امتحان الرصاص

 

ديرالزور، 12 حزيران 2012

آخر ما كان يخطر ببالي يومذاك هو هجوم قوات النظام على مركز المدينة، رغم إيماني المطلق بحقارته وسفالته؛ على الأقل ريثما يفرغ الطلاب من تقديم المادتين المتبقيّتين في الامتحان النهائي لشهادة الثانوية العامة (البكالوريا).

كان وسط المدينة، حيث منزلنا، والأحياء الشرقية منها تخضع لسيطرة فصائل الجيش الحر وقتذاك، أذكر من بين أسماء الكتائب: «العبّاس» و«محمد» و«الأنصار» و«علي بن أبي طالب» و«ذي قار» و«سعد بن أبي وقاص» و«شهداء الفرات». 

أما حيّا «الجورة» و«لقصور»، الواقعين غرب المدينة، فبقيا تحت سيطرة النظام وفروعه الأمنية المنتشرة على أطرافهما، بدءاً من فرع الأمن العسكري الذي كان رئيسه اللواء جامع جامع، أحد المتهمين المباشرين باغتيال رفيق الحريري؛ مروراً بفرع المخابرات الجوية ورئيسه العميد محمد طيارة، الذي ما زلت أتطعّم بمذاق صفعته «المخمّسة» حين كان يحقّق معي في فرع تحقيق المخابرات الجوية بمطار المزة الدمشقي سنة 2003؛ وصولاً إلى فرع أمن الدولة ورئيسه دعّاس دعاس، الذي يتذكره جميع معتقلي التظاهرات من أبناء الدير –دير الزور-.

رغم ذلك، كانت الحياة تسير ضمن إيقاعها المعتاد في دوائر الدولة والمدارس والأسواق داخل أحياء المدينة بطرفيها الخاضعين للثوار وللنظام، إلا أننا كنا ننتظر وصول حملة عسكرية مدعّمة بالدبابات في أية لحظة، قادمة من جهة الشمال الغربي، طريق الرقة- حلب، ومن الجنوب الغربي، طريق تدمر- دمشق، بغرض اقتحام الأحياء المحررة، ليس لاستعادتها من الجيش الحر فحسب بل لتصفية وملاحقة من آثر البقاء بداخلها من المدنيين الذين لم ينزحوا باتجاه الحيّين (الآمنين) المذكورين، فأسماء غالبيتهم كانت مطلوبة ومعمّمة في نشرات ولوائح فروع الأمن، بمن فيهم أنا وإخوتي، بتهمة الخروج في المظاهرات المطالبة برحيل النظام؛ على الرغم من تعرّض أكثرهم للاعتقال داخل تلك الفروع فيما مضى وخرجوا منها بعد توقيعهم على تعهدات بعدم المشاركة مجدداً في المظاهرات، وأيضاً كنت أنا وإخوتي من بينهم. إلا أن القاعدة الثابتة لدى مخابرات الأسد تقول: كل اسم تم تسجيله هو عبارة عن مطلوب دائم وأبدي ولا يُمحى أو يسقط بالتقادم أو العفو!

في صباح ذلك اليوم الصيفي الحار، توجّه الطلاب والطالبات نحو مراكز الامتحان. الطالبات كان يرافقهن آباؤهن أو أمهاتهن كما جرت العادة أيام امتحانات الشهادة. 

كان المشهد مترافقاً مع صوت رشقات الرصاص الصادرة من حواجز حيّ الجورة ومعسكر الطلائع الملاصق له، والذي يشكّل بوابة الدير الغربية عند أول طريق الرقة.

جلستُ وأخي معاذ نرقب الوضع من على رصيف بيتنا أمام الباب، وبجانب الباب تماماً كان دَرَج القبو الممتد على كامل مساحة المنزل؛ والقبو كان عبارة عن كافتيريا أطلق عليها Royal Cafe. تلك الكافتيريا كانت حتى ما قبل شهرين من الزمان، وعلى امتداد أكثر من ثلاث سنوات قبلهما، عامرة بالعشّاق والأصدقاء والأصحاب، من شتى المدن السورية، غالبيتهم من طلبة كليّات جامعة الفرات، المنشأة حديثاً داخل مدينتنا. 

صاحب الكافتيريا كان شاباً ديرياً، لكنه يقيم منذ ولادته في مدينة حلب. قدم إلى المدينة نهاية العام 2007 ليستأجر قبونا ويحوّله لكافتيريا مميزة تختلف عن باقي شبيهاتها في ذلك الوقت.

وعلى الرغم من الاجتياح الأول لجيش النظام، منتصف 2011، وتقطيعه لأوصال الدير بالحواجز والمدرّعات، ظلّت الكافتيريا تستقبل جزءاً لا بأس به من روادها السابقين باستثناء معظم طلبة الجامعة من أبناء الساحل السوري وريفي حمص وحماة، الذين كانوا يشكّلون النسبة العظمى من الزبائن، وصار جزء منهم مجندين وشبيحة داخل صفوف النظام لاحقاً بعد أن كان قد أبعدهم عن المدينة الثائرة.

كان صاحب الكافتيريا من الفئة المنتمية لعبارة «الله يطفيها بنوره>، والمقصود بهم جماعة المؤيدين الصامتين أو الذين يميلون حسب ميلان الطرف الفائز، فآثر تسليم مفتاح الكافتيريا لمعاذ والهروب إلى بيت أهله في حلب قبل شهرين من حكايتنا، أي ما يقرب من منتصف شهر نيسان/ أبريل 2012.

الحكاية..

على ذلك الرصيف، بقينا نتابع حركة الطلاب والطالبات والأهالي المنتشرين على كافة الأرصفة المحيطة بـ «دوّار التموين> المقابل لبيتنا، والذي يحتلّ مركز المدينة، ويشكل نقطة تقاطع شارعي «ستّة إلا ربع»  و«سينما فؤاد»، أشهر سوقين لبيع الألبسة فيها، مع شارع «الجبيلة» الشهير، الذي شهد أول عمليات النزوح وفراغ البيوت من أهلها، إذ كان يشكّل نقطة التماس بين الجيش الحر وقوات النظام.

كانت تشرف على الدوّار ثلاث مدارس تحتلّ، مع بيتنا، الزوايا الأربع للشارعين المذكورين. تلك المدارس كانت مراكز لتقديم الامتحانات يومها؛ مدرستا غسان عبود والغافقي المواجهة تماماً لمنزلنا كانتا للإناث من الفرع العلمي، أما مدرسة يوسف العظمة فكانت مركزاً للذكور.

قبل الثامنة بربع ساعة تقريباً، فرغت الأرصفة إلا من الأهالي الذين افترش معظمهم أرض الرصيف بانتظار خروج بناتهم من امتحان مادة الكيمياء، التي تسبق مادة اللغة العربية، آخر مواد الامتحان، بيومين.

بعد الثامنة بدقيقتين، رنّ جرس المدرسة ليعلن بدء توقيت الامتحان.

أشعلت لفافة تبغ بعد أن خرج أخي الأصغر، عمران، من المنزل حاملاً فنجانين من القهوة قدمهما لي ولمعاذ.

نظرت صوب الجالسين على الرصيف المقابل لحظة صوت الجرس.. كان مشهداً متخماً بمشاعر القلق والخوف والأمل والرجاء.. أكفّ الأمّهات مفتوحة، ورؤوسهن تنظر نحو الأعلى.. يوجّهن دعواتهن إلى الله. والحقيقة التي كنا ندركها جيداً هي أن دعوات معظمهن تتمحور حول تقديم المادة الأخيرة قبيل وصول الحملة المدرّعة واندلاع المعركة ليتمكّنّ من النزوح بأمان نحو الأحياء «الآمنة> –الجورة والقصور- أو لمغادرة الدير صوب مدينة الرقة التي اكتظت وقتذاك بنازحي الدير وحمص وريفي دمشق وحلب، ليتجاوز عدد سكانها ثلاثة أضعاف الرقّيين الذين تربطهم بالأصل علاقات قربى ومصاهرات وصداقات مع أبناء تلك المدن عموماً. 

كنا نحرّك رؤوسنا جميعاً صوب جهة أصوات الرصاص التي راحت تشتد شيئاً فشيئاً، تتخللها بين الفينة والأخرى صوت قذيفة دبابة أو (ب.م.ب).

طلبت من عمران إحضار إبريق من الماء البارد ليشرب منه أولئك القلقون على الرصيف الآخر. رنّ هاتف معاذ الجوّال، فكان أحّد أصدقائه القاطنين في حي الرشدية الملاصق لشارع نهر الفرات، يخبره بازدياد حركة النازحين وسياراتهم التي يمثّل ذلك الشارع منفذها الوحيد صوب أحياء النظام وطريق السفر إلى الرقة؛ وليستفسر منه حول إشاعات تتناول وصول الحملة وتوجُّهها نحو قلب المدينة. 

كنت أستبعد، نسبياً، قيام النظام بتلك الحركة، فهو على علم بامتحان طلبة الثانوي وما يرافقه من تواجد موظفي الامتحانات ومندوبي التربية لإجراء جولاتهم التفقدية داخل المراكز، وعناصر الشرطة المدنية الموزّعين في داخل المدارس للإشراف على سير الامتحانات وتأمين أكياس أوراق الفحص بعد ختمها، وتسليمها لدائرة الامتحانات..

خرج عمران يحمل إبريق الماء فتناولته ثم طلبت منه إحضار هاتفي الجوال من غرفة المكتب، كنت قد وضعته على الشحن مستغلاً وصول التيار الكهربائي الذي سيقطع بالتأكيد في أية لحظة.

كان الوقت حينها يقترب من الثامنة والنصف، إي لم تمضِ على الامتحان أكثر من نصف ساعة.

أدرت وجهي استعداداً لقطع الشارع الفارغ، ومعاذ لا يزال يتحدّث مع صديقه، أما عمران فكان يسير في الممر متجهاً صوب غرفة مكتبي الواقعة عند نهايته من الجهة اليسرى، مقابل الباب المؤدّي لبقية أجزاء المنزل. 

قبل وصوله باب المكتب بخطوة أو اثنتين، طلبت منه العودة لإحضار غرض آخر. أثناء ذلك ارتفع صوت الرصاص والقذائف بشكل مخيف، فعاد عمران ليسمع بوضوح ما سأطلب منه.. تذكّرت حينها أن يجلب كأساً فارغاً لأسكب فيه الماء.

ما إن أنهيت طلبي وأدرت وجهي نحو الشارع ثانية حتى دوّى صوت انفجارٍ اقتلعنا جميعاً من مطارحنا وغيّر نسَق أجسادنا وملامح وجوهنا.. برزت غيمة كثيفة من الرمل المتطاير والدخان الرمادي، وبدأ الرصاص ينهال على المكان من كل حدب وصوب ليخترق الجدران وشبابيك الصفوف العليا من المدرستين.

أمسكتُ معاذ من يده، أما عمران فركض مباشرة نحونا وأنشب أصابعه بجسدي كمخالب قط. 

راح الجميع يتراكض دون هدى ليصطدم بعضهم ببعض قبل ذوبانهم داخل الحارات الفرعية. 

خرج الطلاب والطالبات من مدارسهم ليغصّ بهم شارعنا فيغدو كيوم الحشر والميعاد.

وبدون تفكير، رحنا ندعو الجميع للدخول إلى المنزل. 

دخل عشرة.. ولحقهم مثلهم حتى اكتظ بهم الممر. 

الباب لا يزال مفتوحاً.. وأكثر من ثلاثين طالباً وطالبة يقفون خارجه على الرصيف.

صحت بمعاذ: «أين مفتاح القبو؟»

أخرج من جيبه علاقة المفاتيح، وبلمح البصر أنزلنا الجميع إلى الكافتيريا. كان التيار الكهربائي ما يزال متوفراً، فرفعت جميع قواطع الكهرباء وأغلقت الباب وأقفلته بسرعة.

طلبت من الجميع الجلوس على المقاعد والطاولات والاحتفاظ بالهدوء قدر الإمكان ريثما تتضح لنا صورة المشهد ومعرفة ما يحصل في الأعلى.

الطالبات غرقن بدموعهن.. عددهن كان يفوق الطلاب.. طلبت بعضهن إجراء اتصال مع أهاليهن ليضعنهن بصورة الوضع.. نصفهن كنّ قد جئن برفقة أمهاتهن وآبائهن، ولكن الأخيرين كانوا قد اختفوا قبيل خروج البنات من المدرسة. 

راح معاذ يتصل ببعض الأهالي لطمأنتهم، بعد حصوله على أرقامهم ممّن تذكّرها من أبنائهم المحشورين.. البعض منهم لم يردّ، وقليلون الذين ردّوا ورجوه بإبقاء الجميع داخل المكان؛ أبلغوه بأن المنطقة محاصرة بالكامل من قبل الجيش والأمن، ولن يتمكنوا من الوصول إلينا، وأخبروه أيضاً بأن قسماً كبيراً من الطلبة بقوا محاصرين داخل مراكز الامتحان.

بعد الاتصالات والمحادثات، لم يتبقّ في هاتف معاذ إلا القليل من الشحن، ولم نجد شاحناً في الكافتيريا. قررت الصعود إلى المنزل لتناول هاتفي مع الشاحن. وعلى الرغم من معارضة معاذ والبقية لذلك، إلا أنني ركبت دماغي وخرجت من القبو.

باب المنزل تركناه مفتوحاً لحظة نزوحنا إلى القبو، ولكن للدخول عبره يجب علي صعود الدرج بالكامل ثم الاستدارة نحوه، ما سيجعل جسدي مرئياً بالكامل لكل من يرصد الشارع..

وبهدوء وبطئ شديدين، صعدت الدرج، وجسدي يرتجف بصورة لم تتكرر حتى اللحظة من شدة أصوات انفجارات قذائف الدبابات وأزيز الرصاص وصفير قذائف (المورتر) المهيجة للأعصاب..

عند الدرجة الأخيرة، ألصقت جسدي بالحائط وسحبت نفساً عميقاً للقفز والاستدارة بسرعة.

وخلال أجزاء من الثانية كنت قد استدرت؛ ولكن، كان باب المنزل مغلقاً وجسدي يلتصق به!

بسرعة الضوء، ودون أدنى تخطيط، أرجعت كلتا يديّ إلى الخلف ودفعت بهما إلى الأمام ليُفتح الباب على مصراعيه، إنه الخوف، أو ما نسميه تجمّلاً <غلاة الروح>، هو من زرع بداخلي تلك القوة لحظتها لأفتح باباً من الحديد الصبّ، عجزت عن فتحه عشرات المرات كلما نسيت مفتاح المنزل في الداخل قبل ذلك اليوم.

عبرت الممر مسرعاً نحو غرفة المكتب ودخلتها، وإذ بها مضيئة بدون رفع قابس الكهرباء. أدركت حينها بأن قذيفة الدبابة التي داهمتنا في الخارج كانت تستقر داخل غرفتي، محدثة ثقباً بقطر يتجاوز نصف المتر، ومصدرها دبابة متمركزة في شارع البريد القديم الواقع خلف منزلنا تماماً، لمحت مقدمتها وجزءًا من سبطانة المدفع من ذلك الثقب.

تناولت الهاتف والشاحن وخرجت من المكتب.. سرت خطوتين ثم قفلت راجعاً لأغلق بابه جيداً، لا أعلم لماذا فعلت ذلك رغم يقيني حينها بأن البيت مصيره الدمار، والمكتب أصلاً صار غرفة مفتوحة على الشارع نتيجة القذيفة.

ما إن أدرت ظهري وعدت لأغلق الباب حتى سمعت صوتاً يشبه انكسار الزجاج، وعلى إثره تناثرت بجانبي شظايا إسمنتية كالتي ملأت غرفة مكتبي في الداخل ولكن بكمية ضئيلة. أدرت رأسي إلى الخلف لأجد الحائط بجانبي وقد اخترقته قطعة معدنية تشبه مقذوف البندقية الروسية لكنه أكبر بقليل، قيل لي لاحقاً بأنه مقذوف دوشكا.

هل هي الصدفة، أم القدر، أم العناية الإلهية، التي دفعتني تلك اللحظة للعودة وإغلاق باب المكتب وتفويت الفرصة على الطلقة كي لا تستقر داخل جمجمتي؟!

مشيت في الممر صوب الباب الخارجي بخطواتي الطبيعية، رغم الرصاص ودوي الانفجارات وغبار المكان.. أغلقته بهدوء.. نزلت الدرج ودخلت الكافتيريا مبتسماً، ثم وضعت الهاتف على «الكونتوار». 

كان الجميع ينظر نحوي باستغراب ودهشة شديدين.. أخذوا يسألون أسئلة متداخلة لم أفهم أياً منها، أذكر بأني قاطعتهم قائلاً: <خذوا الهاتف واتصلوا بأهلكم وطمئنوهم» ثم أدرت وجهي يمنة ويسرة وأنا أسأل: «أين عمران؟».. 

أطلّ عمران من الخلف رافعاً يده «أنا هنا أحمد، ماذا حصل معك؟»>.

سحبت عمران من يده وعانقته بشدّة حتى أدمعت عيناي.. ورغم استغرابه وحزنه لم يشأ طرح أي استفسار.

قبل مغيب الشمس بساعة أو أكثر، هدأت أصوات القذائف والرصاص، وبدأت الاتصالات تنهال علينا من كل حدب وصوب ليبلغنا أصحابها بأن النظام أُجبر على إيقاف القصف بسبب وجود طلاب من أبناء مؤيديه من بين المحاصرين داخل بعض المدارس منذ الصباح. 

أخرجنا الطلبة من القبو ليتجهوا صوب منازلهم. وقضينا، معاذ وعمران وأنا ليلتنا داخل القبو إلى أن جاء صباح اليوم التالي. ذلك الصباح الذي خرجنا فيه لنشهد اليوم الأول لانسحاب جيش النظام من قلب المدينة المحرر منه، والذي استمر كذلك إلى اليوم الذي سلّمه تنظيم داعش لنظام الأسد نهاية العام 2017.

في العام 2016، وبعد فراق استمر ما يقرب من أربع سنوات، التقيت عمران حين استطاع الإفلات من داعش وهرب من الدير ليلحق بي إلى إسطنبول، فأخبرته آنذاك عن سبب معانقتي له والدمعة التي ذرفتها، قلت له:

 «لو لم أطلب منك العودة إلى الممر قبل دخولك المكتب لإحضار كأس الماء، لما سامحت نفسي إلى آخر العمر.. فالقذيفة الأولى التي دوّت ذلك اليوم اخترقت غرفة المكتب في اللحظة التي ناديتك فيها للعودة». 

أما هو، فقد أبلغني بأن بيتنا لم يبقَ منه شيء سوى القبو.