النظام السوري كشركة سياحية لليمين المتطرف

 

ستة أيام، ما بين الواحد والثلاثين من أيار الجاري والخامس من حزيران، سيقضيها السُيّاح في «مراكز التراث السوري» و«وسط أجواء الساحل المتوسطي السوري». الرحلة، التي يُعنون طابعها «التضامني» بروشورها الدعائي، ستتضمن زيارات لبيروت ودمشق ومعلولا وصيدنايا وتدمر وحمص وطرطوس، وفي المنشورات المرافقة للبروشور تُفصَّل مغريات الرحلة بالتأكيد على أنها تشمل زيارة قِلاعٍ صليبية وأديرة مسيحية، وآثار تدمر «الخلابة». يُطمئن المنشور الفيسبوكي كذلك أن الرحلة «آمنة» و«اقتصادية للغاية»، وأن الريع الناتج عنها سيُستخدم في «مشاريع تضامنية».

يخبرنا البروشور كذلك أن الرحلة تتم بالتعاون بين وزارة السياحة السورية، و «الجالية السورية في إيطاليا»، ومنظمة سوليد الإيطالية. لهذه الأخيرة، كما يمكننا أن نلحظ في أرشيف وكالة سانا للأنباء، أو أرشيف أخبار وزارة السياحة على موقعها، نشاطات كثيرة مشتركة مع وزارة السياحة السورية، أكان جمع التبرعات وشراء مواد إغاثية لإرسالها إلى سوريا؛ أو رحلات من طراز هذه المعلنة نهاية هذا الشهر، أو نشاطات وندوات «تعريفية» بسوريا ومُساهِمة في كشف زيف ما تروّج له «المؤامرة الكونية»؛ وللمنظمة أيضاً زيارات «رسمية» لسوريا ضمن جولات وفد الجبهة الأوروبية للتضامن مع سوريا، التي تنتمي سوليد لها، وتشكّل فرعها الإيطالي. زيارات قابلت خلالها رئيسة سوليد، آدا أوبيديزيانو، وزيري الصحة والسياحة، والمفتي الحسون، و«السيدة الأولى» أسماء الأسد، إثر مرورها قبل ذلك على بيروت ومقابلتها مسؤول العلاقات الخارجية في حزب الله علي دعموش وتعبيرها عن دعم سوليد للنظام والشعب السوريين، ولحزب الله في مواجهة «الإرهاب».

تقدّم سوليد، واسمها الكامل «تضامن وهويات»، نفسها كـ «جمعية خيرية وإنسانيّة، ساعية لمساعدة ودعم الشعوب التي تناضل من أجل البقاء والحفاظ على ثقافتها والدفاع عن هويتها» أمام شراسة العولمة وعدوانيتها. ورغم أن المنظمة لا تتبع بشكل رسمي لأي حزب إلا أن علاقتها أكثر من وطيدة، بل يمكن القول إنها «عضوية» بحزب كاسا باوند -كما يشير تحقيق لموقع فايس باللغة الإيطالية-، أبرز أحزاب الفاشية الجديدة في إيطالية، أو «فاشية الألفية الثالثة»، كما يتباهى أعضاء الحزب بتسميتها.

تأسس حزب كاسا باوند (بيت باوند) في روما عام 2003، إثر احتلال مجموعة من الناشطين الفاشيين مبنىً حكومياً مهجوراً تم تحويله لمركز اجتماعي يُقدِّمُ المعونات للمحتاجين الإيطاليين حصراً، وقد اتُخذ هذا الاسم تيمّناً بالشاعر عزرا باوند، المعروف بحماسه لفاشية موسوليني. ورغم أن كاسا باوند فشل في دخول البرلمان الإيطالي في الانتخابات التي جرت قبل شهرين، ولم تتجاوز نسبة المصوّتين له الـ 1٪ بعد أن وقع ضحية تفضيل جزء كبير من جمهوره المُحتمل التصويت لبُنى سياسية مُشابهة في الفاشية وإن أعرق تنظيمياً، كتحالف الشمال، إلا أنه لا يمكن تجاهُل تزايد نسبة التصويت لكاسا باوند ستة أضعاف مقارنةً بالانتخابات البرلمانية السابقة، أو تجاهل تزايد حضوره الاجتماعي في مختلف مدن إيطاليا حيث بات الحزب يُدير أكثر من 130 مركزاً، أو تضاعف وجود ناشطيه في الشوارع وهم يوزّعون كل أنواع خطاب وفعل الكراهية ضد المهاجرين واللاجئين. وثمة رقم آخر يثير قلق متابعي السياسة الإيطالية نشرته جريدة ليسبريسو إثر استطلاع رأي أجرته مع 1500 شابة وشاب صوّتوا للمرة الأولى خلال الانتخابات الأخيرة قبل شهرين، وتبيّن من خلاله أن نسبة المصوّتين لكاسا باوند ضمن هذه الشريحة العمرية تجاوزت الـ 5٪، ما يدل على وجود وفاعلية «الكتلة الطلابية»، الذراع الشبيبي للحزب، في المدارس والجامعات الإيطالية.

ككل أحزاب اليمين المتطرف، لكاسا باوند خطاب شديد العدوانية تجاه المهاجرين واللاجئين، ويمزج الخطاب الحِمائي والتفضيلي للإيطاليين «الحقيقيين» مع العمل الاجتماعي مع الفئات المحلية الأكثر تضرراً خلال أعوام الأزمة الاقتصادية التي عصفت بجنوب أوروبا، ملتقياً بهذا السلوك مع حزب الفجر الذهبي اليوناني والبيت الاجتماعي-مدريد في اسبانيا. ولهذا الأخير علاقة وثيقة بكاسا باوند تتجاوز القُرب الإيديولوجي نحو الشراكة في النشاط السياسي والعضوية في هياكل وشبكات دولية، من بينها الجبهة الأوروبية للتضامن مع سوريا، الجسم الأكثر نشاطاً في الترويج لبروباغندا النظام السوري وحلفائه ضمن الأوساط اليمينية المتطرّفة في أوروبا. ولهذه الأحزاب خطاب سينيكي بخصوص «التنوّع الثقافي» للعالم، إذ تعتبر عنصريتها وعدوانيتها تجاه المهاجرين ضرباً من ضروب الدفاع عن عالمٍ متنوّع، إذ يجب العمل على أن يبقى كلٌ في بلده، وأن يتلقى المساعدة «هناك»، دون أن «يأتي»، فالاختلاط الناتج عن قدوم المهاجرين يمسح الفوارق ويحوّل الناس جميعهم لمتشابهين، وهو «أمرٌ غير مقبول»، كما كرّر ناشطون من كاسا باوند مراراً أمام الصحافة خلال الحملة الانتخابية مطلع العام الجاري، وكما يشرح سيموني دي ستيفانو، زعيم الحزب الحالي، والذي لا يُخفي كذلك إعجابه بفلاديمير بوتين.

للنظام ورأسه مكانة طيبة، وعلنية، في قلوب اليمين المتطرف العالمي. سبق وأن أشار آليكس راول في تقريره العام الماضي لشعارات أطلقها نازيو فرجينيا الجدد تحيي رأس النظام الأسدي، الذين يرتدون أيضاً تي شيرتات متباهية ببراميله. وفي تقريرٍ لصحيفة الغارديان عن كاسا باوند وتصاعُد الفاشية الجديدة في إيطاليا نجد صورةً لواجهة مقرّ الحزب الرئيسي في روما وقد رُفع عليها علم «الجمهورية العربية السورية». أما ميليسا رويث، زعيمة البيت الاجتماعي-مدريد، المرادف الفاشي لكاسا باوند في إسبانيا، فتحرص على إظهار العلم الأحمر أثناء جلسة تصوير لصالح ريبورتاج عنها نُشر في جريدة إل موندو قبل عامٍ ونصف.

casa_pound_the_guardian.jpg

مقر كاسا باوند في روما- الغارديان

يساهم النظام وأدواته أيضاً بشكل فاعل في خطاب العداء للاجئين، الأمر الذي يقوم به، بهمّة عالية، كتّاب ورجال دين مرتبطون بالنظام، يجولون أوروبا لإقامة نشاطات تشكك في «سوريّة» اللاجئين أصلاً، وتحذّر من أن الكثير من «الإرهابيين» مندسوّن بينهم. وهذا النوع من الندوات هو النشاط الأبرز والأكثر تكراراً للجبهة الأوروبية للدفاع عن سوريا. والزيارات المتواصلة لوفود من الناشطين في اليمين المتطرّف هي أيضاً تجديد متواصل للعدّة البروباغندية، ويجد المرء صعوبة في تفادي توقّع أن تكون هذه الزيارات إلى سوريا وإيران، بترفِها وهداياها واحتفائها، جزءاً من بنيان شبكة زبائنية متبادلة المنفعة.

يتمتّع النظام بالقدرة على دغدغة مساحات الحساسية الفاشويّة بهمّة عالية، كمهارته في استخدام الإسلاموفوبيا المُتذاكية، والتي نجدها، مثلاً، في برامج الرحلات إلى سوريا، المترعة بزيارات لمناطق أثرية رومانية وصليبية، وأديرة مسيحية، تستدعي تاريخاً ما-قبل إسلامي، ولقاءات مع رجال دين مسيحيين أو مسلمين «علمانيين»، من طراز المفتي الحسوّن (الذي يتمتّع بمقدرة هائلة على إثارة إعجاب الإسلاموفوبيين)، المُزاوِد بالعلمانية لدرجة تعيير  ألمانيا على قلّة علمانيتها مقارنةً بسوريا، كما أخبرتنا شام العلي في تغطيتها لأصداء زيارة حزب البديل الألماني إلى سوريا قبل أسابيع. كما أن موضوعة «القوة» وإبراز المقدرة على استخدامها بثقة عاملٌ مهمٌّ من عوامل افتتان الفاشيين، فبطش النظام ودمويته ومجازره ليست جرائماً، بل إنها دليل على أهميته كمُدافع عن «الحضارة» في وجه «البربرية الإسلامية» في الخط الأول لجبهة هذ المعركة. شعار الجبهة الأوروبية للتضامن سوريا، الفاشيّ الطابع والألوان والتركيبة، يرينا خريطة لأوروبا متجانسة اللون، الأسود الحبيب على قلب الفاشيين، مرسومة على علم «الجمهورية العربية السورية». هذه بحاجة لتلك، يبدو أنهم يريدون القول، مثلما يقول لنا البروشور السياحي عن أن الزوار سيتمتعون بمشاهدة تدمر بآثارها الخلابة وصيدنايا بديرها المسيحي، وبقاءُ هذه المعالم الحضارية يحتاج حرباً، من أجل الحضارة، على شكل سجون رهيبة، أجهزة قتل وتغييب العهدين الأسديَين، موجودة في هاتين البلدتين بالذات.

علينا أن نتفهّم مخاوف اليمين المتطرف الأوروبي.