

قد تنجح هذه البرامج العلمية فعلاً في إثارة فضولنا تجاه مسائل وقضايا مختلفة اعتدنا أن نتعامل معها على أنها من البديهيات، كما أنها تضع معلومات بالغة الأهمية في متناول جمهور عريض وشديد التنوع، لكن بالرغم من نسب المشاهدة العالية نسبياً التي تحصدها هذه البرامج، إلا أن السؤال الذي لا بد من طرحه هنا؛ هل تصنع هذه البرامج العلمية معرفة حقيقية؟

يبدو طرح هذا السؤال ضرورياً بناء على بداهة أن كثرة المعلومات لا تؤدي إلى إنتاج المعرفة بالضرورة، لا سيما أن المعلومات المجردة، وبفضل محركات البحث وإمكانية الوصول الكبيرة إلى المصادر، قد باتت في متناول كل من يرغب بالإطلاع. كما أن تقديم استنتاجات وخلاصات ناجزة ومقتضبة يلغي خاصية أساسية للمعرفة، وهي أنها عملية تراكمية مستمرة وليست عملية مرحلية، ما يعني أن حصول فيديوهات كهذه على نسب مشاهدة كبيرة، لا يعني بالضرورة أن المعرفة قد تم اكتسابها فعلاً من قبل المشاهدين. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المعرفة العلمية والفلسفية لا تنفصل عن تجربتنا الشخصية، كما أن محاولات الاكتشاف الفردي لهذه المعرفة هي جزءٌ أساسيٌ من المعرفة المتحققة فعلاً.

أما التخوف الآخر الذي يراودنا عند التفكير بالدافع وراء إنتاج هذا النوع من الفيديوهات، خاصةً تلك المجردة من الأبعاد السياسية والربط العلمي مع السياق الاجتماعي الراهن كما نرى في بعض فيديوهات قناة ريبلز ومعظم فيديوهات الدحيح، فهو ترسيخ فكرة أن الفشل العلمي يفسّر وحده الفشل في التغيير السياسي والمجتمعي في البلدان العربية، أو ترسيخ فكرة أن «العلم هو الحل» الذي سينقذ بلادنا مما هي فيه.

لا يعني هذا أن أصحاب الفيديوهات أعلاه يقصدون الوصول إلى هذه النتيجة بالضرورة، ولا يعني أنهم يتعمدون تقديم العلم المجرد بوصفه حلّاً للمعضلات السياسية والاجتماعية، بل يبدو واضحاً في حالة الأخوين نجار مثلاً أنهما يتبنيان رأياً معاكساً تماماً لهذا الطرح، لكن يبقى أن تجريد المواضيع العلمية والفلسفية المطروحة في هذه الفيديوهات عموماً، قد يحولها إلى كتل مصمتة صعبة الاختراق، ومن ثم صعبة الترجمة إلى فعل واقعي يُغيّر الشرط القائم.

لا يسعى ما تقدّم إلى تحميل أصحاب هذه المشاريع المُهمة على تنوعها ما لا يحتملونه، لكن الاحتفاء بالجهد والإنتاج الذي يقدمونه لا ينبغي أن يمنع من التفكير في الإشكالية الأهم، وهي أن الأمر لا يتوقف على تحصيل المعلومات والمعارف، بل على كيفية استخدامها بالشكل الذي يمكن أن يحدث أثراً مجتمعياً وسياسياً إيجابياً؛ كيف يمكن إنتاج محتوى معرفي يلامس حاجات المشاهدين بشكل أعمق، ويتيح لهم إيجاد التقاطعات بين العلوم المختلفة وانعكاساتها على الممارسات اليومية؟