الموت المبدِّل والمتبدِّل

 

سمعت بالموت في سنّ مبكّرة، لكنّي لا أتذكر متى كان ذلك على نحو الدّقة؛ ربّما في عمر الثالثة أو بعد ذلك بقليل. ما أتذكّره هو أنّ الموت كان نهايةً سعيدةً ليوم الطفل قاسم، فقد كان الموتى، الذين لا بدّ سيموتون يوميّاً قبل النوم، هم الغول الذي التهم قزيزان وحديدان ومنيخلان وإخوتهم الذين لا تحضرني أسماؤهم الآن، والذئب الذي التهم جدّة ليلى. لقد كان الموت حينها معنىً للنجاة؛ نجاة الأولاد الطيبين من براثن الأشرار، وهي نجاة يتلوها نوم هنيّ بالقرب من قلب أمي. لم يحدث أن غفوت في سنوات طفولتي الأولى قبل أن يموت هذان الشريران.

لم يدم ذلك طويلاً. فجأةً تبدّل الموت الذي سمعت به، ولم يعد كما كان أبداً. لقد حصل ذلك حين انتقلت من السماع به إلى معرفته شخصيّاً. اكتشفت حينها أنّه لصّ يسرق ناسنا الذين نحبهم ويمضي بهم إلى حيث لا يعودون مجدّداً. مرّ على ذلك التبدّل الذي طرأ على الموت واحد وعشرون عاماً وثلاثة أشهر، كنت حينها بالكاد في عمر السادسة، وكان ذلك في يوم موت أبي. تحوّل الموت من مرادف للنجاة إلى شعور دائم بالفقد؛ فقدٍ لا يعوَّض أبداً، ولا تنفع معه الوعود، ولا سيّما أنّي كنت أذكى من أن أصدّق حكايا الأهل عن عودة الموتى في الصباح لرؤية الأطفال الأقوياء الذين يوافقون على أكل البيضة المسلوقة على العشاء. ولأنّي عرفت الموت مبكّراً فأغلب الظنّ أنّي أعرفه جيداً.

مع تبدّل الموت تبدّلت أشياء كثيرة. فإذا كان الخروج اليومي إلى المدرسة قد فاجأني بتحوّل اسمي من «آسم» إلى قاسم، فقد غيّر الموت اسم أبي من «أبو أحمد» إلى المرحوم. صار اسمي قاسم ابن المرحوم. أقراني في صفّ المدرسة تغيّروا أيضاً. فبخلاف الشهور الثلاثة الأولى من الصفّ الأول، لم يعد أحد يشاكسني البتة، والأولاد الأكبر سنّاً ممن يحلو لهم ضرب الذين هم أصغر سنّاً وأقلّ عزماً باتوا لا يتعرّضون لي كما يفعلون مع أقراني. بل إنّ كثيرين من أولاد صفّي والصفوف الأخرى كانوا يعرضون عليّ مقاسمتهم الطعام الذي يجلبونه معهم من البيت. كلّ ذلك لأنّ أبي «ميّت، يا حرام». هذا العطف والتعاطف كان ترجمة لحقيقةٍ ستتوضّح مع مرور الوقت؛ هي أنّي غدوت ضعيفاً وبلا سند أسند ظهري إليه. يبدو أنّ هذا الضعف عميق ويتعمّق كلّ يوم، إلى درجة أنّه سيرافقني إلى أن أموت أنا الآخر.

الآن، ومن خلال مراجعتي للسطور الأولى من هذا النص والمفردات التي استعملتها فيه على نحو مُتكرّر، أستطيع القول إنّ الموت تبدُّل وتحوُّل وتغيّر.

- يرحم روح أبوك

- تعيش

… مقطع من حوار تكرّر كثيراً.

*****

في الصفّ السادس حصل أمر مخيف آخر، سمعنا به بعد عودتنا من المدرسة بقليل. مات ولدان غرقاً في نهر الفرات، قالوا إنّهما فلانٌ وفلان. لم يكن الاسمان غريبين عليّ، ولا سيّما فراس، وبعد لحظات من التفكير قلت «ربّما هو فراس نفسه الذي في صفّي». اتصلت بأحد طلاب الصف من جيرانه لأتأكّد من ذلك، فقال لي إنّه فراس نفسه، ومعه ابن شقيقته الذي يصغره بعامين.

صباح اليوم التالي، كان طلاب الصفّ جميعهم متجهّمين، والمدرّس أيضاً. بدأنا يومنا بقراءة القرآن على روح فراس، واستمرّ ذلك حتّى موعد الفرصة. حين نزلنا إلى الباحة رحنا نتحدّث عن فراس، جعلناه صديقنا الأعز، والأكثر شجاعة وقوّة بيننا، وكما كان فراس بيتَ سرِّنا جميعاً فقد كنّا بيتَ سرِّه. وعلى الرغم من كونه لم يكن يلعب كرة القدم بشكل جيد إلا أنّه كان سريعاً جداً. ولأنّه من أسرة فقيرة فقد كان مضطراً للعمل، وهذا ما يبرّر تقصيره الدراسي، وإلا فهو ذكيّ وخطّه جميل. لقد ذكرنا محاسن موتانا قبل أن نسمع بالحديث النبوي. لعلّ موادعةَ الموتى وتزيينَ غيابهم بمناقب حقيقيّة ومختلقة مَنقَبةٌ يُفطَر عليها البشر وترافقهم إلى أن يموتوا، أو إلى حين ما. ما حصل مع فراس جعل أهالينا يحرموننا زمناً طويلاً من السباحة في نهر الفرات.

«محمد (مازحاً): وكيف وجدتِ الموت؟

الفارعة: الموت حق، ولكنّه موحش ومخيف»

سعد الله ونّوس، من مسرحية الاغتصاب

في الفترة نفسها كنت طالباً في معاهد تحفيظ القرآن الكريم، وإلى جانب دروس الأحكام والتجويد كانت هنالك دروس في العقيدة. لطالما حدّثنا الأساتذة عن الموت وسَكَراته، والقبض وخروج الروح من البدن، والبعث. أن يستمع طفل لتلك الدروس، يعني أنّه سيعاني قبل النوم وخلاله، وأن يرتعد فؤاده كلما تذكّر كلام الأستاذ. أستاذ التربية الإسلامية في المدرسة كان يكمل المهمّة بحديثه هو الآخر عن الموضوع نفسه، وكان حديث الموت هذا وسيلة ناجعة لإيقاف شغب الطلاب.

في هذه المعاهد، التي تحمل اسم الأسد، كانت تنعقد بين فترة وأخرى مسابقات لحَفَظَة القرآن الكريم، وكنت أشارك فيها. أوّل جائزة أفوز بها كانت كتاباً عنوانه أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور. قرأت من الكتاب مرّة واحدة ولم أعد إليه أبداً. لقد كان فيه من الأهوال المرعبة ما يسحق النفس ويبلّل الثياب. خلال كتابة هذا النص، استمعت مجدداً لخطبة الداعية السعودي المسجون خالد الراشد عن الموت؛ هذه الخطبة بقتامتها والرعب الذي تحتويه رِفقةَ نَحيب الشيخ خالد تكفي لتموت أمة الإسلام جميعها خوفاً من الموت والآخرة. الموت مخيف وثقيل وموحش، وفيه مهابة، لكن كيف لمن يدير مؤسسة الموت كعزرائيل أن يكون ملاكاً!

*****

كان موت الانسان، أيّ إنسان، مُصاباً عظيماً لمن يعرفونه ومن لا يعرفونه، وهذا جزء من مهابة الموت وعظمته في النفوس. في المدن الصغيرة التي يعرف أهلها بعضهم البعض، كان الموت وما يتبعه من مراسم أكثر وضوحاً وتفاعليةً ومشاركةً قياساً بما هو الحال عليه في المدن الكبيرة، والتي بالكاد يعرف فيها الجيران بعضهم.

تَشارُك الحزن ونفقات العزاء كانا شكل التضامن الاجتماعي الأبرز في المدن الصغيرة، فلان يُطعم المُعزّين وفلان يَسقيهم القهوة، وآخر يتكفّل بحفر القبر ورابع يدفع ثمن استئجار الخيمة أو الخيام… وهكذا. كانت تُقاس قيمة المتوفّى ومكانته الاجتماعية وطيب سيرته بعدد المُشيّعين والمُعزّين والخيم التي تُنصب لاستيعابهم، وكذلك بعدد السيارات التي تملأ الحي، وكلّما تنوّعت أسماء المحافظات المكتوبة على لوحات هذه السيارات ازدادت أهمية المتوفّى. بعض الناس كان يحضر عزاءَهم عدد من البشر يفوق جمهور مباراة كرة القدم.

أمّا أهل المُتوفّى فيُمضون يومهم منذ التاسعة صباحاً وحتى بُعيد صلاة العشاء بتقبيل الناس، وذلك على مدار ثلاثة أيام. العزاء مقسوم إلى قسمين، واحد للرجال يتكرّر فيه الكلام نفسه، وآخر للنساء تتنوّع فيه أشكال الحزن واللطم والندب، كما تنتشر فيه المسابح الألفية وأصوات الـ«بس بس بس بس»، التي تكون تسبيحات نصفَ مكتومة تُهدى إلى روح الميت.

*****

على هامش أيّ عزاء في شرق سوريا، يمرّ كلّ طفل بوظائف مختلفة تتناسب مع عمره. الصغار جدّاً توضع أمامهم أعداد كبيرة من الكؤوس وفناجين القهوة وقدر ماء ومنشفة، وهم مسؤولون عن تنظيف هذه الأدوات وتنشيفها حتى يُعاد استخدامها، ويقضي هؤلاء المساكين أيام العزاء الثلاثة على هذا المنوال. أمّا الأطفال الأكبر سنّاً؛ أي في نهاية المرحلة الإعدادية أو في الثانوية، فيحملون أباريق الماء ويطوفون بين الناس ليسقوا من يريد، على هؤلاء أيضاً أن يحملوا المناشف وأباريق الماء البلاستيكية بعد وجبتي الغداء والعشاء لكي يغسل الناس أيديهم بعد انتهائهم من الأكل. أخيراً شباب قد بلغوا الثامنة عشرة يتكفّلون بتقديم القهوة المرّة للمُعزّين، ويحظر تقديم القهوة على الأطفال. أنا مررتُ بهذه الأطوار جميعها.

علاوةً على ذلك، كان العزاء فرصةً لكثير من الناس شديدي الفقر ليأكلوا الكباب أو اللحم بعجين على أرواح الموتى، كما كان العزاء فرصةً لبعض لرجال الراغبين بمزيد من الجاه كي يعرضوا ما لديهم من بنين شهوداً حين يُقبِلون ومن خلفهم رجال كثيرون من نسلهم.

*****

في العام 2011 تغيّرت أشياء من طقوس العزاء، كان ذلك مع بداية الثورة وارتقاء متظاهرين سلميين شهداء على أيدي عناصر مخابرات نظام الأسد. أوّل ما تغير كان مراسم التشييع، فبينما كان الصمت هو السمة الطاغية على الماشين مع الجثمان إلى المقبرة سابقاً، تحوّل هذا الصمت إلى صراخ عالٍ وصخَب وهتافات ووعيد بالانتقام والسير على درب الشهيد. كثيراً ما كان التشييع مظاهرةً، وأعداد المُشيّعين كانت تفوق أعداد الناس في المظاهرات العادية، وكان الناس أكثر جرأةً في هتافاتهم وأقلّ حذراً فيما يتعلق بتغطية وجوههم.

ولم يعد غريباً أن تُطِلّ النسوة من شرفات المنازل لرشق الرزّ وإطلاق الزغاريد، كما كانت أعداد المُعزين في الخيام كبيرةً إلى حدّ أنّ الذين خارج الخيام أكثر ممن هم بداخلها، وخلافاً لما جرت عليه العادة بأن يأتي رجل دين في اليوم الثالث من العزاء ليعظ الناس ويقرأ على مسامعهم القرآن، صار الكثير من الناس يلقون كلمات في الشهيد والثورة، ولم يكن عناصر الجيش يجرؤون على الاقتراب من مجالس العزاء.

حين قرّر النظام مجابهة الثورة بالحرب، وخرجت مناطق شرق سوريا عن سيطرته، لم تعد الحال كذلك. كان الناس يخشون من استهداف مجالس العزاء التي يتجمّع فيها الآلاف بسلاح الطيران أو المدفعية، فاستغنوا عن نصب الخيام والتجمّع لأوقات طويلة، وبدلاً من استمرار تقبّل العزاء طوال اليوم، اقتصر الأمر على الفترة الممتدة من صلاة المغرب حتّى العشاء. شكلُ التشييع بقي حتّى آخر مرة كنت فيها في دير الزور نهاية العام 2014 على حاله، غير أنّ أعداد المُشيّعين قلّت للسبب ذاته الذي منع الناس من نصب خيم العزاء.

مع سيطرة تنظيم داعش على مفاصل الحياة في شرق سوريا تغيّرت صيغة من صيغ التعزية التي تعوّدَ عليها الناس، وصار ممنوعاً أن يدخل المرء إلى العزاء ويقول الجملة الشائعة «عظم الله أجركم وأحسن الله عزاءكم وغفر الله لميتكم… الفاتحة» فتلك بِدعة! وكل بِدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار. لم تكن مشكلتهم مع الجملة الافتتاحية، كانت المشكلة مع تلاوة الفاتحة. قبل ذلك حاولت جبهة النصرة أن تنشر بين الناس أنّ قراءة الفاتحة في العزاء مبتدَعة لا أصل لها في السنّة، لكنّها لم تمنعها على النحو الذي فعله داعش.

*****

«انكسر نظام الموت في سوريا على نحو يعكس الانكسار الرهيب لنظام الحياة»

- ياسين الحاج صالح

تحسّنت المؤشرات المتعلقة بالوعي الطبي والرعاية الصحية في سوريا خلال العقدين السابقين للثورة السورية، حيث تشير البيانات الرسمية إلى ارتفاع متوسط العمر المتوقع عند الولادة إلى 73,1 سنة في عام 2009، كما تحسنت جميع الأرقام المتعلقة بمعدل وَفَيَات الرضّع والأطفال دون الخامسة، وكذلك معدل وَفَيَات الأمهات عند الولادة. لذا لم يكن الموت دائم الحضور بين الناس، وأكثر الموتى كانوا من كبار السن والمرضى من أصحاب الحالات المستعصية وضحايا الحوادث المرورية، أي أنّ البلاد خلت من الأوبئة ولم تعرف مواتاً جماعياً أو أعمالاً إبادية أو حروباً منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي وحتى العام 2011. قلّة الموت وعاديّته وطبيعيّته، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الحال دوماً، أعطت الموت أسباب المهابة.

ظلت هذه المهابة مستمرةً إلى أن صار القتل والموت من عاديّ أيام السوريين، أي إلى أن انكسر نظام الموت بانكسار نظام الحياة بتعبير الحاج صالح. في العامين الأوّلَين من الثورة كانت جهات توثيقية عديدة تنشر أسماء القتلى في سوريا، وتتناقلها وسائل الاعلام المحلية والتلفزيونات، وصار من الشائع عند دخول قريةٍ أو مدينةٍ أن نشاهد قوائمَ بأسماء الشهداء على حيطان بعينها. في مدينة الميادين كان حائط مبنى حزب البعث الذي تحول لمقرٍّ يشغله أحد الفصائل هو اللوح الذي كُتبت عليه جميع أسماء الشهداء من أبناء المدينة.

تغيّرَ ذلك مع مرور الوقت وتزايد أعداد الضحايا وصعوبة الوصول إلى معلوماتٍ عنهم، وصارت الأرقام محلَّ الأسماء. بالطبع ما زال هنالك جهات مهتمة بتوثيق أسماء الضحايا، لكننا لا نراها اليوم بالصيغ نفسها التي كانت موجودةً في السنوات الثلاثة الأولى من الثورة. في ظلّ هذا الموت الكثير الذي ننام ونصحو عليه «ماذا سيفعل موتى بأسمائهم!» كما يسأل درويش في جداريته.

خلال عملي كمحرّر إخباري، كنت دوماً شديد الارتباك أمام مفردات الموت التي يوظّفها الصحفيون لنقل خبر مجزرة أو للحديث عن ارتقاء ضحايا نتيجة أعمال القتل الذي يمارسها نظام الإبادة الأسدي وباقي الأطراف المحلية والدولية في سوريا. غالباً ما كنت أستخدم الفعل «ارتقى»، كما كنت أتجنب استخدام فعل مبنيّ للمجهول على نحو «قُتِلَ» بمقدار تجنبي لكلمة «سقط». تُزعجني بعض سياسات التحرير «الرصينة» حيال هذا الأمر، كما أنّ كلمة شهيد هي الأقرب إلى قلبي. يؤلمني أنّ موتانا لن يصبحوا شهداء بالنسبة للعالم إلا في حالةٍ واحدة: أن ننتصر، وإلا فهم قتلى! 

*****

يا موت، عُد لمُستقرِّك في مخيالنا؛ شبحاً يريح عظام المسنّين من زمهريرها وقد دقّها وَهَنٌ طبيعي؛ عُد أيّاماً ثلاثةً في الخيام، ودِلالاً من القهوة المُرّة المرصوفة على جمر المناقل. تعال سرطاناً شرحوا عنه على عبوات التّبغ، تعال احتشاءً في القلب، ولا تأتي رصاصةً أو برميلاً أو شظيّة مدفعيّة، لا تأتي غازاً مسموماً ببُراز المختبرات الحربيّة. كن مشيئةَ الغيب على الآدمي.

ويا موت، كن ضيفاً خفيف الظلّ يطرق الباب قبل أن يدخل دُورنا التي «انشلعت» أقفالها، واترك على الجدران مكاناً يتزيّن بصور الأحياء. يا موت خذ من أهداب أولادنا الذين سرقتَهم ريشاً، ومن أصابعهم جَناحين، وطِر بعيداً إلى أرض بعيدة. لقد أتعبتنا ومللناك.

*****

أفكّر منذ الآن بسيناريو موتي، ولا أريد أن أموت بعيداً غريباً في أرض بعيدة غريبة. بالأحرى، لا أريد أن أموت بعيداً عن أمي. أقلّبُ في رأسي صور الناس الذين ماتوا أو قُتلوا خلال أعوام المقتلة المستمرة منذ ثمان سنوات، أو أولئك الذين قد يموتون دون أن يُقدّر لي أن أراهم مجدداً. يحدث ذلك بينما أنا أمشي على ضفاف نهر السين بالقرب من جسر ميرابو، ويقفز إلى مخيلتي باول تسيلان. أفكر عن السبب الذي دفعه للانتحار من فوق هذا الجسر تحديداً! وأتساءل كذلك عن الموضع الذي وجدوا فيه جثّة الشاعر طافيةً فوق مياه النهر. إن ما دفع تسيلان إلى الموت هو مشاهد الموت التي عايشها ولم تغب عن باله. لقد أماته الموت؛ موتُ الأحبّة.

*****

يحدث على نحوٍ مُتكرّر أن أقول إنني أرغب بالموت في سنّ السابعة والأربعين، وسبب اختياري لهذا السن تحديداً يخصّني وحدي ولا أحبّذ الخوض فيه مع أحد. وعدَتني إحدى صديقاتي بأنّها ستُقْدم على قتلي حين يحين موعد موتي الذي قررته لنفسي، وذلك في حال لم يحدث الأمر بشكل طبيعي. أعلم وتعلم أنّها لن تفعل، رغم أنّنا رسمنا سيناريوهات عديدة لكيفية «اغتيالي».

ليلة أمس، تحدثتُ إلى أمي وأخي، أخبرتهم أنّي حرقت أصابعي حين حملت صينيةً بالكاد أُخرجت من الفرن، فسألتني أمي عن الشاغل الذي يملأ رأسي ويجعلني غافلاً هكذا. أخبرتها أني أكتب في رأسي نصّاً عن الموت، فطلبتْ مني أن أبتعد عن هذا الموضوع «اللي بيعصّص القلب». شرحت لها أنّي سأحاول أن أسأل الموت لِمَ لمْ يعد محترماً كما كان، لماذا بات مجانياً ودون مهابة! لا أدري كيف ساقنا الحديث إلى تذكّر عشرات الناس الذين ماتوا في غيابي. تفاجأتُ بأنّ العالم كله قد مات منذ رحلت عن سوريا. أحسد الذين يموتون في أوطانهم، وكنت سأحسدهم أكثر لو ماتوا بشكل طبيعي. يا لَلمازوشية التي وصلتُ إليها.

*****

ماذا عن أولئك الذين لا نعرف عنهم وعن مكانهم شيئاً؟ ألا يملّ أهلهم ومُحبوهم من المراوحة في التفكير بين عودتهم وموتهم؟ ألا يملون من طرد فكرة الموت والتشبّث بأمل العودة؟ هل ثمّة أبشع من أن يُسرق من الإنسان حياته ومماته في آن؟ من أين قُدّت أعصاب أولئك الشجعان الذين مازالوا يحاربون من أجل قضية ذويهم المخطوفين والمُغيَّبين والمُعتقلين؟ كيف لأمٍّ أن تتلقّى ورقة إخراج قيدٍ تقول إنّ ابنها مات بسكتةٍ قلبية بينما قلبها يعرف أنّه عُذّب في مسالخ المجرمين حتّى صار الموت خلاصه؟

بينما أعجز عن التفكير بمقاربات تُعطيني إجابات أُعزّي بها نفسي على الأقل حيال هذه الأسئلة الثقيلة، أنتقل للتفكير في أولئك الذين لا ندري إن كانوا يفضّلون الموت على الحياة. أتذكّر قصة إحدى قريباتي التي اعتقل النظام ابنها في السنة الثانية من الثورة. بذلت المرأة أضعاف ما تملك، ولم تترك باباً إلا وقفت على أعتابه متوسلةً وراجيةً رؤية ابنها ولو لدقيقتين، وبعد أن نجحت في ذلك رأته مشلولاً ومبتور الأعضاء وفاقداً للعقل والتركيز، وزنُه لا يتجاوز وزن طفل صغير؛ جلد وعظم. بدأت تنوح راجيةً العنصر المسؤول عن مراقبة الزيارة أن يقتله ويريحه ويريحها، تقول له «اگتله يا عيني، اگتله». مات عمّار فيما بعد لترتاح ويرتاح.

*****

«سأزور الشهداء القدّيسين، وأراهم يفركون راحاتهم ندماً، فقد قُتلوا من أجل أن يتربع شعيط ومعيط على صدورنا»

- موفق محمد

في أيام الطفولة كان يحكي لنا بعض أولاد الصفّ أو الحارة كيف تمكّنوا من رؤية أحد الموتى من أقاربهم بعد أن كُفّن، يصفون لنا العصابة البيضاء المربوطة من أعلى الرأس إلى أسفل الحنك، الجسد المُمدّد على سرير دون نفس يصعد أو يهبط، والأشياء الموضوعة في الأذنين. لم أرغب يوماً برؤية جسد ميت، ولم يكن ذلك ليُثير فضولي مُطلقاً. خشيةُ التعامل مع الموت والموتى ربما هي التي حالت دون أن أكون اليوم طبيباً.

ولكن، بين عامي 2012 و2015 فجأةً وجدتُ نفسي على تماسّ مباشر وبالجملة مع الموت والموتى، إذ لا يسع الشابّ عند سماع أصوات القصف المتكرر وغارات الطيران سوى أن يذهب إلى إحدى المستشفيات التي تستقبل المُصابين بحِمَم النظام… يقول «لعلّي أكون مفيداً هناك».

في الميادين، كنت أتوجّه إلى مشفى نوري السعيد عقب كل غارة، مثل شباب كثيرين، لنساعد في حمل الجرحى والتبرّع لهم بالدم لو تطلّب الأمر. حدث مرّةً أن حملتُ مع اثنين آخرين رجلاً جلبوه في سيارة بيك آب رِفقة أفراد من أسرته بعد أن قصفت منزلهم طائرة حربية. أنزلناه إلى غرفة العمليات في قبو المستشفى، ولم أستوعب أنّ الرجل كان مقسوماً إلى شطرين بالكاد يربطهما بعض الجلد إلا بعد أكثر من عشر دقائق، وهي الدقائق التي قُدّر له أن يعيشها قبل أن يموت.

في هذا المشفى، تكرّرت أمام عيوني مشاهد الموت كثيراً، كما كنت أرافق الجثث العائدة إلى البيوت التي ستُشيَّع منها إلى القبور، وكان الموتى ظاهرين لا حُجُب تخفيهم ولا توابيت. في الواقع لا يحتاج المرء الذهابَ إلى مكان مشابه لكي يكون في قلب الموت السوري. هو طافح وجليّ ومتواصل، ويكفي اليوم أن نكتب كلمة إدلب على محرك غوغل لنراه بأحدث إطلالاته.

هنالك من يموت من السوريين على الضفة الأخرى. شخصياً أعرف منهم وعنهم أشياء قليلة. لكنّ كثيرين من أولئك ماتوا من أجل «شعيط ومعيط»، وهم لا بد سيَفركون راحاتهم ندماً إذا عرفوا بساعات الحائط التي قُدّمت لأمهاتهم. هنالك في ضفّتنا/ضفافنا من يتمنّى أن يكون «شعيط ومعيط»، وثمّة من مات لأجلهم أيضاً، غير أنّ الآمنين الوادعين في منازلهم ماتوا دون أن يحلُموا بشيء يتخطّى الأمان و… الحرية. وإلى حين تحقّق العدالة في سوريا، لا ينبغي لنا أن ننسى أنّ لكلّ ميّت قاتلاً، أو بالأحرى قتلة.