الوجه الثوري للشر

تنويه: تحوي المادة نقاشاً لمشاهد ومجريات من الفيلم.

ظلّت شخصية الجوكر السينمائية، المستوحاة من كتب القصص المصورّة الخيالية، واحدة من أقدم وأكثر  الشخصيات الشريرة سحراً ورعباً في أفلام الجريمة والأكشن، وتحديداً في فيلم البطل الخارق «باتمان». تعاقب على لعب دور الجوكر مجموعة من الممثلين، واستفزت الشخصية أداءً اسنثنائياً لديهم جميعاً، ومنهم جاك نيكلسون في باتمان عام 1989، وهيث ليدجر في فيلم ذا دارك نايت عام 2008، الذي انتحر بعد انتهائه من تصوير  الفيلم في السنة ذاتها، تاركاً خلفه أداءً لا ينسى لشخصية الجوكر في تاريخ السينما.

وبالرغم من الاختلافات الواضحة في الشكل والأداء، منذ 1966 مع الممثل سيزار روميرو  حتى أداء هيث ليدجر عام 2008، إلا أن شخصية الجوكر حافظت على ملامحها الجوهرية كشخصية شريرة شيطانية، لا تحمل أياً من القيم الإنسانية، وهدفها الأسمى هو القتل في ظل اتحاد متين بين الشر والسلطة والمال. لقد ظلت شخصية الجوكر تتحرك ضمن مجال الشر، إلى أن عرفت تحولها الأخير في فيلم  الجوكر عام 2019 للمخرج تود فيلبس، والتي لعب دورها فيه الممثل خواكين فينكس

تدور أحداث الفيلم في مدينة جوثام الخيالية المستوحاة بدورها من القصص الخيالية المصورة، في فترة زمنية لا يتم تحديدها بدقة في الفيلم، وهي عن شاب فقير وبسيط يدعى آرثر فليك، يعمل مهرّجاً ويدور في الشوارع محاولاً إضحاك الناس والأطفال، ويعود مساء ليعتني بوالدته التي يسكن معها في بيت صغير في حي بائس. علاوة على ذلك، نكتشف أن آرثر يعاني من اضطراب عقلي يؤثر على سلوكياته مع الناس ويجعله يشكك في وجوده هو ذاته. نرى آرثر في بدايات الفيلم شخصية هزيلة وساذجة، مما جعلها هدفاً لنكات الآخرين وتنمّر أولاد الحي عليه، والسخرية منه ومن نكاته التي لا تضحك أحداً. ولم يكن ينقص آرثر فوق كل مصائبه وعذاباته إلّا أن يُطرد من العمل، وذلك بسبب حيازته مسدساً أثناء ساعات عمله مهرجاً في إحدى مشافي الأطفال. يبدأ بعدها تحوّل أرثر التدريجي نحو الشر والشخصية العنيفة، وتتوالى الجرائم التي يرتكبها بحق عامة الناس في المترو وفي العمل، وبحق عائلته التي يكتشف حقيقتها في الفيلم.

هذا التحول الأخير الذي طرأ على شخصية الجوكر هذه المرة، لم يكن في الشكل فحسب، بل أيضاً في تكوين وبنية هذه الشخصية التي انتقلت من مستوى الخيال والفانتازيا، وصارت كائناً بشرياً من خلال إيجاد مقدّمات للشر، ومنبع وأسباب له، تبدو كما لو أنها مبررات لكل التصرفات العنيفة، ومنها الفقر وحالة البؤس التي يعيشها والاضطراب العقلي، حتى أن  ضحكة الجوكر الشريرة التي اشتهرت الشخصية بها صارت ضحكة لا إرادية، وهي واحدة من علامات مرضه العقلي.

شخصية الجوكر في الأفلام السابقة كانت تمثيلاً للشر المطلق، حتى أنه إذا كان للشيطان وجه فإنه سيكون على هيئة الجوكر، وأي تطور درامي يطرأ على شخصية الجوكر في الأفلام السابقة كان يأتي إمعاناً في الشر والحقد. خسرت شخصية الجوكر في التحول الأخير تعقيدها الفلسفي، والترابط الغامض بين الشر والجنون الذي جسده هيث ليدجر ببراعة في أدائه لها. على العكس من ذلك  كله، بدت شخصية الجوكر في الفيلم بسيطة، مسالمة، لا حول لها ولا قوة، إلا أنها تمتلك مسدساً وتكتشف الشر من خلاله عند ارتكاب الجريمة للمرة الأولى في المترو، وكأن التعرف على الشر الإنساني متمثلاً بالجريمة صار محض صدفة، وهو ما يناقض كلياً الجريمة المدبرة، التي كانت توازي في قوتها وذكاء التخطيط لها قوة البطل الخارق باتمان. بمعنى آخر، إن عشوائية الشر والقتل التي رأيناها في الجوكر، والتي شكلت لغزاً بالنسبة للمتفرج والممثل على حد سواء، صارت فعلاً قصدياً وانتقاماً من أشخاص محددين مرتبطين بماضي بطل الفيلم آرثر فليك.

البطل المضاد بوصفه بطلاً وحيداً 

يستمد البطل المضاد في السينما معنى صراعه من مواجهة البطل الخارق المناقض له، ولطالما انقسم الصراع في المسرح والسينما والميثولوجيا إلى عالمي الخير والشر، بحيث يكون البطل الخارق ممثلاً عن الخير والبطل المضاد ممثلاً عن الشر. وتتّبع  أفلام الأبطال الخارقين سواء كانت للبالغين أو الأطفال هذا التقسيم إلى يومنا هذا، لكن المعادلة تتغير في فيلم الجوكر، إذ يتلاشى بطل الخير خارق القوة كلياً، وبالتالي يصبح الجوكر هو البطل الرسمي الوحيد والبطل المضاد في آن معاً، وبسبب التكوين النفسي للشخصية، يصبح الجوكر بطلاً جميلاً ومتمرداً وغاضباً فيما يحلّ العنف المُبرَّر مكان الشر المطلق، ويحصد تعاطف المتفرج في النهاية لأنه محصن بعدد كبير من المبررات الخارجة عن إرادته، والتي تجعله ضحية.

لكن القاعدة التي لم يشذ عنها الفيلم بالرغم من تغيير معادلات البطولة هي ضرورة كسب تعاطف الجمهور مع البطل وإعجابهم به، مهما كان شريراً. ويشرح الدحيح في هذا السياق في فيديو حديث له الآليات المستخدمة للتأثير على تعاطف الجمهور مع الجوكر ومع نماذج أخرى من  الشخصيات الشريرة عموماً في السينما، منها أن يكون سبب الشر والعنف هو ظرفٌ خاصٌ خارج عن إرادة الشخصية، أو تقريب المشاهد من الشخصية من خلال تصوير مشاهد قريبة لها تولّدُ شعوراً بالتماهي بين المشاهد والشخصية، بالإضافة إلى تحليل علمي لأثر مشاهد الانتقام على العقل والهرمونات وغيرها. 

وبالرغم من أنها ليست المرة الأولى التي يتعاطف فيها الجمهور مع شخصية شريرة، إلا أن الجديد بالنسبة للجوكر هو أن هذا التعاطف يأخذ الشخصية إلى مكان آخر، لا تكون الفانتازيا فيه مصدر الإعجاب، بل الظلم المُمَارس عليها، والذي يتمخض عنه التحول الأخير لشخصية الجوكر، الشخصية الثورية المتمردة. 

الجوكر بطلاً سياسياً

بعد عدة مشاهد قتل عنيفة، تصبح جرائم الجوكر عصية عن التبرير، وتمر لحظات في الفيلم يتساءل فيها المتفرّج ما إذا كانت هذه المبررات يمكن أن  تؤدي فعلاً إلى هذا العنف، لكن هذه اللحظات لا تطول، إذ يرتدي كثيرٌ من الناس قناع المهرج، وتخرج الجموع إلى الشوارع دعماً لقضية الجوكر، وتبدأ حركة احتجاجية غاضبة يصبح الجوكر رمزاً لها.

تفجِّرُ جرائم الجوكر، وحقده على المجتمع وعلى المنظومة كلها، خزّانَ الغضب عند الجموع، وتوقظ عندهم الرغبة بالتمرد والثورة على المجتمع، باعتبار أنهم ضحايا مستقبليون مُحتملون للمنظومة ذاتها التي أنهكت آرثر فليك. يتحول الجوكر بطلاً سياسياً فوضوياً ثائراً في المشهد الأخير من الفيلم، ينتفض الناس لأجله ومعه. وبالرغم من جمالية المشهد الأخير، التي لا يمكن إلا أن تثير فينا رعشة الفرح ممزوجاً بالحزن لمصير هذا البطل، حين يرقص الجوكر رقصته وسط هتافات الجموع ويرسم ابتسامته بدمائه، إلا أننا لم نعرف شيئاً عن طبيعة هذه الجموع التي صار أفرادها جواكر؛ هل ينتمون لطبقة الفقراء والمضطهدين في المجتمع؟ هل هم متضامنون عاطفياً مع الجوكر الذي اعترف بجرائمه علناً؟ وإذا كانت هذه الجموع متضامنة فعلاً مع الجوكر ضد طبقة الأغنياء فما هي مطالب هذه الثورة التي اشتعلت والتي لم نعرف عنها شيئاً، وجاءت تحولاً سريعاً نحو نهاية الفيلم، التي تترك انطباعاً أن الثورة خيار عاطفي لا خيار عقلاني، وأن هؤلاء الغاضبين في الشارع، وبالرغم من أحقية مطالبهم ضد الفقر والتمييز والاضطهاد، إلا أن التعبير عن غضبهم جاء مقترناً بجرائم القتل والتخريب، على نحو يعطي إيحاءً بأن طريق الثورة ربما لا يكون الطريق الصحيح لإنجاز التغيير.

تظل نهاية الفيلم مفتوحة، ولا نعرف أي حقائق عن مستقبل الحركة الاحتجاجية التي بدأها الجوكر، سوى أنها تحمل رسالة نبيلة وتحاول جذب انتباه العالم إلى قضايا المستضعفين وحاجات المرضى النفسيين، ومعها يشهد الجوكر على تحوله الأخير، وبدلاً من اقتران اسمه بالشر المطلق والجريمة، صار غضبه وإحساسه بالظلم هما الدافعان وراء  شره.

 أبدعَ واكيم فينكس في أدائه لشخصية الجوكر، وأضاف لها تحوّلاً إنسانياً جذّاباً أخذها بعيداً عن الشخصية الخيالية، وربما تكون الطريقة المثلى لتلقي فيلم الجوكر هي إخراجه من المقارنة كلياً مع ثنائية الجوكر وباتمان التي رأيناها في أفلام سابقة، ويبقى أن شخصية الجوكر، سواء كانت بطلاً مضاداً أم بطلاً وحيداً، تحمل في بنيتها لغزاً فلسفياً سيظل قادراً على جذب أنظار العالم والباحثين والسينمائيين إليه، هذا اللغز الذي يكمن هذه المرة في تحولاته من الجريمة إلى الحب ومن الخيال إلى الحقيقة ومن الأنا إلى الجماعة.